نهايات الفيلم الطويل
كان الحلم الأميركي، في نسخته الكلاسيكيّة، وعداً ثلاثيّاً: أنت هنا في بلد الحرية. اعمل تنجح وتصبح مواطناً. انجح تأمن وتبتسم لك الحياة. طال هذا الحلم حتى صار فيلماً طويلاً، يَحلم مُشاهِدُه بأنّ في وسعه أن يعيش أحداثه في حياته بطلاً فيه. حفظَ الجمهورُ حواره عن ظهر قلب، وعرف متى يظهر البطل ومتى يختفي ومتى يعربد على موسيقى انتصار. بل عرف حتى مكان إدراج الفواصل الدعائية. لكنّ البكرات استمرّت في الدوران بعد انتهاء القصة، مثل شريطٍ نُسي في آلة العرض. ومع كل إعادةٍ تتكاثر الخدوش وتضحك القاعة، لا من النهاية، بل من تعدّد النهايات صعبة التصديق. هكذا أخذ الجمهور يغادر القاعة، بعد أن تبيّن له أنّ هذا الحلم لم يعد جذّاباً وقابلاً للتحقّق، بل صار شبيهاً بالكابوس السوفييتي الذي تباهى بالاختلاف عنه.
تغيّر كلّ شيء اليوم: الابتسامةُ غدت تكشيرة، والحريّة عبوديّة. صار العمل تدريباً دائماً على الإهانة، وصار البطلُ فريقَ محامين ومنظومة رساميل متعدّدة الجنسيّات. لكنّ الخدعة الكبرى ليست اقتصادية فحسب، إنها أخلاقية أيضاً. لم تعد النهاية مفتوحة على نجاح الضعيف بفضل الموهبة أو الذكاء. النجاح هنا غنيمة حربٍ لا صوتَ فيها إلا لحجّة القوّة المسلّحة بالمال والتكنولوجيا. هنا تبدأ السخرية الثقيلة. بنى الفيلمُ الأميركي، ومن ورائه الفيلم الغربي، جاذبيته على فكرة واحدة: القِيَم بما تعنيه من منظومة تشمل الحقوق والحريات والمسؤوليّات والقوانين. كانت هذه القِيَمُ جوهر السيناريو، وها هي الآن ديكور مكشوفٌ ولفّةُ ستائر تُدار من خلفها السياسة. ألا يهدّد ذلك بإغلاق "صالة" الغرب كلّها؟ ألا يخسر الحلم الأميركي "شُبّاك التذاكر"؟
لكأنّ أصابع الصهيونيّة العالميّة تسلّلت إلى أيدي "كتبة السيناريو" في الغرب كلّه، فإذا العالم رهينة، لا بوصفه ساحةَ مؤامرة كرتونية، بل بوصفه واقع لوبيات وتحالفات وابتزازاً أخلاقيّاً دائماً. هكذا فقد الحلم الأميركي (والغربي) جاذبيّته. أصبحت القوّة العظمى تصفّق للقانون الدولي صباحاً وتدوسه مساءً، فتلعثمت الحبكة، والتبس فرسان النور بزعماء النازيّة. السخريةُ القصوى أن الغرب لا يخسر تعاطف الآخرين، لأنهم "يكرهون قيمه"، بل لأنه لا يطبّقها. ما إن تُكال القِيَمُ بمكيالين حتى يتحوّل المكيالُ إلى زينة حائط. ليس الكيل بمكيالين خطأً تقنياً، إنه ثقبٌ في شاشة العرض، يرى منه العالم مشهداً يُدان فيه العنف هنا ويُبرَّر هناك، يُحاكم الاستبداد عند الخصوم ويُعانق عند الحلفاء، تُرفع راية حقوق الإنسان حين تناسب العنوان وتُطوى حين تزعج المموّل.
هكذا، لا يسقط الفيلم الأميركي وحده، بل يتداعى الفيلم الغربيّ كلّه. لأن الغرب، حين يربط نفسه بمنظومة تفرض عليه صمتاً انتقائيّاً، يضطر إلى الانقلاب على ذاته. يدافع عن حرية التعبير ثم يخنقها. يتغنّى بالقانون ثم يعلّقه. يحدّثنا عن العالم الحر، ثم يطالبنا بالعيش في أقفاص. لكنّ الجمهور العالمي ليس غبيّاً. لقد تعلّم من الكوابيسِ قراءة الكواليس. رأى كيف تُدار الحروب كحلقاتٍ خاصة، وكيف يُعاد تعريف الضحية بحسب الموقع الجغرافي، وكيف يُطلب من الأخلاق أن تصطفّ سياسيّاً. الحلم الذي كان يقول: "تعالوا إلى المستقبل"، صار يقول: "انتظروا ريثما نراجع القيم".
هل يعني هذا نهاية الفيلم الأميركي؟ ربما. لكن الأخطر: هل يعني نهاية الفيلم الغربيّ بوصفه سردية أخلاقية جامعة؟ الجواب المؤلم: نعم، إن استمرّ العرض بالطريقة نفسها. ما المَخرَجُ من هذا المأزق؟ ليس في تبديل الممثلين على أيّ حال، ولا في تحسين الإكسسوارات. الحلّ يبدأ من إبطال العمل بالثنائيّات: "شرق/ غرب"، "شمال/ جنوب"، والكفّ عن التجسير بين القيم واللوبيات، بين القانون والتحالفات، بين العدالة والمصالح الآنية، والإقرار بأن القيم لا تعمل بنظام الاشتراك ولا تُؤجّل بحسب الطقس السياسي. الخروج من الأزمة يتطلّب شجاعة غير سينمائية: شجاعة الاعتراف. شجاعة تطبيق القانون الدولي بلا استثناء. شجاعة أن تكون القيم أثقل من التحالفات. عندها فقط يمكن التفكير في فيلم جديد. لا نسخة مُرمّمة من القديم، بل عمل مختلف: حبكة أقل ادّعاءً، أبطال أقلّ قداسة، ونهاية غير مضمونة، لكنها صادقة. إلى ذلك الحين، سيستمرّ الفيلم الطويل في العرض أمام مقاعد فارغة، وسيصفّق بعض النقّاد على سبيل الرزق والعادة، بينما يغادر الجمهور الحقيقيّ القاعة، باحثاً عن قصةٍ لا تطلب منه أن يغمض عينيه كي يصدّقها.