لماذا تدهورت مفاوضات غزّة؟
لا إجابة لدى صاحب السطور أدناه على السؤال أعلاه، لكنّ هذا لا يمنع من طرْحه، والخوض (مع من يرغَب) في محاولاتٍ تجتهد في الوقوع على حقيقة ما جرى، فثلاثة أسابيع أمضاها الوسيطان، القطري والمصري (ومعهما حضور أميركي)، مع طرفي التفاوض، الجانب الإسرائيلي وحركة حماس، في الدوحة، تواترت فيها تصريحاتٌ غير قليلة، وبعضُها من الرئيس دونالد ترامب وأخرى من مصادر إسرائيلية يُعتدّ بها، أشاعت أجواءً عريضةً من التفاؤل بأن هذه المفاوضات ستنتهي إلى اتفاقٍ على هدنة 60 يوماً في قطاع غزّة، يُفرَج فيها عن عددٍ متّفق عليه من الأسرى الفلسطينيين، بينهم محكومون بمؤبدات، وتسلّم المقاومة عشرة جنود إسرائيليين محتجزين لديها، وبضع جثث. وفي الأثناء، ينسحب جيش الاحتلال في القطاع من نقاط إلى أخرى، جرى الأخذ والردّ بشأن تعيينها، وذاع أن الفجوات ضاقت بشأن خلافاتٍ بصددها. وعلى ما نقلْنا، في الصحافة، جرى التوصّل إلى تفاهماتٍ بشأن تنظيم إيصال المساعدات وتوزيعها على الغزّيين. كما تردّد أن مفاوضاتٍ ستجري، في أثناء الستين يوماً، تهدف إلى وقفٍ كاملٍ لإطلاق النار وتسليم آخر عشرة أسرى محتجزين لدى "حماس". ... هذه التفاصيل، مع تقديراتٍ غير مسبوقةٍ بالتفاؤل، والحديث عن تقدّمٍ جيدٍ في المفاوضات، جعلت أهل غزّة، والكل في العالم، يترقبّون الهدنة التي ستُسعف المحاصَرين المنكوبين المجوّعين، المستهدفين بالقتل والتمويت في غزّة، بعض الوقت، والتي ستأخذُهم إلى نهاية المذبحة التي تُقترف فيهم منذ 22 شهراً.
كانت هذه هي الأجواء، حتى إذا غادر الوفد الإسرائيلي الدوحة في 23 الشهر الماضي (يوليو/ تموز) أفيد بأنه سيتشاور مع مراجعه العليا، لتُستأنف المفاوضاتُ بعد أيام. ولكن تصريحاً للمبعوث الأميركي، ستيف ويتكوف، في اليوم التالي، أحدث مفاجأة حادّة، وأرجع الجميع إلى التشاؤم الثقيل، ثم تتالت تصريحاتٌ مماثلةٌ من ترامب وأصدقائه في إسرائيل، واستهجنت هذا الحال الدوحة والقاهرة و"حماس"، ثم تدحرج المزاج، بفعل العدوانية شديدة الفظاظة في اللغتين، الإسرائيلية والأميركية، إلى غير الذي كنّا عليه قبل أيام فقط، وبدل أن نصير في انتظار انسحاباتٍ إسرائيليةٍ (موضعة انتشار) في القطاع، صرنا في انتظار أن تحسم العصابة الحاكمة في تل أبيب خيارها بين احتلال كامل أو جزئي للقطاع، ولم يعُد لحديث المفاوضات أيّ مطرح، مع اشتداد جرائم حرب التجويع. ولمّا حاولت "حماس" التأثير الإعلامي (والدعائي) ببثّ شريطيْن مصوّرين لاثنين من الجنود الأسرى في حالة هزالٍ جرّاء نقصان العذاء والطعام، لم يُحدِث هذا أثراً في نقاشات الحكومة الفاشية برئاسة نتنياهو الذي عاد إلى وعد الجمهور الإسرائيلي (الساخط بعض الشيء) بتحرير الأسرى في عمليةٍ عسكرية. وفي الغضون، علا صوت الرأي العام في كل العالم (باستثناء الإدارة الأميركية)، حكوماتٍ وشعوباً، من أجل وقف الحرب التي لم يعُد لها أي هدفٍ واضح، باستثناء أنها تلبّي شهوة قتل مائة فلسطيني (أو أكثر) في كل يوم في رؤوس أصحاب القرار في حكومة الاحتلال وأجهزتها. وعُدْنا جميعاً إلى مزاولة اليأس إيّاه، مع تفاقم التجويع المُفزع والأوضاع الكارثية في مستشفيات غزّة والاعتداءات اليومية.
كان ضرورياً بسط كل ما سبق للرجوع إلى السؤال عن السبب، غير المعلوم بعد، في تدهور مفاوضات الشهر الماضي. إذا قيل إنها مراوغاتُ نتنياهو وأكاذيبه، فإنه قولٌ صحيح، ولكن هذه سابقةٌ للمفاوضات وباقية بعدها، فلا نظنّها الإجابة المؤكّدة. وإذا سلّمنا بأنها السبب الذي نفتّش عنه، فإن سؤالاً سيطلّ على الفور، ما العمل إذن؟ أي ما الذي على "حماس" أن تصنع، وهذا هو الحال، سيّما وأنها الوحيدة التي تفاوض، ومن دون ظهير، والوحيدة صاحبة القرار؟ هل يكفي منها أن تُنبئنا، في بياناتٍ، محقّة، عن مباذل الاحتلال وشناعات نتنياهو؟ بقاؤها على هذا، أمام استعصاء التفاوض، واستمرار جرائم الحرب اليومية في غزّة، يشابه أحاديث الأطباء عن مضارّ التدخين على الصحّة، مع استمرار إنتاج السجائر وبيعها وتدخينها.
ليس مقصد هذه الإحالة إزاحة المسؤولية عن تدهور مفاوضات غزّة عن نتنياهو وعصابته، وإنما القول إن لا نفع أبداً في البقاء على شتم هؤلاء، من دون ابتكار صيغةٍ أخرى، غير المراهنة على مفاوضاتٍ مضنية، متقطّعة، والبحث عن ضماناتٍ لن تأتي، والمكوث في أوهام قوّة غير متحقّقة. ... أمّا لماذا تدهورت تلك المفاوضات، وما الذي سيحدُث في مقبل الأيام، فلا أعرف.