دان براون... المتعة السريعة وأثر المعرفة المفقود

16 سبتمبر 2025   |  آخر تحديث: 13:50 (توقيت القدس)
+ الخط -

على عكس الأعمال الأدبية الكبرى، تنقذُ السينما، برأيي، أعمالَ دان براون الذي تستعدّ فرنسا لإطلاق الترجمة الفرنسية لعمله الصادر أخيراً "سرّ الأسرار"، مع خمسمئة ألف نسخة جاهزة للتوزيع (وربما قريبا، من يدري، قد يتحوّل اقتباسا سينمائيا كما مع "شيفرة دافنشي"). يكشف هذا الرقم ولا ريب حجم الظاهرة التي أدّت إلى بيع ملايين النسخ في العالم، أكثر مما يكشف قيمة العمل، إذ يمكننا القول، بكل ثقة، إنّ نجاح براون ليس وليد عبقريةٍ أدبيةٍ نادرة، بقدر ما هو ثمرة وصفة سحرية تتكرّر من رواية إلى أخرى: لغز شائق، حبكة متسارعة، مطاردات سينمائية، وتلميحات متكرّرة إلى "حقائق تاريخية" تُقدَّم للقارئ كما لو كانت اكتشافات سبّاقة مذهلة. بيد أنّ هذه "الكشوفات" المزعومة سرعان ما تنكشف مليئةً بالثغرات والمغالطات، حيث يختلط الصحيحُ بالزّعم، والوثيقة بالأسطورة، ليخرج القارئ من الكتاب وقد عاش تجربة مثيرة، إنما فاقدةً الصرامة والمعنى العميق. من "شيفرة دافنشي" التي حوّلت لوحات دافنشي وتاريخ الكنيسة إلى مسرح مؤامرة، مروراً بـ"ملائكة وشياطين"، حيث يتصارع الفاتيكان مع جماعة سرّية، ويتحوّل العلم إلى أداة للغموض، وصولاً إلى "الرمز المفقود" وما فيه من مزجٍ بين طقوس الماسونية وخرافات مختلقة، ثم "الجحيم" الذي استعاره دانتي ليبني حبكةً بوليسيةً معاصرة، نجد أنفسنا دوماً أمام الخلطة ذاتها: قليلٌ من الفن، قليلٌ من الدين، قليلٌ من التاريخ، وكثيرٌ من التشويق.

في عمله ما قبل الصادر أخيراً "الأصل"، يطرح براون سؤالين جوهريين لطالما شغلا عالمي الفلسفة والدين: من أين جئنا وإلى أين نذهب؟ لكنه يصوغهما بروح ترفيهيةٍ تجعل الذكاء الاصطناعي وريادة العلوم الحديثة بديلاً عن الوحي، وكأنّ العلم بات هو الدين الجديد. غير أن ما يبدو أسئلة ميتافيزيقية مطروحة أيضاً في كتابه "سرّ الأسرار"، يتحول معه إلى حبكة فعّالة وعرض مبسّط يُشعر القراء بأنهم يلامسون أسرار الكون، وخاصة أن هذا النمط من التبسيط الذي يتّبعه براون، تحت ستار البحث والعمق المعرفيّ، ليس سوى تقنية تعكس بشكل مباشر ملامح الثقافة في عصرنا الحالي. اليوم، نحن نعيش في زمن السرعة والاستهلاك واختزال المعرفة إلى منتَج قابلٍ للتوزيع السريع. وجبة جاهزة، سهلة الهضم، غنية بالمنكهات، لكنها بلا قيمة غذائية حقيقية.

هذا ويكشف النجاح الهائل لروايات براون حاجة جمهور واسع إلى الاطّلاع على "السرّي والمخفيّ" من دون عناء البحث، وإلى الاطمئنان بأن لكل سؤال معقّد، حلٌّ نهائي وبسيط. هكذا تتجلى أعماله مرآةً لثقافة الوهم المعرفيّ التي تخلط بين المعلومة والفرجة، الاكتشاف والسلعة، وبين القلق الوجودي والمتعة العابرة. بيد أن هذا يبقى بعيداً كل البعد عن الأدب الكبير الذي لا يقدّم إجابات سهلة ولا يُختتم بحلول قاطعة. ففي "الحرب والسلام"، يجعل تولستوي من التاريخ الروسي مختبراً للأسئلة الوجودية حول الحرية والقدر، وفي "اسم الوردة" يمزج أمبرتو إيكو بين التشويق والتحقيق الفلسفي ليطرح أسئلة عن الحقيقة والمعنى. الأمثلة كثيرة ومتنوّعة، حيث لا يقدّم الكتّاب للقراء متعة فورية فقط، بل يتركون أثراً بعيد المدى يوقظ القلق الخلاق الذي يرافقنا منذ الأبد.

في نهاية المطاف، ليس براون مجرّد كاتب إثارة، بل ظاهرة تعبّر عن أزمة أوسع في الثقافة المعاصرة، أزمة المعنى في زمن الاستهلاك حيث تكشف رواياته أكثر مما تخلق، وتقول عن عصرنا أكثر مما تقول عن الأدب نفسه. وهج المتعة السريعة، والبحث المحموم عن إجابات مختصرة، فيما يواجهنا الأدبُ بما لا نريد أو نرغب بسماعه، من نوع أن الأسئلة أعقد من أن تُختزل، والمعرفة أعمق من أن تُستهلك، والإنسان محكومٌ بقلقه الأزليّ أكثر من طمأنينته الزائفة. وبهذا، ظاهرة رواج أعمال دان براون علامة على تحوّل الثقافة نفسها، إذ تكشف الحاجة العميقة إلى المعنى، في عالم يعجّ بالمعلومات ولا يقدّم معنى.

نجوى بركات
نجوى بركات
كاتبة وروائية لبنانية ومؤسسة محترف "كيف تكتب رواية"