كرة ثلج كيميائية

08 اغسطس 2026

(Getty)

عرف العالم السلاح الكيميائي منذ الحرب العالمية الأولى (1914–1918)، ويبدو أنّه اكتشف الخطأ الذي تورّط فيه، فبدأت محاولات حظر هذا السلاح، حتّى وصلنا إلى اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية عام 1993. ويعرف الجميع اليوم الخطر الذي شكّله العبث بهذه الأسلحة ووضعها في أيدي المتعطّشين للحروب، لكنّ ذلك لم يمنع حدوث مغامرات متهوّرة واتهامات متناثرة.
أثبتت التحقيقات الدولية استخدام الأسلحة الكيميائية في الحرب العراقية - الإيرانية، وفي حلبجة بالعراق، وفي الغوطة بسورية. وهذه وقائع بُنيت على تحقيقات دولية. وهناك اتهامات أخرى تتناثر بلا إثبات، مثل الاتهامات الأميركية لكوبا أو الاتهامات المتبادلة بين روسيا وأوكرانيا، إذ يدّعي كلّ طرف استخدام الآخر سلاحاً كيميائياً في الحرب.
القصة الأشهر التي يعرفها الجميع هي عندما رفع وزير الخارجية الأميركي كولن باول أمام مجلس الأمن عام 2003 أنبوباً زجاجياً يحتوي على مسحوق طباشير، ليدّعي أنّ العراق يمتلك برنامجاً لإنتاج الأسلحة البيولوجية. وبعد أسابيع بدأت الحرب على العراق. لم يُجدِ اكتشاف العالم للحقيقة بلادَ الرافدين نفعاً. وبعد سنوات طويلة أثبت البحث عدم صحّة اتهامات باول، لكنّ ذلك لم يغيّر مصير بغداد.
أعلنت الحكومة الإميركية، في مايو/ أيّار 2025، أنّها توصّلت إلى أنّ الجيش السوداني استخدم أسلحةً كيميائية خلال الحرب، وبناء على ذلك شرعت في فرض عقوبات عليه. وليست هذه المرّة الأولى التي تواجه فيها الخرطوم اتهاماً كهذا. ففي 1998 تعرّضت الخرطوم لغارة أميركية بتهمة صناعة أسلحة كيميائية، إثر معلومات استخباراتية وعيّنة تربة يتيمة. ولم تثبت هذه الاتهامات، قبل الغارة أو بعدها، لكن الهجوم وقع، وعاشت البلاد نحو عقدَين تحت عقوبات ومقاطعة عزّزتا الارتياب بين الخرطوم والعالم.
نزلت الاتهامات الأميركية، أخيراً، وعقوباتها على بلد لم يكد يخرج من حكم جماعة ذات علاقات إجرامية معروفة حول العالم، حتّى سقط في الاحتراب الداخلي. ومن دون أدلّة واضحة، ألقت واشنطن اتهامها، ثمّ تحرّكت. وفي يوليو/تمّوز 2026، أعلنت الخارجية الأميركية توسيع حزم العقوبات التي فرضتها سابقاً، بينما واصلت الخرطوم نفي ارتكابها الجريمة. وما بدأ باتهام بلا دليل، قبل أكثر من عام، يتمدّد اليوم في صورة عقوبات جديدة.
تبدو المشكلة في تاريخ الجيش في الحكم وفي نمط حروبه. فخلال حقبة تسعينيّات القرن العشرين، تورّط نظام الحركة الإسلامية في علاقات مع تنظيمات إرهابية حول العالم، ما زجّ البلاد في معارك مع المجتمع الدولي، كما طاردت الجيشَ اتهاماتٌ بجرائم حرب وجرائم ضدّ الإنسانية في دارفور، وما زال وزير الدفاع الأسبق مطلوباً مع الرئيس عمر البشير وعدد من أركان حكمه للمحكمة الجنائية الدولية.
هذا التاريخ قدّم الاتهام الأميركي قطعةً تناسب الصورة الكاملة. فسمعة الدولة المارقة التي تتمزّق باحتراب أهلي تجعل قبول تهمة استخدام الأسلحة المحرّمة دولياً هيّناً. لكن لو صحّت التهم بناءً على التاريخ، لصحّ امتلاك نظام الرئيس صدّام حسين أسلحة دمار شامل استناداً إلى تاريخه القمعي واستخدام الكيميائي في حلبجة. ويخبرنا الحاضر الذي ما زلنا نعيشه أنّه من الخطأ الثقة في الاتهامات الأميركية التي تُقدَّم بلا دليل.
لكنّ الحاضر ذاته، والتاريخ أيضاً، يعلّماننا أنّ هذه الاتهامات مثل كرة الثلج، تبدأ صغيرةً، ثمّ تكبر رويداً رويداً قبل أن تداهمك كتلتها الضخمة. وما بين مايو/أيار 2025 ويوليو/تموز 2026، ازدادت حدّة اتهامات الخارجية الأميركية، مع مطالبتها الخرطوم بقبول تفتيش دولي مستقلّ، بينما أعلنت الخارجية السودانية استعدادها للتعاون مع منظّمة حظر الأسلحة الكيميائية، لكنّ ذلك لم يخفّف حدّة الاتهامات بعدم التعاون. ويتسرّب الأمر مثل بقعة ماء ينتشر بللها بهدوء، وبحسب ما تقتضيه مصالح الإدارة الأميركية، التي لم تفعل أكثر من مشاركة الخرطوم تقييمها الاستخباراتي الذي وصل إلى هذه النتيجة، وحثّتها على التعاون.
لا تبدو هذه القضية مثيرةً لاهتمام كثيرين. لكن المتابعين لها سيعجزون عن إيجاد أيّ معلومات واضحة، مقارنةً بحالات أخرى ثبت فيها استخدام الأسلحة الكيميائية. تقف الاتهامات الأميركية عاريةً بلا إثبات، ولا يدعمها إلّا تقرير إعلامي يتيم، لكنّها، على الرغم من ذلك، تتكرّر وتتراكم عقوباتها وتهديداتها مثل كرة ثلج لا يعلم أحد أين ستستقرّ، إذ تقودها السياسة، لا الحقيقة.

حمّور زيادة
حمّور زيادة
كاتب وروائي سوداني