لعبة القط والفأر في غزّة
أطفال فلسطينيون يحملون طعاماً في مخيّم البريج وسط قطاع غزّة (1/5/2026 فرانس برس)
فيما ينشر جنديان إسرائيليان في موقع بالقرب مما يعرف بالخط الأصفر جنوب مدينة خانيونس صورة لهما، وهما يعبّران عن سعادتهما لقتل العرب، كما يقولان، وقد كتبا هذا على جدار إسمنتي مؤقت، أقيم كحاجز عسكري في تلك المنطقة، فذلك لا يعني إلا حقيقة واحدة ومؤكدة أن لعبة القط والفأر مستمرّة، وتدور في قطاع غزّة، وبما أن لا تاريخ فعلياً لبدايتها، مثلما لا تاريخ فعليّاً للمطاردات الكوميدية التي لا تنتهي بين القط والفأر في أفلام الرسوم المتحركة، والتي أُولعنا بها في طفولتنا. وها نحن اليوم وقد ولت سنوات طفولتنا، بل وشبابنا، ما زلنا نشاهد الأفلام نفسها التي يستمتع بها أحفادنا، فالقط توم ما زال يطارد بحيل مختلفة الفأر جيري، ولم يفلح بصيده. ولم تنته الحيل الماكرة ولا نتوقف عن الضحك ولا عن التمني بألا يحدث هذا، فتنتهي سلسلة أفلام محببة لكل الأجيال.
ما زالت لعبة القط والفأر في غزّة تمارس ليس على صعيد مكافحة ظاهرة انتشار الفئران بجميع أنواعها، وتحوّلها إلى كارثة صحية وإنسانية، لأن هذه اللعبة تمارس سياسياً بالتلويح المضلل بإمكانية احتلال إسرائيل قطاع غزّة كاملاً، ولكن الحقيقة أن هذه الخطة تعد بمثابة الخط الأحمر في حسابات إسرائيل، لأنها فعلياً لا تفكّر إطلاقاً بإعادة احتلال منطقة كانت عبئاً عليها. وسنوات طويلة من النواحي الإدارية والقانونية والتعليمية والصحية والاقتصادية، وتحت ما كانت تسمّى الإدارة المدنية لقطاع غزّة، وكلنا نذكر أن هذه الإدارة وما قدمته من خدمات لأهالي القطاع لم تمنع أن يخرج أطفال الحجارة من مدارسهم ليلقوا الحجارة وقنابل المولوتوف بدائية الصنع نحو الجنود، ما دفع الحاكم المدني لمنطقة خانيونس أن يتساءل بحنق أمام جدّي العجوز، والذي التقى به لتوقيع تصريح للسفر إلى الأردن لزيارة أولاده النازحين قسراً هناك منذ 1967، وحيث باغت جدي بالسؤال: ألم يكفكم ما أطعمناه لأولادكم من أجود أنواع الحليب واللبن الزبادي، لكي تتوقفوا عن قذفنا بالحجارة وقد ذكر لجدّي اسم شركة إسرائيلية شهيرة في تصنيع هذه المنتجات. ولم يكن ردّ جدّي سوى ابتسامة ساخرة ألقى بها نحو "ضابط الركن" كما يطلق عليه، والذي يحمل اسماً حركياً عربياً، ثم مغادرة المكان بكل هدوء ورباطة جأش.
لا تملك إسرائيل اليوم سوى لعب هذه اللعبة مع قطاع غزّة، وبعد نحو عامين ونصف من الإبادة الممنهجة وإدخال القطاع أيضاً في حالة اللاسلم واللاحرب، ومن خلال عدة مبادئ خبيثة تقوم بها نحو السكان المنهكين، ومنها التهجير الناعم المقنّن، خصوصاً للكفاءات العلمية، ومواصلة طرد السكان باتجاه منطقة الغرب وترك أراضيهم شرقاً وشمالاً قاحلة، من دون زراعة. وقبل ذلك، وهذا الأهم، بسط السيطرة العسكرية على القطاع فعلياً، ولكن من دون أي تبعات أو مسؤوليات، وانتظاراً لجهة ما تتولى إعمار القطاع وحل مشكلات الغزّيين الإنسانية المتفاقمة، ومنها بالطبع انتشار القوارض التي تلعب مع السكان أيضاً لعبة القط والفأر، وبشرط أن تسير هذه المبادئ وفق الرؤية الأمنية العسكرية الإسرائيلية.
قبل يومين، أعلنت لجنة شعبية محلية في القطاع عن جوائز مالية بسيطة لمن يستطيع صيد الفئران الضخمة التي تعيث فساداً بين الخيام، وتنهش اللحوم الآدمية، وتخرب الطعام، وتدنس الفراش، وتنشر الأمراض والأوبئة. وفيما ظهرت بعض الصور المبكية والمضحكة لشبان وأطفال، وهم يلهثون بأدوات مكافحة بدائية خلف تلك الكائنات الماكرة، إلا أن ما قد يجول في البال، ولفقر هؤلاء وتردّي حالهم، أن يفعلوا مثلما فعل الفيتناميون إبّان انتشار مرض الطاعون، وحين أعلن المحتل الفرنسي عن مكافآت مالية لمن يحضر ذيل فأر دليلاً على قتله، ولكن المفجع أن الفئران انتشرت بدون ذيول في الشوارع، لأن الناس كانوا يقطعون ذيولها متعجلين للمكافأة، وغير حريصين على قتلها. وهذا ما يعرف بمصطلح "الحوافز الضارة"، ولذلك فلنا أن نتوقع استمرار هذه اللعبة، حتى تشتعل رؤوس أبطالها شيباً.