لقاء إسلام أباد... أبعد من نهاية الحرب
وزراء خارجية باكستان وتركيا ومصر والسعودية في إسلام أباد (29/3/2026 الأناضول)
بدا اللقاء الرباعي الذي عُقد في إسلام أباد مطلع الأسبوع الماضي، وضمّ وزراء خارجية تركيا والسعودية ومصر، إضافة إلى وزير خارجية البلد المضيف، باكستان، لافتاً جدّاً، ليس فقط لجهة تنسيق (ومأسسة) الإطار العربي الإسلامي الواسع الذي التأم في الرياض قبل ذلك بأيّام قليلة، وشكّل تحديثاً للإطار الثُماني الذي لعب دوراً بارزاً في إنهاء الحرب في قطاع غزّة، والإشراف على تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار هناك، ومواكبة مراحله المختلفة المتداخلة الشائكة والمعقّدة، والتطوّرات والمستجدات في غزّة وفلسطين بشكل عام، كما رأينا في اليومين الماضيّين مع بيانات رافضة للتضييق على حرية العبادة للمسلمين والمسيحيين في القدس، وقانون إعدام الأسرى الفلسطينيين العنصري وغير الشرعي بالطبع، بينما عمل لقاء إسلام أباد على تنسيق الجهود لوقف الحرب الإسرائيلية الأميركية ضدّ إيران، ووقف الهجمات الإيرانية ضدّ الدول الخليجية، والاستعداد ولو تمهيدياً ونظرياً لما يمكن تسميته اليوم التالي للحرب، بعدما باتت نهايتها قضية وقت، وسؤال "متى؟" لا "هل؟".
نهاية الحرب الإسرائيلية - الأميركية ضدّ طهران مطلوبة لوقف التداعيات الاقتصادية السلبية الهائلة على دول الجوار والمنطقة والعالم
إذن، بدا اللقاء الرباعي في إسلام أباد، وضمّ وزراء خارجية باكستان (محمد إسحق دار) وتركيا (هاكان فيدان) والسعودية (فيصل بن فرحان) ومصر (بدر عبد العاطي)، لافتاً لأنّه جاء مباشرة بعد اللقاء الموسّع الذي استضافته العاصمة السعودية، وضمّ وزراء خارجية 12 دولة عربية وإسلامية، فيما بدا توسيعاً للإطار الثُماني (ضمّ الدول الأربع إضافة إلى قطر والأردن وإندونيسيا والإمارات)، وعمل للتوصل إلى اتفاق لوقف الحرب في غزّة، وجرت مأسسته فيما بعد، ولا يزال نشطاً فيما يُعرف بسيناريوهات اليوم التالي للحرب، كما مواكبة التطوّرات والمستجدّات في غزّة وفلسطين بشكل عام، بينما ركّز لقاء الرياض أساساً على دعم دول الخليج العربي الستّ والأردن في مواجهة الهجمات الإيرانية الخاطئة وغير المبرّرة ضدها، ثم واجه بدوره حقيقة أنّ العمل الأساس والمركزي يجب أن يتركّز على جذر الأزمة المتمثّل في الحرب الإسرائيلية الأميركية الخاطئة وغير المبرّرة ضدّ إيران، لا توسيعها. ومن هنا، جاء حكيماً وصائباً ومحقّاً قرار الدول الخليجية ضبط النفس وعدم الوقوع في فخّ التصعيد الإسرائيلي بما يحوّل الحرب إلى عربية - فارسية، وهذا القرار المدعوم تركياً وباكستانياً ومصرياً بعدم التورّط أو فتح جبهات إضافية جديدة.
في التعاطي مع الحرب ضدّ إيران، ثمّة شعور عام واسع وعميق داخل الدول الأربع مفاده بأنّها إسرائيلية أكثر منها أميركية، وحسابات تل أبيب لم تراعِ أبداً مصالح دول الخليج والجوار العربي الإسلامي بشكل عام، وحتى العالم برمّته المتأثّر من التداعيات الاقتصادية السلبية الهائلة لها، وبالتالي لا بدّ من الانطلاق من هذه النقطة للعمل المباشر مع واشنطن لإقناعها بوقف الحرب. بمعنى أنّ الجهود الرباعية والعربية والإسلامية تنطلق من تحييد العامل الإسرائيلي السلبي المؤذي والضارّ ضدّ إيران والمنطقة بشكل عام.
يستلزم هذا الأمر بالضرورة وضع رؤية موحّدة لكيفية إنهاء الحرب، وهو ما عُمل فيه بشكل تمهيدي في الرياض، ثم في لقاء إسلام أباد بشكّل مركّز، إذ ترعى الحكومة الباكستانية جهود الوساطة بين واشنطن وطهران بقنوات اتصال فعّالة لنقل الرسائل والوثائق بين الجانبَين، بما في ذلك الورقة الأميركية من 15 بنداً التي تشكّل الأرضية للنقاشات الجارية، واتفاق وقف إطلاق النار المحتمل، تماماً كما كانت خطّة الرئيس الأميركي دونالد ترامب العمود الفقري لاتفاق وقف النار في غزّة، وجرى العمل عليها في الإطار الثُماني العربي الإسلامي بانخراط كبير وواسع من قطر، إلى جانب دول اللقاء الرباعي.
