في مسألة "صوماليلاند"
تطرح مسألة اعتراف إسرائيل بـ"صوماليلاند" (أرض الصومال) دولةً مستقلة عن الصومال إشكالاتٍ عدّة، تحديداً تلك المتعلّقة بنشوء الدول وإعادة تشكيلها، على الرغم من أن تشابكات المصالح بين تل أبيب وهرجيسا طغت على مفاعيل التاريخ والسياسة. في القرن العشرين، تشكّلت الدول وأُعيد تأسيسها في مرحلة الحربَيْن العالميَّتَيْن، الأولى (1914- 1918) والثانية (1939- 1945)، وعلى تخومها وفي إفرازاتها، تحديداً مع استقلال دول عدة عن استعمار أوروبي في أفريقيا وآسيا. بعد ذلك، كان لتفكّك الاتحاد السوفييتي والحروب اليوغوسلافية بين أواخر ثمانينيّات القرن الماضي وأوائل تسعينيّاته حصّة الأسد في بروز دول عدة وإعادة إحياء أخرى. وفي تلك المراحل كلّها كان الاتجاه الدولي مُغلَّباً، بل صانعاً استقلال هذه الدول، عبر الاعتراف الرسمي بها وإدماجها في المؤسّسات الدولية والإقليمية.
وحالة إقليم أرض الصومال مشابهة أكثر، أقلّه في الشكل، لدويلات غير معترف بها سوى من دولة واحدة، مثل أوسيتيا الجنوبية وأبخازيا وقبرص التركية، التي تعتمد بصورة خاصّة على تمويل من اعترف بها. وحدها تايوان، التي تعترف بها 12 دولة، والفاتيكان، تبدو نموذجاً أكثر استقلالية من تلك الدول، ومع أنّ لهذه الكيانات كلّها قصّتها الخاصّة مع الوطن الأم، إلّا أن الاعتراف الدولي بها دولاً مستقلةً ارتبط دائماً بشبكة مصالح متشعّبة.
في علاقة الولايات المتحدة بتايوان، تظهر التعقيدات على نحوٍ هائل، فواشنطن تتعاون عسكرياً واقتصادياً مع تايبيه، بل تقوم سفنها الحربية بدوريات في مضيق تايوان، الفاصل بين تايبيه وبكّين. ومع ذلك، تتبع الولايات المتحدة سياسة "الغموض الاستراتيجي"، رافضةً استقلال تايوان، ومؤيّدةً لمبدأ "الصين الواحدة".
في المقابل، تسعى إسرائيل إلى استنساخ الدور الأميركي في ما يخصّ تايوان، عبر الذهاب بعيداً ودعم استقلال "صوماليلاند"، مستغلةً بالدرجة الأولى قلّة وضعف علاقات الأخيرة مع المجتمع الدولي، لكن أيضاً، وهو الأهم، أن إسرائيل تحاول ترجمة ما وصفه رئيس وزرائها نتنياهو مراراً بـ"تغيير الواقع الاستراتيجي في الشرق الأوسط". أي أن إسرائيل باشرت في تطبيق هذا المفهوم بصورة سياسية بعدما كانت قد طبّقت حلولاً مفروضةً بالواقع العسكري، مثلما فعلت بعد سقوط نظام الأسد في سورية، واحتلالها قمم جبل الشيخ العالية، وتغلغلها في الجنوب السوري، وفرضها خطوطاً ملوّنةً في غزّة، واحتلالها مناطق عدّة في جنوب لبنان. ومن الطبيعي هنا فهم حقيقة أن من مبادئ الاحتلال توسيع الجبهات عسكرياً وسياسياً لفرض وقائع متأتية من تشتّت الجهة المقابلة له.
ومن الطبيعي أيضاً فهم حقيقة أن توسيع الجبهات منبثق فعلياً من فراغ ناشئ لسبب ما، ففي حالة "صوماليلاند"، فشلت كل محاولات الحوار أو التفاهم أو حتّى الحسم العسكري، سواء بتثبيت الاستقلال من جهة هرجيسا، أو بمنعه في حالة مقديشو. والفراغ الذي نجم عن هذه المعادلة كان لا بدّ أن يفضي إلى "شيء ما"، فكان الاعتراف الإسرائيلي باستقلال "صوماليلاند".
في المرحلة المقبلة، سيكون من الصعب فرض واقع مختلف، ما لم يحصل الصومال وحلفاؤه على اليد العليا لمنع ترسيخ استقلال "صوماليلاند"، وهو أمر، وفق الواقع الحالي، صعبٌ للغاية. وقد يزداد صعوبةً إذا قرّر الأميركيون الاعتراف باستقلال الإقليم، ذلك لأنّ أيّ معارضة من الصومال قد تنعكس على الدعم الأميركي للحرب على حركة الشباب الإسلامي، من دون تجاهل حقيقة أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب انتقد مراراً النائبة الأميركية الديمقراطية، إلهان عمر، ومعها أصولها الصومالية.
الأهم على هذا الصعيد أن وجود إثيوبيا وكينيا، وهما دولتان حليفتان للولايات المتحدة في القرن الأفريقي وشرقي أفريقيا عموماً، سيعزّز واقع استقلال "صوماليلاند"، حتى ولو من دون اعتراف رسمي من أديس أبابا ونيروبي. صحيحٌ أن "صوماليلاند" تعيد ترسيم خريطة جديدة عند البوابات الجنوبية للبحر الأحمر، لكنّها أيضاً تعيد صياغة المشهد في القارة الأفريقية بصورة واسعة، مع تزايد الانخراط الأميركي المباشر فيها في الأشهر الماضية، تحديداً من البيت الأبيض.