هل تعود الرايات السوداء إلى سماء تونس؟

01 فبراير 2026
+ الخط -

عاد الإرهاب ليطلّ بشبحه الأسود على التونسيين. عمليتان متتاليتان رُصدتا، وأوقعتا شهيداً في صفوف الأمنيين مقابل مقتل خمسة إرهابيين. حصل هذا بعد فترة من الهدوء لم تسجّل خلالها أحداث شبيهة بما حدث من قبل. فهل ما حصل أخيراً حدثٌ عابر قامت به مجموعة صغيرة معزولة لم تعد قادرة على البقاء في السرّية، أم هو إعلان لعودة الدواعش إلى استهداف تونس في هذه المرحلة الصعبة والمعقدة.

أسهمت يقظة الأجهزة الأمنية، واستفادتها من التجربة السابقة، بقدر كبير، في تقليص هذه الظاهرة وإجبارها على الدخول في سبات طويل. لقد جرت مراجعة الأساليب القديمة، ووضعت الأجهزة استراتيجية أكثر نجاعة وشمولاً، لكن هذا لا يكفي لتفسير ما وقع، فلهذه التنظيمات قدرة على البقاء والتجنيد، ما يستوجب اليقظة المستمرّة، ومعالجة الأسباب التي توفر المناخ الملائم لانتعاشة التطرف العنيف.

لا يعني غياب الدواعش القضاء عليهم وغلق ملفاتهم نهائياً. هم أشبه بالحيوان الأسطوري، الذي كلما ظننت أنك قد قضيت عليه، غافلك مهلة، ليعود ويعمل على تدمير حصونك التي بنيتها في الداخل، فهم يفرضون حرب استنزاف ممتدة عبر الزمن والجغرافيا، خصوصاً أن جماعاتٍ من هؤلاء وقفت وراءهم دول ودعمتهم مخابرات، واستعملوا ضد هذا النظام أو ذاك لتحقيق أهداف مختلفة.

هناك خوفٌ في تونس من احتمال وصول مئات أو آلاف من هؤلاء بمناسبة نقلهم من سورية إلى العراق بقرار أميركي. ورغم أن الأمن التونسي قد تسلم بعض هؤلاء من دول عديدة، إلا أن السلطة بقيت متردّدة في استعادة معظمهم. وقد عمّقت المحاولة الفاشلة لبعض الإرهابيين الهروب من سجن المرناقية قبل سنتين الخوف من احتمال تكرار المحاولة. وهو ما دفع تونس إلى المشاركة في الاجتماع الثلاثي مع مصر والجزائر، الذي دعا إلى انسحاب "القوات الأجنبية والمرتزقة والمقاتلين الأجانب" من ليبيا.

لا تزال تونس محصّنة، إلى حد ما، ضد الجماعات العنيفة، وهو ما أكّدته الأحداث والوقائع. ولم يثبت أن الذين اختاروا العمل السياسي المعارض للسلطة الحالية، وذلك حسب التحقيقات الأمنية والقضائية، اعتمدوا الإرهاب أسلوباً لتغيير النظام. هذا ما أكدته جميع الأطراف التي تابعت المحاكمات السياسية أخيراً من محامين ومنظمات وهيئات داخلية ودولية، بالرغم من أن بعض أحزاب أقصى اليسار مستمرّة في اتهام المعتقلين بممارسة الإرهاب أو استخدامه لتحقيق أهداف سياسية. ولكن هذه الأطراف بقيت تفتقر إلى الدليل القاطع، ولم يتجاوز قولها حدود الصراع السياسي والأيديولوجي بين خصوم سياسيين.

يعتبر التزام المعارضة التونسية بالطابع السلمي لتحرّكاتها مكسباً مهمّاً لا بد من دعمه وتعميقه في وعي التونسيين وثقافتهم السياسية. إذ لو حصل العكس، ولجأ بعض الفرقاء إلى استعمال السلاح وسيلةً للتغيير، مثلما فعلت التنظيمات السلفية، لتكرّر فيها السيناريو الدامي الذي عاشته كل من ليبيا والعراق واليمن وسورية والجزائر. ورغم الأحكام العالية التي صدرت على المعارضين، فقد تمسك هؤلاء بالدستور والقانون، ورفضوا المساس بالسلم الأهلي، ودفع أنصارهم نحو رفع السلاح في وجه الدولة التي اعتبروها دولتهم، ودعوا إلى المحافظة عليها، وتمسّكوا بالديمقراطية أسلوباً وحيداً للدفاع عن حقوقهم ضد ما اعتبروه ظلماً سلط عليهم. لهذا اختاروا النضال السلمي، واستندوا إلى الوسائل القانونية، واكتفوا بتنظيم المسيرات، ورفع الشعارات بعيداً عن الاشتباك بالشرطة، ومن دون المسّ بالممتلكات العامة والخاصة. وهذا يسمى في الثقافة السياسية السلوك الحضاري والمواطني.

لا تعني عودة الدواعش أن تونس في خطر، فهؤلاء لفظهم المجتمع والنخبة، ويصعب أن يستعيدوا المناخ الذي توفر من قبل لتنظيم القاعدة (أنصار الشريعة)، فهؤلاء الذين رفضوا الديمقراطية، وكفروا خصومهم، وظنوا أنهم قادرون على إلحاق تونس بخلافتهم المزعومة، اكتشفوا أن ذلك سرابٌ ووهم. لهذا فشلت محاولات استثمار ملف الدواعش لتبرير الانغلاق السياسي، واستمر النضال من أجل الحرية والديمقراطية.

266D5D6F-83D2-4CAD-BB85-E2BADDBC78E9
صلاح الدين الجورشي

مدير مكتب "العربي الجديد" في تونس