زينة بيروت الميلادية
زينة بيروت بمناسبة أعياد المبلاد (مواقع التواصل)
تلونت مختلف المناطق اللبنانية بزينة الميلاد لنشر أجواء الفرح والبهجة في نفوس اللبنانيين، إلا أن زينة وسط بيروت هذا العام لم تمرّ مرور الكرام، فالصورة التي انتشرت على منصة "إكس"، وتظهر أقواساً مضاءة بألوان قوية، أدت إلى عاصفة من التعليقات المنتقدة والمدافعة عن الزينة.
لا يلتقي لبنانيٌّ آخَرَ إلا وتكون "زينة بيروت الميلادية" مصدر نقاشهما، فالزينة، بحسب بعض المصادر، تأتي من ضمن شراكة بين شركة سوليدير (الشركة اللبنانية لتطوير وإعادة إعمار وسط بيروت)، وجهة خاصة تولت التصميم والتنفيذ، التي استوحت تصميمها من رؤية غربية بحتة مستوحاة من أساليب لإضاءة أوروبية. هذا ما عبّر عنه محافظ مدينة بيروت، القاضي مروان عبود، الذي وافق على موضوع الزينة لهذا العام، موضحاً إن الزينة صممها متخصصون لتعكس أجواء العاصمة بعيداً عن أي طابع ديني أو طائفي، مشددًا على "أن بيروت تحتفل بكل الأعياد بروح الوحدة والتنوع".
"على الزينة" انقسم اللبناني، ومن شكلها انتقل السجال إلى التجاذب الطائفي وتحديد هوية البلد. حيث اختلفت آراء اللبناني بين من يعتبر أنها أقرب إلى الطابع الشرقي "الرمضاني"، ومن وجد فيها أنها تعجّ بالألوان والحياة لتؤكد عودة الحياة إلى هذه المنطقة من لبنان، بعدما هجرها تجارها وروّادها لاعتبارات بدأت بالأزمة الاقتصادية التي مرّت بها البلاد منذ 2019، إلى حرب الإسناد التي قام بها حزب الله، وانتهت بحرب تدميرية دامت 66 يوماً.
تجربة الحرب الأهلية قابلة للتكرار ما دام أن مكوناته ينتظرون الحدث يتقاتلون طائفيّاً
في الشكل، يظهر الداخل اللبناني أن هناك تبايناً واضحاً بين الفئات اللبنانية على طريقة التصميم، إذ اعتبر المعترضون على أنها لم تلحظ الرموز الدينية ولا حتى الشعبية التي تجسّد معنى العيد من شجرة أو مغارة أو ما يرتبط بالشخصية التاريخية لـ"بابا نويل". فاعتراضهم هذا، أخذ النقاش والتجاذب الداخلي إلى مضمون الصراع وهو ربط الزينة بهوية لبنان، منطلقين من "المكانية" التي تمّ تزيينها، وهي بيروت الإدارية، لا بل عاصمتها التجارية، وهنا نتحدّث عن أسواق بيروت.
تراشق إعلامي بطعم طائفي، فجّرته قنبلة "الزينة"، فانحراف النقاش من الشكل إلى المضمون على وسائل التواصل الاجتماعي، واستُخدم فيه كل أنواع الشتائم والاتهامات الطائفية والمذهبية، دلالة على عمق الشرخ بين اللبنانيين. لقد أكدت هذه الحادثة أنّ هذا البلد، لم يكن يوماً بلداً منذ استقلاله عام 1943، وأن تجربة الحرب الأهلية قابلة للتكرار ما دام أن مكوناته ينتظرون الحدث يتقاتلون طائفيّاً.
"ليست رمانة، بل قلوب مليانة"، هكذا كانت حادثة بوسطة عين الرمانة في 13 إبريل/ نيسان 1975، والتي أطلقت حرباً أهلية دامت 15 سنة، وانتهت بدمار هذا البلد من دون أن تتمكن أي طائفة من إلغاء أخرى. وهذا أيضاً ما هي عليه اليوم المشهدية التي ترتبط بزينة الميلاد في وسط بيروت، فهي البوسطة التي فجّرت أزمة انقسامية بين اللبنانية لم تزل تتعمّق. فالجدال على الزينة كاد ليكون بوتيرة "أخف" لو لم يكن البلد أمام مشهد الانتخابات النقابية، تحديداً نقابتي المحامين وأطباء الأسنان.
هناك تصميم واضح على ترسيخ الانقسام وإعلاء شعار "ما بيشبهونا" عند كل مكون
لم يكن الطابع نقابيّاً في انتخابات نقابة الأسنان، التي جرت الأحد، 23 نوفمبر/ تشرين الثاني، عندما انسحب مرشحو الأحزاب المسيحية "قوات وتيار وكتائب" ترشيحاً وانتخاباً، بعد فشل التوصل إلى لائحة توافقية، بل اعتبر المنسحبون أن هذا العام شهد انقساماً عموديّاً حادّاً ولغة طائفية غير مسبوقة، الأمر الذي دفع إلى تغيير المكون المسيحي في اللائحة التي فازت بالتزكية. إلا أنّ هذه النتيجة وضعها بعضهم ضمن خانة الردّ على انتخابات محاماة بيروت، 16نوفمبر/ تشرين الثاني، والتي أفرزت نقابة من دون تمثيل إسلامي لأول مرة في تاريخها، ضاربة بعرض الحائط مفهوم التوافق أو المناصفة بين الطوائف.
من الإشكالية الطائفية على زينة بيروت إلى التشرذم في انتخابات النقابات، وصولاً إلى حديث الصالونات في بيوت لبنان عن جدلية سلاح الحزب بين التسليم واللاتسليم، على ما يبدو، هناك تصميم واضح على ترسيخ الانقسام وإعلاء شعار "ما بيشبهونا" عند كل مكون.
هذا كله دلالة واضحة على أن هذا اليوم يجسد واقع الحال في لبنان، ويؤكد قول الفنان الراحل زياد الرحباني، "هَيْ بلد لَأْ مش بلد، هَيْ قرطة عالم مجموعين"، وسط تغيب لغة العقل والاتزان واستحضار لغة الانقسام الطائفي، فهل سيقبل لبنان على قتال داخلي قبل قتاله الحتمي مع العدو الإسرائيلي الذي ينتظر نهاية زيارة بابا الفاتيكان لبنان في 1و2 الشهر المقبل (ديسمبر/ كانون الأول)؟