"حقوقُ الإنسان"... هذه الأكذوبةُ الغربية
خلّد العالم، في 10 ديسمبر/ كانون الأول الجاري، الذكرى 77 لصدور الإعلان العالمي لحقوق الإنسان. وفي وقت كان يُفترض أن تكون المناسبة فرصة لترسيخ قيم حقوق الإنسان وتعميق الوعي بها في تقدّم المجتمعات واستقرارها، بدا أن اليأس مما آلت إليه أوضاع هذه الحقوق في العالم يزداد أمام نفاق الحكومات الغربية وانتهازيتها.
كشفت حرب الإبادة في غزة تناقض هذه الحكومات في تعاطيها مع قضايا حقوق الإنسان؛ فلم يكن آلاف الشهداء والجرحى والمفقودين والمشرّدين الفلسطينيين أكثر من أرقام، أو في أحسن الأحوال ضحايا حربٍ فُرضت على إسرائيل بعد "الهجوم الإرهابي" الذي شنته المقاومة الفلسطينية على العمق الإسرائيلي في 7 أكتوبر (2023). كشفت الحرب هشاشة آليات تطبيق الاتفاقيات الدولية ذات الصلة، عندما يتعلق الأمر بالدول والشعوب الضعيفة. وتبيّن، بالملموس، أن قرارات الأمم المتحدة بشأن فلسطين (جديدها أخيراً قرار الجمعية العامة الصادر الاثنين الماضي بتأكيد حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره)، معظمها يبقى حبرا على ورق، بسبب هيمنة الغرب على النظام الدولي. كان عجزُ المنظومة الدولية لحقوق الإنسان عن وقف المقتلة الفلسطينية في غزّة صارخا، فضربت هذه المقتلةُ بذلك القانونَ الدولي الإنساني في مقتل، أمام غياب آليات لإنصاف الشعب الفلسطيني.
كانت السنتان المنصرمتان منعطفاً مفصلياً وتاريخياً في فضح نفاق النخب السياسية والإعلامية والأكاديمية الغربية. فلم تتردّد حكومات غربية في منع التوشّح بالكوفية ورفع العلم الفلسطيني في المدارس والجامعات، بسبب حمولتهما الثقافية والسياسية في تغذية الرواية الفلسطينية، وهي التي طالما أعطت الدروس في ضرورة احترام التعدّدية وحرية التفكير والرأي والتعبير.
في المنحى نفسه، كان صادماً اصطفاف طيف عريض من الأكاديميا الغربية من دون حرج خلف الرواية الصهيونية، بعد أن نجحت جماعات الضغط الصهيونية في الغرب في تسخير التأثير المعرفي والثقافي والرمزي لهذه الأكاديميا في خدمة المشروع الاستيطاني والعنصري الصهيوني في فلسطين والإقليم، من خلال خطاب معرفي وأكاديمي موالٍ لدولة الاحتلال. لا مجال لحرية الرأي والتعبير في الغرب، عندما يتعلق الأمر بالحقوق الفلسطينية؛ هناك مخاوف من صعود خطاب مستقل ومحايد يعيد قراءة الصراع وتفكيك حلقاته بعيداً عن الرواية الصهيونية، بشكلٍ يُعيد تشكيل وعي الأفراد والجماعات بحقيقته. وكمثال على نفاق هذه الأكاديميا ما حدث منتصف الشهر الفائت (نوفمبر/ تشرين الثاني)، حين ألغت إدارة "كوليج دو فرانس" في باريس استضافةَ مؤتمر "فلسطين وأوروبا" الذي نظمه المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات (فرع باريس). لم تجد إدارة هذه المؤسّسة المرموقة ما تبرّر به موقفها غير العلمي والمسيّس غير التذرّع "بحرصها على عدم الإخلال بالنظام العام"، في سقطة أكاديمية أخرى، كشفت حجم أكذوبة "حقوق الإنسان" في الغرب، وفضحت زيف ادّعاء احترام التعدّدية الفكرية وحرية الرأي والتعبير.
قد لا يكون من المبالغة القول إن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان هو في المحصلة شأن غربي خالص، ليس فقط بسبب أصوله الفكرية والقانونية الغربية، بل أيضاً بسبب سياقه التاريخي، على اعتبار أنه صدر بعد الحرب العالمية الثانية التي خلفت ملايين الضحايا. ولذلك كانت الحكومات الغربية حريصةً دائماً على احترام حقوق الإنسان، سواء داخل مجتمعاتها، أو فيما بينها، دولا وحكوماتٍ، بما يجنبها الانزلاق إلى أيٍّ من أشكال العنف. أما ما يحدث في مناطق أخرى من العالم، فحساباته الحقوقية مشروطةٌ بمصالحها.
لا تعني حقوق الإنسان الغربَ إلا بالقدر الذي يخدم مصالحه في هذا البلد أو ذاك من بلدان الجنوب. إنه مستعدٌّ لأن يقيم الدنيا ولا يقعدها من أجل ناشطة نسوية تضطهدها حكومة "طالبان" في أفغانستان، لكنه بالتأكيد لا يجد أدنى حرج في القفز على ما ارتكبته آلة القتل الإسرائيلية من مجازر وحشية بحقّ عشرات الآلاف من النساء الفلسطينيات في غزّة.
تُواجه المنظومة الدولية لحقوق الإنسان أكثر من مأزق، وهو ما بات يهدّد اتساقها العضوي المفترض، أمام عجز آلياتها السياسية والقانونية والقضائية عن التصدّي لما يحدث من فظاعات في أكثر من منطقة في العالم.