جائزة ملتقى القصة القصيرة وفاضل خلف

09 فبراير 2026
+ الخط -

تحت عنوان "الأديب فاضل خلف.. فارس الأدب الكويتي" دُشِّنت فعاليات الدورة الثامنة لجائزة الملتقى للقصّة العربية. كانت الفعاليات مكثّفة، لكنّها تميّزت بحضور روح فاضل خلف، الذي كشفت لنا تجربته الثرية (في كتابة القصة والترجمة، وما تركه من كتب في الرحلة والفلسفة والتأمل والشعر والمقال) كاتباً كبيراً لم يُمنح حقّه. زخمٌ كبيرٌ عبّرت عنه مؤلفاته العميقة التي أشاد بها عميد الأدب العربي طه حسين.
لم نكن لنعرف هذه التجربة الكبيرة المخلصة للأدب لولا جائزة الملتقى للقصّة العربية بالكويت، وتحديداً (وتأكيداً) لولا نشاط الأديب الكويتي طالب الرفاعي، مؤسّس هذه الجائزة ورئيس مجلس إدارتها، وحرصه وتفانيه. عناوين من قبيل: "أحلام الشباب"، و"أصابع العروس"، و"الزمرّدة المسحورة"، و"فاكهة الشتاء"، و"على ضفاف مجرّدة"، و"ديوان 25 فبراير"، و"الضباب والوجه اللبناني"، و"كاظمة وإخوانها"، و"ديوان الفاضل"، و"عودة الصقر"، و"طاقة من الورد"، وعناوين أخرى، وضعتنا أمام كاتب أنفق حياته في الكتابة. إلى جانب عناوين في ترجمة القصّة وفي الفكر العربي، مثل كتابه القيّم "زكى مبارك بين رياض الأدب والفن.. عرض ونقد وتحليل" (مكتبة الآداب، القاهرة، 1957) الذي وضعه عن الفيلسوف المصري زكي مبارك؛ الكتاب الذي قال عنه طه حسين: "سرني أن يكون أول كتابٍ يصدر عن الأديب المصري الدكتور زكي مبارك... بقلم الأديب الكويتي فاضل خلف... ومعنى هذا أن أدباء الأقطار العربية الشقيقة، يسابقون أدباء مصر في التعريف بأدب مصر، وبأدباء مصر بكل إخلاص". ويكمل صاحب "الأيام" تلك الإشادة، مفصّلاً كتاب فاضل خلف عن زكي مبارك: "وإن فصول: في سبيل اللغة العربية، وكلمة في الأسلوب، وحياة عاطفية، وسرائر الروح الحزين، وأب وأبوة، ووفاء نادر المثال، كل هذه الفصول وغيرها من فصول، سوف تكون مثالاً يُحتذى في دراسة أدب الدكتور زكي مبارك".
صعد إلى القائمة القصيرة لهذا العام خمسة كُتّاب من (28 دولة عربية وأجنبية): أماني سليمان من الأردن، وشيرين فتحي من مصر، وندى الشهراني من قطر، وهيثم حسين من سورية، ومحمود الرحبي من عُمان. والأخير فاز بجائزة هذا العام بإجماع لجنة التحكيم، كما ورد في حيثيات بيان الجائزة الذي قرأه رئيس لجنة التحكيم الناقد المصري محمّد الشحّات.
ويعدّ الفوز بهذه الجائزة، ذات التنافس الشديد، مثار فخر وغبطة، مع عودة هذا النوع السردي العريق عالمياً، والصعب في الآن نفسه: فنٌّ يقتضي الاقتصاد والتكثيف واختيار الزوايا الخفية والقصية من رجفات الحياة. ونحن نعرف أن الاختصار والتكثيف أصعب كثيراً من الإسهاب، لأنه يحتاج إلى جهد وتركيز ووقت ومراجعات، إلى أن تكتمل القصّة في لوحة مختصرة معبّرة، ولم لا، خالدة. ذات مرّة، أرسل كاتب روسي رسالة طويلة إلى رفيقه، وقد ذيّلها بعبارة: "للأسف لم أجد الوقت لكتابة رسالة قصيرة".
تنوّعت فقرات الجائزة بين محاضرات وجولات ثقافية، وكانت زيارة مركز الشيخ جابر الأحمد الثقافي واحدة منها؛ إذ عاش الحاضرون أكثر من ساعة مع الطرب الأصيل من أصوات شابّة، وكانت صورة الفنّان الراحل عوض الدوخي تتصدّر المسرح مع إحياء لأغانيه الخالدة، مثل: "صوت السهارى"، و"يا من هواه"، و"ساحر العشّاق". وهذا المركز الضخم، "مركز الشيخ جابر الأحمد الثقافي"، يستحقّ أكثر من زيارة، نظراً لتعقيدات بنائه وتقسيمه الحديث العصري، ونظراً أيضاً لما يحتويه من ردهات فنّية كثيرة تمتّع وتثير العين والذهن.
في إحدى الجلسات تحدّث الكاتب المصري علاء عبد الهادي (رئيس اتحاد كتّاب مصر) عن أهمية الجوائز. وكان من أطرف ما أورده أمثلة "المعلّقات الشعرية" التي اعتبرها أول الجوائز العربية؛ إذ لا يمكن الوصول إلى هذا الشرف من دون مشقّة وجهد جهيد. فمن يحظى بشرف اختيار قصيدة معلّقة، سيمرّ في رحلة عسيرة وعناء قبل أن تُقرَّ قصيدته معلّقة، وإن كانت يتيمة شاعرها. فهل يمكن القول إن جائزة الملتقى للقصة العربية بالكويت هي بمثابة عودة لهذه المعلّقات، ولكن في جانبها السردي؟
ومن الألقاب التي طاولت أيضاً هذه الجائزة لقب "أوسكار القصّة العربية"، وقد أطلقه أحد الفائزين السابقين بها، وهو المغربي أنيس الرافعي. لقب تداولته بعض المقالات في الصحف العربية أثناء تغطية فعّاليات ونتائج الدورة الثامنة، ما يدلّ على أهمية هذه المسابقة وما تثيره من إعجاب عربي كبير، وتنافس ربما شارك فيه كبار كتّاب الأدب في العالم العربي، إلى جانب ما شهدته من عودة كبيرة لهذا الفنّ الأدبي الصعب: "فنّ القصّة القصيرة".

593B5A80-7333-4F6B-AC2C-800C049BDB93
593B5A80-7333-4F6B-AC2C-800C049BDB93
محمود الرحبي

كاتب وقاص عُماني، صدرت له تسع مجموعات قصصية، وأربع روايات، فاز بعدة جوائز عربية

محمود الرحبي