قرصان الكاريبي

10 يناير 2026
+ الخط -

لا يمكن اختصار الخلاف بين الولايات المتحدة وفنزويلا فقط بأطماع في نفط هذا البلد الغني وثرواته. ولا يقف عند الملفات الثنائية، بل يتعداها إلى الصين وروسيا وإيران، وعلاقة أميركا مع منطقة الكاريبي وأميركا اللاتينية ككل. كان في وسع الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن يحصل على النفط الفنزويلي وامتيازات أخرى من دون اللجوء إلى عملية قرصنة واعتداء على سيادة دولة مستقلة، ولا سيّما أن الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو قدّم، قبل أيام من عملية الاختطاف، عدّة عروض تسوية مغرية لمراضاة نظيره الأميركي المولع بالصفقات التجارية.

النفط الفنزويلي عنوان النزاع، وهو يثير شهية الولايات المتحدة بوصفه أكبر احتياطي عالمي، وهناك قيمة إضافية له تكمن في قربه الجغرافي من الولايات المتحدة، على نحو يمكّنها من الاعتماد عليه في حال اضطرارها للاستغناء عن نفط الخليج العربي. كما أنه محطّ أنظار الشركات الأميركية منذ زمن بعيد، لكن ذلك لا يستدعي الذهاب إلى إعلان حرب لتغيير النظام الفنزويلي. ولا يخفى على أحد أن هناك أسباباً أخرى لانفجار النزاع لا تقل أهمية عن النفط، أكثر تعقيداً؛ في طليعتها العلاقات المتينة والمتنامية بسرعة بين فنزويلا وكلٍّ من الصين وروسيا وإيران. وليس سرّاً أن الدول الثلاث تشكّل تحدّيات ومخاطر بالنسبة للولايات المتحدة على المديَين القريب والبعيد، وخصوصاً الصين التي تتقدّم بخطىً سريعةٍ في دول الكاريبي، وفي طليعتها فنزويلا. ويضاف إلى ذلك عدّة ملفات معقّدة بين أميركا ودول الكاريبي.

صحيح أن الولايات المتحدة تعاني من تهريب المخدّرات والهجرة غير الشرعية من بعض دول الجوار، إلا أن ذلك لا يشكّل سبباً كافياً كي يهدّد ترامب بعض دولها بإسقاط النظام الحاكم، كما هو حال كوبا، التي اعتبرت ما حصل تهديداً وجودياً لأميركا اللاتينية والكاريبي، من منطلق أن انتهاك القانون الدولي سيعقبه تدخّل في شؤون الحكومات التي تنتهج سياسات استقلالية ولا تسير في الركب الأميركي، وخصوصاً المكسيك ونيكاراغوا والبرازيل وأوروغواي وكوبا. وحتى الآن، لا تمتلك هذه الدول سوى بيانات الاستنكار في مواجهة عملية الاستسلام التي تريد واشنطن فرضها، وتبدو غير قادرة على ردّ التدخّلات الأميركية في شؤونها الداخلية، في ظل موازين قوى غير متكافئة، وضعف المؤسّسات الرسمية والحكومات، ووجود حلفاء في بعض دول القارّة ينفّذون الأجندة الأميركية، كما حال الرئيس الأرجنتيني خافيير ميلي.

مادورو ليس أول رئيس دولة تقوّض واشنطن حكمه، وهي غير عابئة بما يمكن أن يترتب من خطوة خطيرة كهذه، وما سوف تجرّه عليها من ردّات فعل إقليمية ودولية كثيرة، وتحرّك الرأي العام ضدّها. وسبق لأميركا أن غزت العراق وأطاحت رئيسه صدّام حسين واعتقلته وحاكمته، وانتهى إلى حبل المشنقة، كما اعتقلت وسجنت رئيسَي كل من بنما وهندوراس، الأسبق مانويل نورييغا والسابق خوان أورلاندو هيرنانديز. لكن اللجوء إلى القوة نقيض للاستقرار، وحتى لو لم يكن مادورو نموذجاً يُحتذى، فإن البديل ليس التنمّر الأميركي واستبدال حكم الطغاة بالقراصنة الساعين إلى الهيمنة ونهب ثروات الشعوب. ومن المؤكّد أن نتائج خطيرة سوف تترتب من انتهاك سيادة بلد مستقل.

لما حصل في فنزويلا أصداء سوف تظل تتردّد طويلاً في العالم العربي، الذي تجتمع فيه بكثرة أسباب التدخّلات الخارجية ومغرياتها، والتي تتقاطع مع وجود عدو قوي يطمع بالثروات العربية، هو إسرائيل التي تستخدم التفوّق العسكري من أجل فرض أجنداتها على دول المنطقة، وتعمل في الوقت ذاته على تفكيكها وتمزيق دولها، ومنع كل ما يوحّدها ويمدّها بالعافية التي تجعلها تقف على قدميها. وتعتمد تل أبيب في ذلك على توافر أطراف محلية مستفيدةً من تقسيم العالم العربي وتفتيت دوله.

شاعر وكاتب سوري من أسرة العربي الجديد
شاعر وكاتب سوري من أسرة العربي الجديد
بشير البكر
بشير البكر كاتب وشاعر سوري من أسرة "العربي الجديد" ورئيس تحرير سابق
بشير البكر