عن تفاهمٍ صعبٍ في لبنان
أنصار لحزب الله يحتجون في الضاحية الجنوبية على قرار الحكومة نزع سلاحه (7/8/2025 Getty)
... إذن، ليس صحيحاً الظنّ أن إيران، بعد الحرب الإسرائيلية الأميركية عليها، وأضرّتها وخصمت من صورتها، عندما نجحت تل أبيب في قتل جنرالاتٍ وعلماء كبارٍ فيها، وبعد انتهاء نظام الأسد في سورية، بُعيْد اغتيال إسرائيل حسن نصرالله وقياداتٍ وازنةً في حزب الله وإضعافها له، ليس صحيحاً أنها غيرُها قبل كل هذه المفاعيل الإقليمية والدولية. ومن شواهد دالّة على هذا الافتراض أن وزير الخارجية الإيراني، عبّاس عراقجي، يجد من حقّ بلاده أن ينطق باسمِها إن خطّة الحكومة اللبنانية حصر السلاح بيد الدولة ستفشل. وأن علي ولايتي، وهو مستشارٌ رفيعٌ للمرشد، لم ير حرجاً في رمي هذا القرار الذي اتّخذته حكومة لبنان، صاحبة الولاية والسيادة على بلدها ورعاياه، بأنه ضمن "مخطّطات أميركية وإسرائيلية"، فيقول إن "المقاومة في لبنان ستواجِه المؤامرات الهادفة إلى نزع سلاحها". وليس صحيحاً، أيضاً، أن حزب الله، بعد كل الذي لحقَ به، وبعد ذيوع كلامٍ وفيرٍ عن انتهائه سياسيّاً وعسكريّاً في بلده، يعلن أن الحكومة اللبنانية في قرارها تجريده من سلاحه "ترتكب خطيئة كبرى"، وإنه يتعامل مع القرار وكأنه "غير موجود". وقد وجدنا أن أنصاراً للحزب على كل الاستعداد لاستعراض مظاهر قوةٍ في البلد، كما تجدّد الحديث عن عصبةٍ شيعيةٍ قادرةٍ على أن تسيّج حزب الله بحضورٍ عريض يحميه من "المؤامرة" التي تعمل الولايات المتحدة على فرضها، من خلال ورقة مبعوثها، توم برّاك، على ما يقول المتسلحون بعُصبتهم هذه. ... والأمران يعنيان أنه كان وهماً ما جرى تعميمُه عن استضعافٍ ممكنٍ لحزب الله، الذي صار قليل الحيلة، فليس في وسعه أن يصدّ قراراً مُجمعاً عليه في الدولة ومواطنيها، إلا من عموم الشيعة منهم (مع استثناءات). وأمام هذا الحال، يصبح شديد الوجوب الحديث عن المقدور فعله، فليست الحرب الأهلية (تنذكر وما تنعاد) خياراً، ولا مواجهة الجيش مع مسلّحي حزب الله ومواقعه العسكرية، في شمال الليطاني على ما صار يًقال، فيما التداول في جولات حوار وطني سيكون نشاطاً فلكلورياً يعرف المشاركون فيه، قبل غيرهم، عدم نفعه.
إذن، إنه استعصاءٌ لبنانيٌّ جديد، له روافع إقليمية، إيران من جهة والولايات المتحدة والسعودية (وغيرهما) من جهة أخرى، يحتاج عقلاً خاصّاً للخروج من دوّاماته، التقليديّة في بعض وجوهها، والتي تبدو على مقادير أكثر حدّة من سابقاتها. ومن ذلك أن قول حزب الله عن تمسّكه بالسلاح، أو على الأصح انفراده بهذه الميزة عن غيرِه من التشكيلات اللبنانية (أقلّه كما هو معلن)، لا يجد وجاهته في مقاومة إسرائيل والردّ على اعتداءاتها المتكرّرة على لبنان. ببساطةٍ، ليس فقط لأن تفاهمات نوفمبر الماضي، غير المباشرة، مع إسرائيل، والاتفاق الذي رعته فرنسا والولايات المتحدة والأمم المتحدة، لا يعطيان الحزب هذا الحقّ، وإنما أيضاً لأن المعطيات الميدانية بعد الذي جرى في الحرب العدوانية التي جرّدتها إسرائيل على لبنان ومقدّرات حزب الله وقياداته وأوساطه، الخريف الماضي، جعلت الحزب غير الذي كان قبلها. ولهذا وغيره، ليس من التآمر في شيءٍ، ولا من البغضاء تجاه هذا التشكيل العسكري والسياسي والمذهبي في لبنان، أن لا أحد يرى مقاومةً ولا قدرةً لدى أصحاب هذه المقاومة على منع اليد الطولى للعدو الإسرائيلي من أن يتطاول بها على لبنان وسيادته. وليس من استهدافٍ من أيّ لون، ولا امتثالاً لأميركا، التأكيد، مليون مرّة، أن لبنان يحتاجُ أن يصير دولةً كما كل الدول، تحتكر السلاح، والمعنية من دون شراكة أحد بحماية أراضيها ومواطنيها. أما القول إن الدولة اللبنانية غير قادرة تماماً على هذه المسؤولية، فهذا لا يعني سوى العمل، بعوْن عربي وغير عربي، على تمكينها، وتعظيم قدراتها وجهوزيّاتها. وفي كل الأحوال، لا يعني هذا استئثار مجموعة عسكرية بعون الدولة، تحت مسمّى مقاومة، بانَ، مع كل الاحترام والتمثين لبطولات منتسبيها وبسالتهم وتضحياتهم العظيمة، أن أكلافها على لبنان وأهله جسيمة.
لقائلٍ أن يعقّب إن لا موضع في لبنان لهذا الكلام البديهي، والساذج ربما، بالنظر إلى خصوصيّات هذا البلد في المشرق العربي، غير أن الإجابة أن الوقت حان، وإنْ متأخّراً، لأن يتحرّر لبنان تماماً من كثيرٍ من هذه الخصوصيات، ولكن بنقاش عقلاء يتحاورون، لا باستعراضات درّاجات في الشوارع ولا بلغةٍ حربيةٍ حكومية، فثمّة بين هذه وتلك مساحة للتفاهم الممكن، أو الصعب، ولكن غير المستحيل كما نشتهي، وإنْ دلّا، حزب الله وولايتي، على أن دار لُقمان على حالها.