في تعيين سيمون كرم مفاوضاً لبنانيّاً
"شروط إنهاء الحرب جاءت أفدح من الحرب، وما يزيد الأمور بشاعة أن الذين أذعنوا لوقف إطلاق نار من طرف واحد مع إسرائيل، يطلقون نارًا كثيفة على الداخل". ... لم يمرّ هذا القول في قاعة المحاضرات في الجامعة اليسوعية في بيروت في يوليو/ تموز الماضي، في ندوة تكريم النائب الراحل حبيب صادق، والذي سبّب انسحابات شخصيات مقرّبة من حزب الله، إلا أنّ اللافت هنا أنّ مطلق هذا القول هو نفسه من عيّنه الرئيس اللبناني، جوزاف عون، رئيساً للوفد المفاوض مع إسرائيل، السفير اللبناني السابق في الولايات المتحدة، سيمون كرم.
في خطوة لاقت ترحيباً أميركيّاً واعتبرت مفاجئة للداخل اللبناني، أقدم عون على "تطعيم" الوفد اللبناني بشخصية مدنية ذات جذور دبلوماسية، للانضمام إلى مجموعة "الميكانيزم" المعنيّة بإرساء السلام والتوصل إلى تسوية نهائية بين لبنان وإسرائيل.
جاء هذا التعيين في وقت كانت هناك توقعات بتصعيد عسكري على لبنان، وفي ظلّ رسائل غربية وعربية وصلت إلى المسؤولين في الداخل، تؤكّد أن إسرائيل ستشن حرباً تدميرية على لبنان، بعد نهاية زيارة البابا الذي غادر 2 ديسمبر/ كانون الأول الجاري بيروت، حدّاً أدنى، أو مع نهاية المهلة التي وضعها الرئيس الأميركي دونالد ترامب في نهاية الشهر الجاري، إن لم يقدم لبنان على تحريك الماء الساكنة في ظل جمود دبلوماسي وميداني لبناني في شأن موضوع حصرية السلاح، ووسط تنفيذ إسرائيل غاراتها تحت عنوان قصف مخازن أسلحة لحزب الله في جنوب الليطاني وما بعده، على اعتبار أن هذا يناقض بنود تلك الاتفاقية التي شنّ كرم هجومًا عليها.
شهدت مناطق ذات نفوذ حزب الله تحرّكات "موتوسيكلية" كالعادة لمؤيديه ومناصريه، رافضين قرار التعيين هذا، على اعتبار أنه خطوة نحو التطبيع
وقال مصدر أميركي تعقيباً على قرار التعيين، إن "هناك أجواء ترحيب في واشنطن بخطوة لبنان تعيين رئيس وفد مدني للتفاوض مع إسرائيل"، وإن الإدارة الأميركية تتجه نحو "زيادة الضغط على رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو في ما يخص ملف لبنان". إذ يبدو أن تعيين لبنان ممثلاً مدنيّاً في "الميكانيزم" أحرج تل أبيب أمام واشنطن والمجتمع الدولي، موضحاً أن "عدم رفض إعلان نتنياهو إرسال موفد إلى بيروت يوحي بأجواء إيجابية لبنانية".
شهدت مناطق ذات نفوذ حزب الله تحرّكات "موتوسيكلية" كالعادة لمؤيديه ومناصريه، رافضين قرار التعيين هذا، على اعتبار أنه خطوة نحو التطبيع. إذ في وقت ذهب بعضهم إلى أن هذه المشهدية التي تكرّرت في أكثر من منطقة لبنانية، ستقود إلى إرباك داخلي قد يتطوّر إلى أحداث أمنية بهدف إظهار مزيد من الضغط على رئاسة الجمهورية للتراجع عن هذه الخطوة، مستنسخين النموذج الذي حصل في البلد عام 1983 وأدّى إلى إسقاط اتفاقية 17 أيار بين الدولة اللبنانية وإسرائيل يومها، فهل سيقود هذا التحرّك الرئيس عون إلى التراجع عن قرار التعيين، أم أنه لا يتعدّى عرضاً مسرحيّاً شكليّاً، بينما الحزب موافق ضمنيّاً على مضمون التعيين؟
بنك الأهداف الإسرائيلي في حرب الـ66 يوماً تخطّى المعقول وتطوّرات المنطقة
قد ينزلق المشهد الداخلي إلى صدام، لكنّ هذا مستبعد عند من اعتبروا أن أحد أطراف الثنائي الشيعي، الممثل برئيس مجلس النواب نبيه برّي، أظهر في الأيام الثلاثة التي زار بها البابا لبنان تقارباً واضحاً مع الرئيس عون، ولاسيما في القدّاس في وسط بيروت، حيث ركزّت عدسات المصورين على "المزاح، وتعالي الضحكات" بين الرجلين.
لا يريد بري تكرار سيناريو الحرب، إذ رغم وضعه سابقًا الـ "فيتو" على تطعيم اللجنة المفاوضة اللبنانية بدبلوماسيين، إلا أنّ الحركة المكوكية التي قام بها أمينه المساعد النائب، علي حسن خليل، بين الرياض وطهران، بعد تصريحات مسؤولين إيرانيين اعتبرت تدخلاً سافراً في الشأن اللبناني، تؤكد أن التماهي واضح مع قرار التعيين للرئيس عون. كما بري كذلك حزب الله، الذي رغم تصريحات مسؤوليه العالية تحديداً في شأن إعادة التسلح والجهوزية لأي سيناريو عسكري، لكنّ هذا لا يصرف ميدانيّاً بل سياسيّاً، لأنّ بنك الأهداف الإسرائيلي في حرب الـ66 يوماً تخطّى المعقول وتطورات المنطقة، ولاسيما سقوط نظام بشّار الأسد، الذي أطبق الطوق على ممرّات الحزب لتهريب السلاح والمال، وربما تهريبات أخرى. فهذا القرار أربك على ما يبدو الإسرائيلي، الذي كان رافضاً للتفاوض مع لبنان، على اعتبار أن لا لغة تعلو فوق لغة الحرب، قبل إقدام الدولة اللبنانية على تسليم السلاح. وقد حملت زيارة نائبة المبعوث الخاص إلى لبنان، مورغان أورتاغوس، التي اجتمعت في لبنان مع لجنة "الميكانيزم"، رسالة واضحة وجدّية من إدارتها حول السير في المشروع الاقتصادي الترامبي، والذي يترجم بتحويل بعض المناطق الحدودية اللبنانية إلى منطقة اقتصادية مشتركة مع إسرائيل (!)...
"سلام نهائي" لا تراجع عنه عند الإدارة الأميركية التي تمارس الضغط على حركة حماس وحزب الله، كما على إسرائيل، لفرض الاستقرار. وهذا ما جرى استيعابه إيرانيّاً، وعند حزب الله، الذي بات جلّ ما ينتظره بعض المكاسب في الداخل اللبناني، كي يستطيع من خلالها محاكاة بيئته المنكوبة، إلى حين تمرّ الغيمة الضبابية عن المنطقة، وعندها يكون لكل تطور سيناريو خاص به، فهل استسلم الحزب، أم هو في مرحلة الانتظار لإبعاد شبح الحرب؟