لو يُشاهد ترامب "غرين بوك"

14 يوليو 2025   |  آخر تحديث: 15 يوليو 2025 - 11:38 (توقيت القدس)
+ الخط -

هل شاهد دونالد ترامب الفيلم الأميركي "غرين بوك" ("دليل غرين"، وليس كما أخطأتُ مرّةً "كتاب أخضر")؟ ... مناسبة السؤال ما سمّاها رئيس ليبيريا، جوزيف بوكاي، "نبرة التعالي والسخرية الخفيّة" في إعجاب ترامب بطلاقة إنكليزيّته، ثم سؤاله أين تعلّم هذه اللغة التي لا يعرف رئيس الولايات المتحدة أنها اللغة الأم في البلد الغرب أفريقي، القليل السكان (أقلّ من أربعة ملايين). قد يبدو كلاماً انفعاليّاً من بوكاي الذي تولّى رئاسة بلده، في فبراير/ شباط الماضي، بالتزامن مع عودة ترامب إلى البيت الأبيض، قولُه إن الأخير "جاهلٌ ووقحٌ جداً"، لكن ما عومل به رؤساء خمس دول أفريقية في ضيافته الأربعاء الماضي يدلّ على حاجة رئيس الولايات المتحدة لأن يشاهد الفيلم الذي مُنح في 2019 ثلاث جوائز أوسكار (إحداها لأفضل فيلم)، فهذا العمل السينمائي (الرهيف، والكوميدي إلى حدّ ما) عن التهذيب العالي في عازف بيانو أسود البشرة، مثقّف، وميسور مادّياً، وجادّ، وعلى شيءٍ من الكآبة، فيما سائقُه الأبيض، من أصل إيطالي، فقير، وقاموسه بذيء، وأكول، وساخِر، وذو ميولٍ عنصرية. يعتني الفيلم بمزاجيْهما، وهما في رحلةٍ إلى الجنوب الأميركي، وزمنُه وقصّتُه (أساسها حقيقي) في 1962، ليعزف الأميركي الأسود في سهرات أوساطٍ أميركيةٍ راقيةٍ هناك، فيما هو ممنوعٌ من دخول فنادق وحانات ومطاعم ومراحيض لا تُجيز للسود النوم والأكل والشّرب وقضاء الحاجة فيها، ومسجّلةٍ في دليلٍ، كان يُصدره سنوياً "بوسطجي" أسود اسمُه فيكتور غرين. كان السود والبيض في القرى والبلدات التي تمرّ بها سيارة العازف يندهشون من مشاهدتهم رجلاً أسود أنيقاً، يجلس مرتاحا، وباعتزاز ظاهر، في المقعد الخلفي لها، فيما أبيضُ يقودُها.
من لطائف الفيلم أنه يحبّبك بالشخصيّتين، ولا يجعلك تأخذ موقفاً من السائق السطحي في تصوّراته وأفكاره. ورائقٌ في مساره أن الموسيقي الأسود الأنيق يدرّب السائق الأبيض الفقير على التحضّر والتهذيب، ويساعدُه في كتابة رسائل حبٍّ إلى زوجته التي تندهش، عندما تتلقّاها، من لغتها الرفيعة، وفائض المشاعر فيها. ... ولمّا كان العنوان الأوضح في سلوك ترامب مع ضيوفِه رؤساء السنغال وغينيا بيساو وموريتانيا وليبيريا والغابون، في أساسه، نُقصان اللياقة (أو انعدامُها؟)، ولمّا صحّت إشارة رئيس ليبيريا إلى أن هذا الرجل (أسوأ رئيسٍ شهدَه في حياته، بتعبيره) لم يزُر أفريقيا، فإن حاجته (ترامب) إلى مشاهدة فيلم مواطنه المخرج والسيناريست، بيتر فارلي، أكثر من ضرورية، ليعرفَ أولاً أن زمن العنصرية البغيض في الولايات المتحدة، كما كان في أشدّه في الستينيات، ولّى، وأن فرضيّة الأبيض المتفوّق على الأسود الأمّي (تساءل رئيس ليبيريا إن كان مضيفُه في البيت الأبيض يظنّه أحمقَ أميّاً). وليعرف، ثانياً، أن في وُسع سودٍ أن يعلّموا بيضاً التهذيب والكياسة. وليتخفّفَ من عجرفته عندما يمارس ما سمّاه جوزيف بوكاي "مدْحاً ساخراً"، في استغرابه أن يتحدّث رئيسٌ أفريقيٌّ الإنكليزية بطلاقة، على غير ما هم عليه "ناسٌ على هذه الطاولة"، بحسبِه. وإذا كان الفيلم الأميركي المتحدَّث عنه دفع كثيرين ممن شاهدوه، سيّما بعد عروضه الأولى قبل ستّ سنوات، إلى أن يتثقّفوا بشأن "دليل غرين"، وغيرِه من مظاهر وتمثيلاتٍ عنصريةٍ فظّةٍ في ستينيات الولايات المتحدة، سيّما في الجنوب، فإن مشاهدة ترامب هذا الفيلم (لم يُرو عنه أن له ذائقةً في المسرح والسينما وعموم الفنون)، ومفاجأته بطلاقة لغة أحد ضيوفه الإنكليزية، قد يشجّعانه على أن يتثقّف في تاريخ الألم في القارّة الأفريقية، وفي تاريخ العبودية، عساه يعرف أن منروفيا، عاصمة ليبيريا، تأخُذ من اسم رئيسٍ سابق للولايات المتحدة، جيمس مونرو، الذي كان داعماً استعمار هذا البلد  الذي أقامه عبيدٌ أميركيون محرّرون في القرن الخامس عشر، وأن الولايات المتحدة سرَقت من ثرواته، سيّما من الماس والمطّاط، عشرات المليارات. ولم يفتئت الرئيس بوكاي عندما صرّح إنهم (من هم؟) "ما زالوا يستخدمون نفطنا ومعادننا".
... قال الرئيس الأفريقي الساخط إن ترامب أهانه بالإيماءات. والقول في المختتم هنا إن ترامب مطالبٌ برؤية فيلم "غرين بوك"، عساه يتعلّم شيئاً من التهذيب، كان ضرورياً أن يتعلّمَه سائق أبيض "شوارعي" اسمُه طوني من موسيقي أسود، معتدّ بنفسه وبموهبته، اسمُه شيرلي.

معن البياري
معن البياري
رئيس تحرير "العربي الجديد"، كاتب وصحافي من الأردن، مواليد 1965.