"سلام" ترامب والعجز الأوروبي

05 ديسمبر 2025
+ الخط -

على الرغم من كل المؤشرات التي تؤكّد عدم نجاعة خطّة السلام التي عرضها الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، لوقف الحرب الروسية الأوكرانية، فإنه ماضٍ بها من طرفٍ واحد، رغم معارضة غالبية الدول الأوروبية. يبدو أن سعي الرئيس الأميركي إلى إنهاء الحرب، ضمن استراتيجيته لتكريس نفسه "رجل السلام"، يتجاهل المخاوف الأوروبية من الأطماع الروسية في القارّة العجوز، حتى إنه قدّم خطة إنهاء الحرب من دون التشاور مع من كانوا "الحلفاء" الأوروبيين، كما أن المستشار الألماني، فريدريش ميرز، قال إنه لم يطلع على الخطّة الأميركية قبل تقديمها، مؤكداً أنها لا تتوافق مع التوجه الأوروبي لإنهاء الحرب، خصوصاً أنها تطالب أوكرانيا بالتخلي عن أجزاء من أراضيها لروسيا، مقابل أن توقف الأخيرة الحرب.

غير أن هذه الأصوات الأوروبية، التي عبّر عنها المستشار الألماني، لم توقف ترامب عن المضي في خطّته التي يراها الوسيلة الوحيدة لإنهاء الحرب. وها هو يرسل ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر للقاء الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، ومن الواضح أن اللقاء لم يكن وفق ما تريده الولايات المتحدة، فما تبعه من تصريحات ومواقف روسية يوحي بأن موسكو باتت في موقع قوة، وهي ترى الهرولة الأميركية نحوها، مع تجاهل "الحلفاء" الأوروبيين. فبعد اللقاء الذي جمع بوتين مع ويتكوف وكوشنر، خرج مستشار الرئيس بوتين للشؤون الخارجية، يوري أوشاكوف، ليؤكد أن اللقاء كان "إيجابياً ومفيداً"، من دون إشارة إلى أي تقدّم في التفاوض بشأن الخطة الأميركية. دقائق بعد الاجتماع، خرج بوتين نفسه ليشير إلى ما تراه روسيا من الاجتماع ومن التوجّه الأميركي تجاهها، فبدلاً من أن يكون اللقاء فرصة للتهدئة بانتظار ما ستؤول إليه المحادثات، وأي تنازلات ستقدّمها أوكرانيا، استغله الرئيس الروسي ليطلق تهديدات حربية، معلناً أن بلاده ستسيطر على دونباس (الأوكرانية) بالكامل عسكرياً إذا لم تنسحب القوات الأوكرانية، قائلاً: "إما أن نحرّر هذه الأراضي بقوة السلاح أو أن تغادرها القوات الأوكرانية".

تتقاطع هذه التصريحات الحربية مع إشارة بوتين الضمنية إلى رفض الخطة الأميركية، إذ قال إن "التوصل إلى نوع من الإجماع بين الطرفين المتناحرين ليس مهمّة سهلة"، معتبراً أن من السابق لأوانه الحديث ما إذا كانت بنود الخطة الأميركية للسلام في أوكرانيا تناسب موسكو أم لا. وأفاد بأن الإفصاح عن ذلك قد يعرقل العملية التي تسعى الولايات المتحدة إلى إطلاقها بواسطة الدبلوماسية المكوكية.

تترافق هذه التصريحات مع هجمات الطائرات المُسيَّرة التي تواصل روسيا شنّها على أوكرانيا وأطراف العديد من الدول الأوروبية. فموسكو لم تعد تتوانى عن خرق الأجواء الأوروبية، وهي وصلت قبل أقل من شهر إلى بلجيكا، في أخطر اختراق روسي للسيادة الأوروبية منذ انتهاء ما يُعرف بـ"الحرب الباردة".

لا شك اليوم أن الأوروبيين ينظرون بقلق بالغ إلى المساعي الأميركية في ما يخصّ الحرب الأوكرانية، إذ يرون واشنطن تستعد لتقديم تنازلات لروسيا على حساب المصالح الأوروبية، ما سينعكس سلباً على تعاطي موسكو مع أوروبا في المستقبل.

الخشية الأساسية بالنسبة إلى المسؤولين الأوروبيين هي من أن تؤدي المساعي الأميركية إلى تمكين روسيا من الساحة الأوروبية، من دون حسيبٍ أو رقيب، طالما أن ذلك يجري وفق التفاهم مع إدارة دونالد ترامب، خصوصاً أن التصريحات الأخيرة للرئيس الأميركي تشير إلى نظرة إيجابية إلى نيّات الرئيس الروسي، بالرغم من كل المؤشّرات التي تؤكد عكس ذلك.

قد يكون هذا التوجه الأميركي مفهوماً، خصوصاً لجهة عدم رغبة ترامب في استنزاف الميزانية العسكرية في الحرب الأوكرانية، لكنه يأتي على حساب الاتحاد الأوروبي، الذي يُؤخذ عليه الارتكان الكليّ إلى الولايات المتحدة، من دون التفكير بخياراتٍ دفاعيةٍ بديلةٍ في وجه التغوّل الروسي.

من المؤكد أن المسؤولين الأوروبيين يفكرون اليوم في ذلك، ويدرسون مشاريع كانت قد طُرحت سابقاً على طاولة النقاش، منها مشروع الدفاع الأوروبي، الذي قد يكون الوقت قد حان لتفعيله.

حسام كنفاني
حسام كنفاني
صحافي لبناني، يشغل حاليًا منصب مدير قطاع الإعلام في فضاءات ميديا، له منشورات في عدّة صحف لبنانية وعربية. يعمل في مجال الصحافة منذ أكثر من 25 عامًا، وهو من مؤسّسي موقع وصحيفة "العربي الجديد".