عمّان ممدوح العبّادي

09 اغسطس 2025   |  آخر تحديث: 02:50 (توقيت القدس)
+ الخط -

يُعرَّف طبيب العيون الأردني، ممدوح العبّادي (1943)، وزيراً (مرّتين) ونقيباً للأطبّاء (مرّتين ثانيتهما بالتزكية) وعُمدة عمّان (خمس سنوات) ونائباً منتخباً (ثلاث مرّات) ومديراً لمركز الحسين للسرطان (سنتين)، وأباً لخمس بنات. وفيما هو ابنُ عمّان ومن مواليدها ومقيمٌ فيها، فإنّه افتتح لنفسه عيادة خاصّة في الزرقاء سنواتٍ. ولا تكفي المساحة هنا لتعداد مواقع أهلية واجتماعية وإدارية وثقافية ورياضية (نائب رئيس الاتحاد الأردني لكرة القدم مثلا) تولّاها، وأخرى ما يزال عليها، عدا عن رئاسته عدّة جمعياتٍ وعضوياته في أخرى، منذ كان أمين سرّ رابطة الطلاب العرب، إبّان دراسته الطبّ في إسطنبول (تخرّج في 1966)، قبل التخصّص في بريطانيا، مروراً بتولّيه الأمانة العامة للجنة الشعبية الأردنية لدعم الانتفاضة الفلسطينية (1987) وصولاً إلى رئاسته حالياً مجلس أمناء مؤسّسة ياسر عرفات (منذ 2021) ومنصب نائب رئيس مجلس إدارة مؤسّسة عبد الحميد شومان، فضلاً عن أنه الحزبيّ المؤسّس في "التجمّع العربي القومي الديمقراطي الأردني" (1990). ويغشاك فائضٌ من إعجابٍ بالحيويّة التي يقيم عليها صاحبُنا، وهو شخصيّة جذّابة وودودة، في تنوّع مناشطه وتعدّدها (ترأس جمعية الصداقة الأردنية البلغارية مثلاً)، وفي مواظبته على الحضور في الفضاء السياسي والثقافي العام في بلده، وجهْره بمواقف وآراء، ناقدةٍ غالباً (بصراحةٍ زائدةٍ أحياناً)، وإنْ لا يروق لك بعضُها.
ليست فقط قراءتي أخيراً مذكّرات ممدوح العبّادي "السياسي "الأمين"" (دار ورد الأردنية للنشر والتوزيع، عمّان، 2025) مناسبة التعريف الشديد الإيجاز أعلاه بصاحبها، وإنما أيضاً ما أسمعه، في التجوال في عمّان، أن هذا الجسر وذلك النفق، وهذا المرفق وتلك المنشأة، وذلك الشارع وهذا المركز الثقافي، من منجزات سنوات العبّادي عُمدةً للمدينة، ونسمّيه هنا أمين العاصمة (1993 – 1998). وإذ آثر الوزير والنقيب والنائب صفته "الأمين" في عنوان كتاب مذكّراته، الشائق، فإنه بهذا يدلّل على ما لهذا المنصب من اعتبارٍ خاصٍّ في نفسه. ما يذكّر بما قاله رئيس وزراء الأردن الأسبق، عبد الرؤوف الروابدة، المخضرم في مواقع وزارية وبرلمانية وأهلية عديدة، إن منصبه أميناً عامّاً للعاصمة هو الأحبّ إليه. وأفتح هنا قوساً، وأشير إلى أن رؤساء بلديات مدنٍ كبرى انتُخبوا لاحقاً رؤساء لبلادهم، الفرنسي عُمدة باريس شيراك والإيراني عُمدة طهران أحمدي نجاد والتركي عُمدة إسطنبول أردوغان. ومع تثمين كل جهدٍ لكلّ من تولّى أمانة عمّان، قبل ممدوح العبّادي وبعده، ومع التنويه بمنجزات بعضِهم، لا يعود تخصيص الحديث هنا عنه فقط إلى تميّز أدائه المؤسّسي والمهني، وإلى شواهد منظورة تدلّ على هذا، وإنما أيضاً ما يؤكّده عن مزاياه الإدارية وديناميّته كثيرون عملوا معه ومع غيره في أمانة العاصمة.
تفاصيل أردنية محلّية وفيرة جال فيها العبّادي في كتابه، وقد جاء على كدْحٍ كثيرٍ وشيء من الفقر في طفولته، وسنوات دراسته وانتقالاته الوظيفية والعملية، وسُلفِه من البنوك ومن أصدقائه. وقد يستحسن القارئ، غير الأردني مثلاً، معرفة ما خدَم فيه هذا الرجل عاصمة بلاده، عمّان التي يُعجَب زوّارُها (أكثر من المقيمين فيها ربما!) بأناقتها وحداثتها (سيّما غربيّها)، وهو يخصّص نحو 60 صفحة لسنواته الخمس أميناً عاما للعاصمة، قبل أن "يُطرَد" من موقعه هذا، على ما يشدّد في مفردته هذه، في مخالفةٍ قانونية كما يذكُر، لمّا كان الملك الحسين على سرير مرضه الأخير في الولايات المتحدة (1999). "بسبب مواقفي الصلبة، وقراراتي المُنصفة ضمن منظومة القوانين"، بتعبيرِه. وقد بلغه النبأ، وهو في الميدان، بينما كان على أحد الجسور المرفقة بأحد المشاريع. والمفارقة أن العبّادي، الذي انقطع لعمله في هذه السنوات بحماسٍ شديد، عندما جاءته مكالمةٌ بنيّة تعيينه أمين العاصمة وقَع عليه هذا "كالصاعقة"، على ما يُخبرنا، وحاول الرفض، "لأنه طبيبٌ وليس مهندساً، ولا يصلح لهذا المنصب"، على ما أبلغ صديقه خالد الكركي الذي أعلمه بالخبر.
... من حُسن حظ عمّان أن رجلاً اسمُه ممدوح العبّادي تولّى شؤونها عُمدةً لها، فمن مآثره إقامته دائرة ثقافية نشطة في الأمانة، فضلاً عن مشاريع ومعالم باقية شواهد على "جهود شبابٍ وشابّاتٍ" شكرهم في مفتتح مذكّراته، كان لهم الفضل في إنجازاتٍ تحقّقت في أثناء عهده في الأمانة، على ما ذكر ... وبعضٌ طيّبٌ من الإنجازات معلومٌ للعامّة وآخر غير معلوم، وفي الكتاب سردٌ طيّبٌ عن هذا كله وكثيرٍ غيره.

معن البياري
معن البياري
رئيس تحرير "العربي الجديد"، كاتب وصحافي من الأردن، مواليد 1965.