قراءة في زيارة الشرع
الشرع وترامب في البيت الأبيض في واشنطن (10/11/2025 حساب الرئاسة السورية على X)
لم تكن زيارة الرئيس السوري أحمد الشرع البيت الأبيض عادية. هي تاريخية بكل ما تحمله الكلمة من معنى، إذ إنه الدخول الأول لرئيس سوري إلى البيت الأبيض. ولكن رغم تاريخيّة هذه الزيارة، من الواضح أنها لم تحقق ما كانت تصبو إليه الحكومة السورية، فالملفات التي كانت على طاولة البحث، وهي أساساً ثلاثة، لم يتم الحسم في شأنها وبقيت معلقة إلى حين.
ثلاث قضايا أساسية حملها الشرع معه إلى البيت الأبيض، أولها وأهمها العقوبات المفروضة على سورية، سيما بموجب قانون قيصر الذي أوصل الأوضاع الاقتصادية في سورية، منذ عهد الرئيس الهارب بشار الأسد، إلى حدود الانهيار في ظل توقف التحويلات المالية والمعاملات الاقتصادية مع المؤسسات العالمية.
وعد الرئيس الأميركي دونالد ترامب، في زيارته الرياض في مايو/ أيار الماضي، برفع العقوبات عن سورية. لكن هذا عملياً لم يحدث، وبقيت عقوبات كثيرة مفروضة على النظام الجديد في انتظار "بوادر حسن نية" من الحكم الجديد. ولا تنفك بوادر حسن النية هذه تتوسع عند الإدارة الأميركية، فلائحة المطالب التي وضعتها واشنطن تزداد يوماً بعد يوم. بداية كان المطلوب إخراج المقاتلين الأجانب من معادلة الحكم الجديد، وتشكيل حكومة تمثل الأطياف السورية كافة، وحماية الأقليات في البلاد. ورغم أن أياً من هذه المطالب لم يستطع النظام الجديد تلبيته بشكل كامل، بل سعى إلى الالتفاف عليه، ازدادت لائحة الشروط الأميركية لتضم التفاهم مع إسرائيل، والتطبيع معها، والانضمام إلى التحالف الدولي لمحاربة الإرهاب.
من الواضح أنه كان صعباً التفاهم بين ترامب والشرع على هذه الشروط الجديدة. ويحسب للرئيس السوري أنه واجه الضغوط الأميركية في ما يخص التقارب مع إسرائيل، ووضع انسحاب الاحتلال من الأراضي السورية شرطاً مسبقاً لأي تقارب مع إسرائيل، وهو ما قاله في مقابلاته مع وسائل إعلام أميركية قبل زيارة البيت الأبيض.
وصلت هذه الرسائل إلى الرئيس الأميركي الذي كان يمنّي النفس باختراق على مستوى العلاقات السورية الإسرائيلية. غير أن حسابات ترامب لا تتوافق مع حسابات الشرع في هذا الشأن. فإضافة إلى الوضع الداخلي السوري، وكيف يمكن أن يستقبل قراراً بالانفتاح في العلاقة مع إسرائيل، هناك الرعاة الإقليميون، والذين يضع لهم الشرع اعتبارات كثيرة، فلا السعودية ولا قطر ولا تركيا حالياً في وارد مباركة أي خطوة يقوم بها الشرع تجاه إسرائيل، خصوصاً في ظل الانتهاكات الإسرائيلية المستمرّة في قطاع غزة رغم وقف إطلاق النار. وحتى المحاولات الأميركية لإحداث خرق في العلاقات السعودية الإسرائيلية قوبلت برفض من الرياض باعتبار أن "الوقت لم يحن بعد".
وبغض النظر عن مسألة العلاقات مع إسرائيل، برزت في الاجتماع فكرة الانضمام السوري إلى التحالف الدولي لمحاربة الإرهاب. قد يبدو هذا العنوان بسيطاً وطبيعياً، ومن غير المفترض أن يشكل أزمة. لكن المطلب الأميركي هنا ليس مجرّد انضمام شكلي، بل انخراط فعلي وعسكري في مواجهة "داعش". هذا الأمر ليس عادياً بالنسبة إلى تركيبة هيئة تحرير الشام، والتي تحكم سورية الآن. فكثير من الفصائل انضمت إلى الهيئة وفق أهداف دينية لا تتضمن التحالف مع الغرب لمحاربة مسلمين آخرين. الشرع يدرك ذلك، لذا كان عرضه "الانضمام السياسي" إلى التحالف، من دون الدخول الميداني الذي من شأنه أن يقلب الكثير من فصائل الهيئة ضده.
في كل الأحوال، رغم تاريخيّة الزيارة، لم تأت نتائجها وفق ما كان يشتهي الشرع. ففي ظل الخلاف حول النقطتين السالفتين، بقيت العقوبات على سورية ولم ترفع، وتعليق قانون قيصر 180 يوماً ليس إلا مهلة إضافية للحكم الجديد للتماهي مع المطالب الأميركية.