دمياط... طهران... صنعاء
ليس من مصلحة مصر أو أيّ من الدول العربية الخليجية استدراج القاهرة أو توريطها في الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، ذلك أنّ الجحيم بعينه أن تمتدّ ألسنة الحريق المُشتعل بفعل فاعل معروف إلى مساحات وساحات جديدة خارج النطاق الحالي. من هنا، يبدو غريباً ذلك الإلحاح المُكثّف من الإعلام العربي على تعليق الجرس برقبة طهران في موضوع حادث ميناء دمياط الذي وقع مساء أوّل أمس في مصر. إذ قرّرت الفضائيات العربية منذ الوهلة الأولى الجزم بأنّ الحرس الثوري الإيراني قصف ميناءً مصريّاً بطائرة مُسيّرة أصابت سفينة غاز طبيعي، وأشعلت بها النيران. هكذا ذهبت هذه القنوات، مُذيعين وضيوفاً، بكلّ يقين إلى اتهام إيران، على الرغم من أنّ ردّة الفعل المصرية الرسمية الأولى نفت على نحو قاطع رواية الطائرة المُسيّرة من الأساس واعتبرت الحادث حريقاً عاديّاً، قبل أن تعود ظهر اليوم التالي (أمس الخميس)، وتعلن أنّ الحادث ناتج عن قصف بطائرة مُسيّرة لم تحدّد من أين جاءت أو أيّ جهة وجهتها.
بينما كانت الدوائر المصرية الإعلامية والإدارية تصرّ على استبعاد احتمال الطائرة المُسيّرة، خرج الرئيس الأميركي بتصريح إنّ لديه إحاطة بما جرى في الميناء المصري، من دون أن يفصح، لكن طيفاً من ضيوف استديوهات التحليل العرب اعتبروا هذا سبباً كافياً للتشبّث برواية أنّ إيران ألحقت مصر ببنك أهدافها العدوانية بعد عملياتها الصاروخية التي طاولت دول الخليج والأردن، فيما بدت وكأنّها عملية حشد وتعبئة، إعلامية وسياسية، ضدّ إيران، التي تحوّلت، وفق الرواية التلفزيونية المُكرّرة حدّ الملل، إلى الطرف البادئ بالاعتداء على دول الإقليم، التي يجب أن تصطفّ خلف المشروع الأميركي الصهيوني ضدّ المشروع الإيراني الذي يريد ابتلاع الشرق الأوسط كلّه، في تجاهلٍ مُشينٍ لمبتدأ القصة كلّها وجذرها الرئيس، وهو أنّ كلّ معطيات المشهد الراهن، بما فيها الاعتداءات الإيرانية على جيرانها في الخليج، هي نتيجة حربٍ عدوانيةٍ أميركيةٍ صهيونيةٍ إجراميةٍ على إيران قبل ستة أشهر، وهي الحقيقة التي يتصوّر بعض المحشودين المُحتشدين ضدّ إيران أنّ من الممكن سقوطها بتقادم الضربات والضربات المُضادة، كما يفعل المعلّقون الأميركيون من صهاينة الحزب الجمهوري، في عملية تدليس وتزييف وترويج للرواية الصهيوأميركية للصراع.
لم يتوقّف أحدٌ ليطرح الأسئلة اللازمة في حادث دمياط، ويحاول تقديم إجابات منطقية وموضوعية لها بعيداً عن التشنّجات الطائفية، مثلًا: هل يفيد إيران أن تستعدي طرفاً ترى فيه صديقاً مُحايداً ووسيطاً جيّداً عند الحاجة مثل القاهرة؟ وما هي المصلحة العائدة على إيران أن تستدعي دولة مهمّة من دول المنطقة المُشاطئة للبحر الأحمر لقائمة الأعداء، في وقتٍ يحشد فيه خصومها في الخليج من أجل تشكيل تحالف بحري للتدخّل العسكري في البحر الأحمر وباب المندب؟ هل يستقيم عقلاً أن تضغط طهران على القاهرة وتستفزّها لكي تتخذ قرارها وتنهي تريّثها أو تردّدها في الانضمام إلى تحالف بحري يستهدف إيران وحليفها في اليمن، جماعة الحوثيين، بالأساس؟
سؤال آخر: إذا كان كلّ هؤلاء يمتلكون اليقين، معلوماتيّاً وتحليليّاً، بأنّ الحرس الثوري اعتدى على مصر، فلماذا لم يُسارع النظام المصري إلى الاستثمار في هذه الفرضية، وهو الذي يرتبط بمصالح اقتصادية ومالية هائلة مع الأطراف الباحثة عن أعضاء لنادي كراهية إيران والعداء لها، وبالأخص علاقاته الاقتصادية العميقة حتى القلق مع الكيان الصهيوني في موضوع الغاز الطبيعي، وكذا دول خليجية تتقدّم الصفوف الآن في المواجهة مع طهران؟!. أيضاً ماذا يكسب الجانب المصري من الدخول في مواجهة صريحة ومباشرة مع جماعة الحوثيين، الحليف اليمني لإيران، والذي يُتهم بأنّه يلوّح باستخدام ورقة باب المندب في الصراع، وهو ما يعني مباشرة خطراً مُحدقاً على قناة السويس المصرية؟
ليس ثمّة شواهد سابقة على أنّ الحوثيين يسعون إلى استعداء القاهرة، بل إن عكس ذلك يتردّد في أروقة السياسة والاستراتيجية، فضلاً عن أنّ الطرف المصري لم يُبد حماسة لافتة لموضوع التحالف العسكري في البحر الأحمر، إن في نسخته الأولى، أو النسخة التي أعلنت عنها الرياض أمس بوصفها عاصمة الرئاسة والقيادة والمقرّ للتحالف الوليد. وفي هذا، بدا لافتاً التعامي الإعلامي عن نفي الجانبين، الإيراني واليمني، كلّ علاقة لهما بحادث الطائرة المُسيّرة في ميناء دمياط.
مرّة أخرى، لا مصلحة لكلّ الأطراف في إقحام القاهرة طرفاً في صراع تريده واشنطن وحليفتها تل أبيب، شاملاً وموسّعاً، وتحرّض عليه باعتبارها الوصية على ما تسميه محور الاعتدال السني. لا كاسب من هذا التورّط المطلوب سوى الكيان الصهيوني... فقط.