لبنان وانعدام البدائل

06 ديسمبر 2025
+ الخط -

دائماً، في حالتَي النظام القوي وغيابِ النظام، يكون سهلاً توقّع الخطوات المستقبلية. في حالة النظام القوي، يمكن توقّع قضايا من قبيل فرض الأمن والقانون وما ينجم عنهما من استقرار سياسي واجتماعي واقتصادي. في حالة غياب النظام، يمكن التكهّن بحالات الفساد والانفلات الأمني وغياب العدالة وسيادة منطق الشوارع. يمكن في الحالِتَيْن رسم مسار حياة وسيناريو يومي، وفقاً لتكرار أنماط التوقّعات. في الحالة اللبنانية، المغايرة لحالتَي النظام القوي وغياب النظام، يجتمع كلُّ شيء: نظام اللانظام، توافقية طوائفية ترفع شعار "العيش المشترك"، وغياب التوقّع اليومي، إذ لا يمكن في لبنان التكهّن بشيء إطلاقاً. يمكن، على سبيل المثال، التخطيط لمباشرة عملٍ خاصٍّ والتغلّب على عوائق الطاقة والمواصلات والبيروقراطية والإنترنت، وإذ يحصل ما لم يكن في الحسبان، وتتبدّل أحوال البلاد 180 درجة.

لنا في ذلك شواهدُ كثيرة. ليست الأيام الحالية سوى تأكيد للتبدّلات الفجائية في لبنان. في عام 2025، يتفاوض لبنان وإسرائيل، بوجود شخصية مدنية في رأس وفديهما، في أمرٍ لم يكن يمكن التفكير به منذ أكثر من عاميْن؛ تماماً كما فوجئ اللبنانيون بما دُعي "اتفاق إطار" لرئيس المجلس النيابي نبيه برّي، في 2020، الذي أدّى إلى ترسيم الحدود البحرية بين لبنان وإسرائيل في عام 2022، بموافقة سياسية شاملة، في رأسها حزب الله. كذلك، قبل 14 فبراير/ شباط 2005، لم يكن أحد ليدري حجم التغيّرات في لبنان قبل اغتيال رئيس الحكومة رفيق الحريري، وما تلاه من زخمٍ أفضى إلى انسحاب القوات السورية من لبنان. في 1983، وقّع لبنان وإسرائيل اتفاق 17 أيّار، الذي وافقت عليه الحكومة والبرلمان اللبنانيان، فيما امتنع الرئيس الأسبق أمين الجميّل عن التوقيع عليه، بفعل الضغوط العسكرية السورية بقيادة حافظ الأسد، ثم انتفاضة السادس من فبراير 1984، التي قادتها حركة أمل، برئاسة رئيس البرلمان الحالي نبيه برّي، ضدّ الجميّل والجيش اللبناني، ما أدّى إلى إسقاط "17 أيار".

وفي كل رحلة عودة إلى تاريخ ما بعد استقلال لبنان عن فرنسا في 1943، سيتمظهر مزيد من الأمثلة عن التعايش الهشّ بين مفهومي "النظام" و"غياب النظام". بالتالي، ووفقاً لذلك، إلى أيِّ مدىً يمكن المراهنة على إمكانية نجاح التفاوض اللبناني ـ الإسرائيلي، مهما كان شكله، مباشراً أو غير مباشر، عسكرياً أو مدنياً؟ وأيضاً، حتى لو تفاوتت ملفاته، من جوهرية متعلّقة بضرورة الانسحاب الإسرائيلي من مناطق لبنانية يحتلّها، ووقف الاعتداءات على لبنان، والإفراج عن الأسرى اللبنانيين؛ هنا يمكن السؤال: أيُّ نظام سيفرض الاتفاق، وهو ليس اتفاق تطبيع بأيِّ حال، في الداخل اللبناني؟ هل النظام نفسه، وليس بالضرورة الرئيس جوزاف عون أو رئيس الحكومة نوّاف سلام أو حتى برّي (لأنه في موقعه منذ عام 1992)، قادر على فرض ملفّ بما يحويه من مفصل تاريخي في حياة لبنان؟ يعني أن النظام نفسه غير قادر على إنارة "لمبة" في العاصمة بيروت، فكيف بأرياف البلاد؟

في المقابل، إذا جرى وضع التفاوض جانباً، ما البديل منه، في ظلّ انعدام التوازن العسكري بين لبنان وإسرائيل، حتى إن الأمين العام لحزب الله نعيم قاسم أقرّ بذلك؟ وضمن هذا الإقرار، إذا انسحب الإسرائيليون فجأةً من المناطق اللبنانية المحتلّة، ما دور سلاح الحزب في حال انعدام التوازن؟ وفي حال لم ينسحبوا، كيف سيتمّ إخراجهم في غياب القوة العسكرية، بغير محاولة إجراء تفاوض؟ في الواقع، الخيارات أضيق من إمكانات تصوّر أن هناك العديد منها. أحدها متعلّق بالتفاوض، ورهان مثل ذلك لم يكن ليحصل من دون برّي نفسه، الذي اختبر الأميركيين في مفاوضات الترسيم البحري، ولا بديل له منهم في المفاوضات الحالية. صحيح أنه يمكن اعتبارها محاولة أخيرة للبنان في مواجهة إسرائيل، لكن عملياً لا بديل منها سوى المزيد من الخراب والقتل.

6F7A33BD-9207-4660-8AF7-0EF5E3A4CD6C
بيار عقيقي
صحافي لبناني، عمل في صحف ومجلات ودوريات ومواقع لبنانية وعربية عدّة. من فريق عمل قسم السياسة في الصحيفة الورقية لـ"العربي الجديد".