ذكريات مع صوت زياد الرحباني
كاتب وقاص عُماني، صدرت له تسع مجموعات قصصية، وأربع روايات، فاز بعدة جوائز عربية
زياد الرحباني في حغل موسيقي له في دمشق (15/7/2009 فرانس برس)
كان هناك مُسجِّل صغير وسط صالة الضيوف، حيث كنّا نسكن في حي وادي عدي بمسقط، في الثمانينيّات، ويتميّز هذا الحي (وادي عدي) بأن جميع بيوته صغيرة ومتشابهة ومصفوفة، تتكوّن من غرفتَين ومجلس وصالة، وسطح طبعاً. والسطح بالنسبة إلى عائلة كبيرة نسبياً كعائلتنا، بإخوتي السبعة وأبي وأمي وجدّتي، علاوة على من يزوروننا من القرى ويمكثون أياماً، هو متنفّس الأطفال ومسرح الركض واللعب والحركة والصعود والهبوط، والباب الخارجي يكون عادة مفتوحاً كبقية أبواب بيوت حارات وادي عدي. لذلك، يدخل أطفال الجيران ويتّجهون رأساً إلى السطح للمشاركة في اللعب، وبدورنا نخرج إلى بيوتهم وأعيننا على السطوح. وفي الشتاء، تكون هذه الأسطح أماكنَ للنوم.
المُسجِّل الذي في صالة الضيوف كثيراً ما يصدح بأغانٍ متفرّقة، أو يضبط على تردّد الإذاعة العُمانية الزاخرة بأغاني ذلك الزمان، ولكن حين صدر ألبوم زياد الرحباني "أنا مش كافر"، الذي لا أعرف كيف وصل إلي، ظلّ هذا الكاسيت يدور في هذا المُسجِّل الصغير طوال الوقت وبصوت مرتفع، حتى إن الأطفال كانوا يلتقطون الكلمات ويبدأون في ترويجها: "أنا مش كافر بس الجوع كافر.. أنا مش كافر بس المرض كافر.. أنا مش كافر بس الفقر كافر والذلّ كافر.. أنا مش كافر، لكن شو بعملّك إذا اجتمعوا فيّي كل الإشيا الكافرين". يستغرب الكبار حين يسمعون هذه الأغنية التي بدأت بالانتشار في الشارع انطلاقاً من بيتنا، ولكن التسامح كان كبيراً مع الأغاني حينها، إلى أن راجت بعد ذلك خطب الداعية الكويتي أحمد القطّان بصوته المُزلزِل، وانتشرت خطبه بقوة النار في الهشيم، ما شكّل فاصلاً بين مرحلة متسامحة مع الفنون، وأخرى متّجهة نحو التجهّم والترهيب.
استُبدلت بأشرطة الأغاني مثل هذه الأشرطة الوعظية عالية الصوت، ومواضيع من قبيل "عذاب القبر"، و"مطالب أهل النار"، و"حال المؤمن والكافر يوم القيامة"، و"سهام إبليس"، و"انتبهوا أيها الغافلون"، وغيرها من مواضيع لا تبدي أدنى تسامح، حتى مع الطرب الأصيل الهادئ، بكلماته البليغة مثل صوت محمّد عبد الوهاب وفيروز وأم كلثوم، وطبعاً لن يكون هناك أدنى مساحة لصوت زياد الرحباني، الذي ينطلق من القاع، ومن مفارقات الحياة، ونقد الفساد بأنواعه، وخاصّة أغنية "أنا مش كافر" ببعدها الإنساني الساخر، وهي تخاطب المسلمين والمسيحيين على حدّ سواء، وكان ضمن كلماتها: "يللي بيصلّي الأحد ويللي بيصلي الجمعة.. وقاعد يفلح فينا على طول الجمعة.. هوّ يللي ديّن قال وأنا يللي كافر عال.. راجعوا الكتب السماوية راجعوا كلام القادر".
نستمع الآن إلى صوت فيروز في السيارات أكثر، وفي الصباحات، وفي مختلف الإذاعات، دائماً ثمّة أغنية لفيروز، لا بدّ أن زياد بعبقريته الممزوجة بحسّ نقدي ساخر، كان يدرك أنه لا يمكن أن يضيف كثيراً لو ظلّ متتبعاً خطّ والدته وأعمامه، لأن سماءهم ملأت الوجود العربي بكلّ سلاسة ومحبّة، لذلك اختار أن ينطلق من الأرض، أي أن تكون شعبيته بعيدة عن تلك الصرامة والأناقة الفيروزية المميّزة والعظيمة، فشقّ طريقاً ممزوجاً بالجنون والسخرية. وإن كان وجد في المسرح مساحته الأكبر في الانتشار، إلا أن أغانيه كذلك لها ذواقها.
هناك من لا يتفق مع بعض قفشاته في مقابلاته الإذاعية، ولكن لا يمكن الاختلاف حول إنسانيته ونزاهته، وفي هذا يشترك أيضاً مع السيدة فيروز والدته، التي رفضت أن تغنّي للأفراد والأشخاص. زياد أيضاً ربّما كان في إمكانه أن يكسّب كثيراً من المال لو شقّ هذا الطريق، نظراً لإمكانياته الموسيقية الكبيرة.
مرّة سمعت لقاءً في برنامج طربيات بإذاعة صوت الخليج القطرية، وكان اللقاء مع الملحّن الكويتي المعروف أنور عبد الله، وحين ورد اسم زياد استغرق أنور في الحديث عن عبقريته، وأضاف بعض التفاصيل من قبيل أن زياد يعلّق في صالة منزله فقط صورة الشيخ زكريا أحمد، وأحياناً حين يدخل بعض الضيوف يظنونها صورة أحد أقاربه أو جدّه. وأذكر مرّة حين كنت طالباً التقيت الراحل كوكب حمزة في الرباط في التسعينيّات، وأجريت معه لقاءً في مقهى باليما (ضاع مني هذا اللقاء للأسف)، سألته عن رأيه بأغاني زياد، فأشاد أكثر بألحانه، وقال لي إن كثيراً من المغنّين يتمنّون أن يلحّن لهم زياد ولو أغنية واحدة، ولكن زياد يرفض أن يلحّن لأحد إن لم يكن مقتنعاً به.
برحيل زياد الرحباني تخسر سماء الذائقة العربية مدرسة موسيقية شعبية، انفتحت بهدوء على السخرية والجنون الخلّاق.
كاتب وقاص عُماني، صدرت له تسع مجموعات قصصية، وأربع روايات، فاز بعدة جوائز عربية