بعد لقاء إسلام أباد، سافر وزير الخارجية الباكستاني، بدعم راسخ من رفاقه، إلى بكين للتنسيق مع القيادة الصينية المتضرّرة بدورها من الحرب وإغلاق مضيق هرمز، والميالة، بل المتبنّية لفكرة استغلال قوتها الناعمة "دولةً عظمى"، وممارسة مزيد من الضغط والإقناع على النظام الإيراني للتعاطي الإيجابي مع جهود وقف الحرب، وهو ما أثمر ورقة النقاط الخمس الباكستانية - الصينية أساساً مبدئياً لاتفاق وقف إطلاق النار.
إذن، باتت نهاية الحرب الإسرائيلية - الأميركية غير الشرعية والخاطئة ضدّ طهران مطلوبة، لوقف الهجمات الإيرانية الخاطئة والظالمة وغير المبرّرة، وغير الشرعية كذلك، ضدّ الدول الخليجية والأردن، كما لوقف التداعيات الاقتصادية السلبية الهائلة على دول الجوار والمنطقة والعالم. وهذا المعطى مهمّ للعمل لليوم التالي للحرب، على قاعدة استنتاجات الدول العربية الإسلامية الأربع، التي تضمّ قرابة نصف مليار نسمة وتملك إمكانات وقدرات كبيرة، مع إضافة قطر ودول الخليج وسورية وإندونيسيا، وإبقاء الباب مفتوحاً أمام ماليزيا للانضمام. وفي ما يخصّ لقاء إسلام أباد الرباعي، إضافة إلى المعطيات السابقة، هو ناتج أساساً من تقارب سياسي كبير بين أركانه في الفترة الماضية، تحديداً في العامَين الأخيرَين منذ اندلاع حرب الإبادة الإسرائيلية في غزّة، وثمّة سعي إلى التكامل بين قدرات قوة الدول الأربع ومكامنها قاطرةً للعمل العربي الإسلامي، إذ باتت باكستان قوة إقليمية كبرى، وخرجت منتصرةً، وبيد عليا، بعد صدامها في معركتها أخيراً مع الهند، إضافة إلى أنّها قوة نووية، وتملك علاقات تاريخية راسخة مع السعودية وتركيا ودول الخليج العربي، التي يعمل فيها ملايين المواطنين الباكستانيين، كما نسجت في الفترة الماضية علاقات قوية مع البيت الأبيض والرئيس دونالد ترامب.
وباتت تركيا قوةً إقليمية كبرى مع الاستقرار والنهضة الداخلية والنفوذ الإقليمي المتصاعد، وامتلاكها صناعات دفاعية وتكنولوجية عسكرية متقدّمة، ولا تمانع، بل هي تزوّد فعلاً حلفاءها وأصدقاءها من الدول العربية والإسلامية بها. أمّا السعودية فقوة اقتصادية كبرى، وصاحبة تأثير سياسي وإعلامي ومعنوي كبير في العالمَين العربي والإسلامي. وبالنسبة إلى مصر المحروسة، ثمّة كلام كثير وكبير يجب أن يُقال هنا، ولولا الجدل لنأت بنفسها عن الحرب وتداعياتها، إذ (والقياس مع الفارق) تبدو أحياناً أسيرة سرديتها عن نفسها، وفق بيت الشعر الشهير الذي قتل صاحبه "الخيل والليل والبيداء تعرفني/ ...".
خسرت إيران الصداقة العربية والخليجية، وتبدو استعادتها مسألةً صعبة، وربّما مستحيلةً، وتحتاج إلى وقت طويل
لكن، في العموم، لا يمكن تجاهل المحروسة أو الاستغناء عنها، مع الانتباه إلى فقدانها دورها المركزي والتاريخي حتى في محيطها الجيوبوليتيكي المباشر في غزّة وفلسطين والسودان وليبيا والصومال، وقيادتها المستنزفة بأخطائها وأزماتها الداخلية المتفاقمة، والمفتقدة للثقة والرؤية، عاجزةً عن الإبداع وفرض حضورها، ولذلك لا غرابة في عدم التئام اللقاءات والاجتماعات الكبرى في القاهرة، بل في الرياض وأنقرة وإسلام أباد، بينما توجد مصر في غرفة القيادة العربية والإسلامية، لكن في المقاعد الخلفية منها.
ثمّة عمل دؤوب لإنهاء الحرب الإسرائيلية – الأميركية ضدّ إيران، واتضاح معالم سيناريوهات اليوم التالي لجهة الاصطفاف العربي والإسلامي الواسع والاعتماد على النفس، وتكامل القدرات لضمان المصالح والأمن والاستقرار في المنطقة، من دون إيران بعدما خسرت الصداقة العربية والخليجية، وتبدو استعادتها مسألةً صعبة، وربّما مستحيلةً، وتحتاج وقتاً طويلاً، لكنّها تبقى دولةً جارةً لا بدّ من تنظيم العلاقة معها، علماً أنّها ستنشغل بنفسها لسنوات، وربّما لعقود في ظلّ حالة الدمار الهائلة ببناها التحتية وصناعاتها المدنية والعسكرية، وتراجع اقتصادها المنهار أصلاً. ولا مكان كذلك في الترتيبات الجديدة لإسرائيل الحربجية الأنانية والانتهازية، والمستلبة للعسكرة والعنف، التي حرّضت على الحرب الكارثية ضدّ إيران من دون أيّ اكتراث بالمصالح الخليجية والعربية والإسلامية وأمن (واستقرار) المنطقة والعالم.