مذبحة في المستشفى

07 فبراير 2026

مستشفى متضرر بسبب الحرب بين جيش السودان و"الدعم السريع" في الخرطوم (28/4/2025 فرانس برس)

+ الخط -

حاولت البشرية، في سعيها إلى تهذيب فظائع كثيرة يرتكبها الإنسان، وضع قواعد وضوابط للحروب، ينتهكها المتحاربون في كل مكان ويتندّرون عليها. لا يحبُّ حملة السلاح أيَّ قيد على استخدامهم له. في العدوان الإسرائيلي المتكرّر على غزّة، استُهدفت المستشفيات مرّات، وحاول نظام الإبادة المجادلة حول قانونية قصف المستشفيات بالادّعاء أنها أماكن عسكرية ويستخدمها عسكريون. رغم أن أحد أهم مبادئ القانون الدولي رسوخاً أن المنشآت الطبّية والمستشفيات محمية، ويُعتبر استهدافها جريمةَ حرب. الفكرة بسيطة: الحرب لا تلغي حقّ المرضى والجرحى في العلاج، ولا تسمح بتحويل أماكن إنقاذ الحياة إلى ساحات قتال. لكن من يعدّون الحرب "يوم عمل عادي" لا يهتمّون بذلك.

لم ينشأ مبدأ حماية المنشآت الطبّية من فراغ، إنما توصّلت إليه البشرية عقب تجارب قاسية أدرك بعدها العالم أن انهيار الرعاية الصحّية لا يضاعف عدد القتلى فقط، بل أيضاً يمدّد أثر الحرب إلى ما بعدها. يموت الناس من أمراض يمكن شفاؤها، ومن جروح قابلة للعلاج. لذلك يظهر استهداف المستشفيات مؤشّراً خطيراً إلى انزلاق أيّ نزاع إلى مرحلة تنعدم فيها الحدود بين الهدف العسكري والهدف المدني.

في السودان، جرّب ملايين المواطنين انعدام هذه الحدود في الحروب الأهلية المستمرّة منذ 1955. وتحوّلت الأعيان المدنية إلى أهداف للقصف. لا مبنى (مهما كان) يحميك، سواء كان دار عبادة أو مؤسّسة تعليمية أو منشأة طبّية أو مسكناً خاصاً. في هذا السياق المأساوي جاء ما حدث في المستشفى السعودي بمدينة الفاشر.

لم يكن المستشفى مجرّد مرفق صحّي عندما اقتحمت مليشيا الدعم السريع المدينة في أكتوبر/ تشرين الأول الماضي (2025). كان المستشفى أحد آخر مراكز قليلة ونادرة ظلّت قادرةً على تقديم العلاج للمرضى والجرحى في مدينة محاصرة لنحو 500 يوم. حذّرت منظّمة أطباء بلا حدود، التي كانت تدعم المستشفى بالوقود والإمدادات، من أن الهجمات على المستشفى ستكون ذات أثر مدمّر على المدنيين، لأنه آخر مستشفى عام قادر على استقبال المرضى وإجراء عمليات جراحية في الفاشر. أشارت تقارير دولية إلى أن قصفاً استهدف المستشفى خلال ساعات الذروة، ما أدّى إلى سقوط عشرات القتلى والجرحى وتدمير أقسام الطوارئ والجراحة. وتشير تقارير إلى أن عدد القتلى في هذا الهجوم الذي شنّته قوات الدعم السريع بلغ أكثر من 400 من نحو 2000 قتيل أعلنت حكومة إقليم دارفور (المقيمة وقتها في مدينة بورتسودان في شرقي السودان) أنهم سقطوا إثر احتلال "الدعم السريع" المدينة.

لا يتعلق الأمر فقط بعدد الضحايا، بل بطبيعة الهدف، مثلما وثقت تقارير دولية الهجمات على مخيمات النازحين وقوافل الفارين من جحيم الحرب. لا تنسى قوات الدعم السريع أهدافها الساعية إلى التطهير العرقي، مهما اشتدت الحرب، ومهما تحالفت مع جهات تعتبرها أقل مرتبة منها.

في الأسبوع الماضي، دخل فريق من "أطبّاء بلا حدود" إلى المدينة المذبوحة، فنقلوا صورةً أكثر قتامةً ممّا تسرّب في الشهور الماضية، ما أعاد التذكير بالمذبحة التي وقعت في مستشفى الولادة السعودي. تحدّثت المنظمة عن مدينة شبه خالية من سكّانها، ووصفت الفاشر بأنها أقرب إلى مدينة أشباح، مع دمار واسع في المنازل والمرافق المدنية. مدينة فقدت قدرتها على الحياة الطبيعية: نزوح واسع، خدمات منهارة، ومرافق صحّية مدمّرة خرج أغلبها من الخدمة.

لا تختلف حجج الهجوم على المرافق المدنية عند كل المتحاربين، سواء أطراف الصراع في السودان أو في غيره. في غزّة تحاول إسرائيل أن تظهر أطباء مستشفى كمال عدوان مقاتلين لتبرّر استهدافهم، وأن المستشفى كان يقدّم خدمات عسكرية. وهو ما تكرّر في حرب السودان، وادعته "الدعم السريع" أكثر من مرّة في عدّة مستشفيات. اللافت للنظر أن المستشار السياسي السابق لقائد "الدعم السريع" شبّه في إبريل/ نيسان 2023 (بعد أيام من اندلاع الحرب السودانية) على قناة "كان" الإسرائيلية ما "تتعرّض" له "الدعم السريع" بما تتعرّض له إسرائيل من "الجماعات الإرهابية". وهو تشبيه موفّق، في غير ما أراده صاحبه.

لا تذكّرنا مذبحة المستشفى السعودي بالفاشر وغيرها بالمسؤولية الجنائية فقط، رغم أهميتها، لكنّها تلفت الانتباه إلى غياب الحدّ الأدنى من الالتزام بقوانين الحرب؛ التزام لم تجد "الدعم السريع" نفسها مجبرةً عليه سابقاً، لذلك تظنّ أنها ستنجو منه مرّة أخرى كما نجت عندما كانت متحالفةً مع السلطة العسكرية.

حمّور زيادة
حمّور زيادة
كاتب وروائي سوداني