رسائل مشفّرة من أنصار قيس سعيّد
تونسيون مناصرون للرئيس قيس سعيّد في مظاهرة مؤيدة له في العاصمة (17/12/2025 Getty)
في ذكرى انطلاق الثورة التونسية، عبّأ أنصار الرئيس قيس سعيّد جهودهم لإثبات وجودهم، بعد غياب طويل وتعثر متواصل. فقد شهد شارع الحبيب بورقيبة في العاصمة تجمّعاً مقبولاً من حيث العدد، وناجحاً إلى حد ما في تبليغ الرسائل التي طلب من المشاركين إرسالها إلى الداخل والخارج.
ما تريد هذه المقالة التوقف عنده تفكيك محتوى هذه الرسائل. وفي مقدمتها التعلق الشديد برئيس الدولة، حتى بدت الصورة أقرب إلى المبايعة غير المشروطة لقيس سعيّد، حيث دافع المشاركون عن سياساته، وأكّدوا ثقتهم بشخصه واختياراته، ووجدوا له أعذاراً في ما أخفق في تحقيقه. وفي ذلك رسالة إلى من يفكّرون في إزاحته عبر الشارع، أو في الانتخابات الرئاسية المفترض أن تنعقد في سنة 2028، فالرئيس باق إلى أن يأتي ما يخالف ذلك.
الرسالة الثانية التي أكدتها تصريحات المشاركين وشعاراتهم تمثلت في رفض قطعي وبات للمعارضة بكل ألوانها وفصائلها. فالحقد الذي جرى التعامل به مع المساجين السياسيين كان لافتاً ومخيفاً، حيث تمت إدانتهم، ونُعتوا بأقذر الصفات وأخطرها من دون دليل. ومن وجهة نظر المشاركين، سيكون مستقبل تونس خالياً تماماً من مختلف أشكال المعارضة السياسية والمدنية وهياكلها.
وجاءت الرسالة الثالثة في شكل شعار مركزي لتلك المسيرة "لا للتدخّل الخارجي". وقد كان الرئيس في طليعة من رفع ذلك الشعار أمام مبنى المسرح البلدي في الثالثة والنصف فجراً من يوم الاحتفال بعيد الثورة. وهي رسالة تتكرّر في كل مناسبة يصدر خلالها الاتحاد الأوروبي أو أي جهة أميركية مؤثرة موقفاً ضد السلطة. ورغم أن هذه الأطراف لم تغيّر سياساتها في الفترة الأخيرة، واستمرّت في علاقتها بتونس بشكل عادي، باستثناء ما حصل في البرلمان الأوروبي من إدانة لأوضاع الحريات في البلاد، وهو ما جعل الهجوم عليها غير مفهوم لدى العديد من المتابعين. ربما تملك السلطة معلومات "سرّية" جعلتها متخوفة من سيناريوهات معينة، وهو ما قد يفسّر غضبها الشديد. فالرئيس سعيّد رفض استقبال السفير الأميركي الجديد، ولم يسمح لوزير خارجيته بالقيام بالجانب البروتوكولي، وهو أمر لم يسبق أن حصل في تاريخ العلاقات بين البلدين.
الرسالة الرابعة هي الأهم، وتتعلق بشيطنة الاتحاد العام التونسي للشغل، فالهجوم الذي تلقّاه قادة هذه المنظّمة يخفي وراءه غضباً وقلقاً شديدين، بسبب ما أبدوه من معارضة قوية ضد شخص الرئيس وأسلوب إدارته السياسة الاجتماعية. ومما زاد في تعميق القطيعة بين الطرفين دعوات الاتحاد في المرحلة الأخيرة إلى التمسّك بالحرّيات العامة، ودفاعه عن المساجين، ووقوفه إلى جانب الأجسام الوسيطة من جمعياتٍ ومنظمات. والأهم إعلانه عن إضراب عام ينوي القيام به يوم 21 الشهر المقبل (يناير/ كانون الثاني)، والذي سيكون بمثابة القشّة التي ستقسم ظهر البعير. وهي لحظة ستكون حاسمة، ينتظرها الجميع لمعرفة الكيفية التي ستتصرّف بها السلطة في ردّها على الاتحاد والماسكين به. فهذه المنظمة بقيت بمثابة السور الأخير الصامد في وجه القطار السريع للرئيس قيس سعيّد، بعد انهيار بقية الأسوار الواحد تلو الآخر منذ جرى الشروع في القضاء على مختلف الهياكل الوسيطة بين الرئيس والشعب. وما يخشاه بعضهم أن ينقلب المشهد إلى مواجهة سياسية وأمنية تصعب معرفة تداعياتها في ضوء التوتر السائد.
يتبين من هذا العرض أن ما كشف عنه الأربعاء الماضي لا يطمئن، فمن جهة، تأكّد أن ما حصل كان بمثابة ردة فعل على تحرّكات المعارضة والمجتمع المدني في الأسابيع الماضية، وهو ما جعل السلطة تشعر بأن الأرض تتحرّك تحت أقدامها، فاعتقدت أن مؤامرة تحاك في الخارج بهدف إحداث تغيير سياسي في البلاد. وبناء عليه، تجرى الاستنجاد بكل المؤيدين للنظام من أجل تغيير اتجاه الريح، وتأكيد أن السلطة مستقرة، وأنها مستمرّة في طريقها إلى الآخر. وفي انتظار ما تخفيه الأسابيع المقبلة، ستتواصل التعبئة في الاتجاهين لاستنفاد كل الجهود من أجل حسم هذه المعركة الشرسة، إما لصالح النظام أو لصالح خصومه.