هل دخلت سورية عصر الابتزاز الاستراتيجي؟
الشرع وترامب في البيت الأبيض في واشنطن (10/11/2025 الأناضول)
وُصفت زيارة الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع إلى واشنطن، ولقائه الرئيس الأميركي دونالد ترامب (10 نوفمبر/ تشرين الثاني الجاري) بأنها تاريخية لثلاثة أسباب رئيسة. أولاً، هذه أول زيارة لرئيس سوري (منذ استقلال سورية عن فرنسا عام 1946) العاصمةَ الأميركية، واستقبال رئيس أميركي له في البيت الأبيض. ثانياً، وهو الأكثر إثارة، أن الشرع ليس أيَّ رئيس سوري، بل هو في العُرْفِ الأميركي "جهاديٌّ" سابق، كان مصنّفاً حتى أيام قليلة فقط في قوائم "الإرهاب" الأميركية والدولية، وسبق له أن قاتل القوات الأميركية المُحتلّة في العراق، واعتُقل في سجونها ما بين 2006 و2011. ثالثاً، دشّنت هذه الزيارة تحوّلاً استراتيجياً محورياً في تموضع سورية الجيوسياسي في سياق سعيها إلى الانتقال من فلك "المعسكر الشرقي"، الذي استظلّت بمظلته أكثر من ستّة عقود (تحت قيادة الاتحاد السوفييتي المُنحلّ عام 1991، أو وريثته روسيا، حتى نهاية العام الماضي مع سقوط نظام الأسد) إلى الفلك الأميركي. ولم يسعَ الشرع إلى إخفاء هذه الرغبة لديه، وهو يُعلن من واشنطن أنه يريد سورية "لا يُنظَر إليها بعد الآن أنها تهديد أمني، بل حليفاً جيوسياسياً، ومكاناً يمكن للولايات المتحدة أن تستثمر فيه بشكل كبير".
من ثمَّ، لا غرابة أن هذه الزيارة أثارت جدلاً كثيراً بين أنصار الحكم السوري الجديد بعد إطاحة نظام الطاغية (الهارب) بشّار الأسد، نهاية العام الماضي، وخصومه. وضاعف من هذا الجدل أن تفاصيل كثيرة رافقت زيارة الشرع واشنطن، لم يكن من السهل التغاضي عنها وتجاوزها، وهو ما جعلها عرضةً لتأويلات وتفسيراتٍ كثيرة إمّا أنها جيرتها لصالح النظام الجديد في دمشق، على أساس افتراض حنكته ومرونته السياسية، أو وظفتها ضدّه زاعمةً إن الرجل لم يكن إلّا "عميلاً" تمَّ إعداده (على مدى سنوات) لهذه المهمة، وهذا الدور، لا لإطاحة "نظام ممانع" فحسب، بل لحرف سورية عن مسارها القومي المُقاوِم.
في السطور التالية، سيحاول هذا المقال تجنّب الانجرار إلى مثل هذا الجدال، من دون إنكار وجوده، عبر تلمّس بعض خلفياته، ثم التركيز في بعض المحذورات التي ينبغي أخذها في الاعتبار في سورية الجديدة.
الشرع ليس أيَّ رئيس سوري، بل هو في العُرْفِ الأميركي "جهاديٌّ" سابق كان مصنّفاً حتى أيام قليلة فقط في قوائم "الإرهاب" الأميركية والدولية
لنبدأ أولاً بخلفيات مهمّة من الضروري استحضارها في هذا السياق. حتى 7 نوفمبر/ تشرين الثاني الحالي، أي قبل ثلاثة أيام من استقبال ترامب الشرع في البيت الأبيض، كان اسم الأخير لا يزال في القائمة الأميركية لـ"الإرهابيين العالميين المُصنَّفين بشكل خاص". وفي ذلك اليوم، بادرت وزارة الخزانة الأميركية إلى رفع اسمه، واسم وزير الداخلية السوري أنس خطّاب منها. قبل ذلك بيوم، تقدّمت الولايات المتحدة بمشروع قرار في مجلس الأمن لشطب اسمَي الشرع وخطّاب من قائمة العقوبات الدولية المفروضة على تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) وتنظيم القاعدة. وقد أُقرَّ المشروع في ا6 نوفمبر الجاري، في خطوة وصفها السفير الأميركي لدى الأمم المتحدة مايك والتز بأنها "إشارة قوية إلى أن سورية دخلت عهداً جديداً منذ سقوط الأسد".
التحوّل الأميركي نحو الشرع، الذي قاد فرع تنظيم القاعدة في سورية (جبهة النصرة)، حتى انفصاله عن "القاعدة" عام 2017 وتشكيله هيئة تحرير الشام التي صنّفتها واشنطن هي الأخرى "إرهابيةً"، بدأ منذ مايو/ أيار الماضي، عندما التقى ترامب في الرياض، بوساطة من وليّ العهد السعودي محمّد بن سلمان والرئيس التركي رجب طيّب أردوغان... منذ ذلك الحين، أعجب ترامب بشخصية الشرع، أو أنه يتظاهر بهذا، وبدأ يكيل له المديح، مثل أنه "شاب جذّاب" و"زعيم قوي وصلب"، وأسقطت مكافأة العشرة ملايين دولار التي كانت تعرضها واشنطن لمن يدلي بمعلوماتٍ تقود إلى القبض عليه أو تصفيته. كما علّقت عقوبات أميركية كثيرة على سورية التي تعود إلى حقبة النظام السابق، وبعد ذلك رُفع اسم هيئة تحرير الشام من قائمة "المنظّمات الإرهابية الأجنبية" (يوليو/ تموز الماضي). وكان اللقاء الثاني لترامب والشرع في سبتمبر/ أيلول في نيويورك، على هامش اجتماعات الجمعية العمومية للأمم المتحدة.
استحضار التاريخ "الصعب" للشرع، حسب وصف ترامب نفسه، بدءاً من اشتراكه في القتال ضدّ القوات الأميركية في العراق عام 2003 تحت مظلّة "القاعدة"، وصولاً إلى لقائه ترامب في البيت الأبيض، ولعبه كرّة السلّة مع قائدين عسكريين أميركيين في واشنطن، سبق له أن قاتلهما واعتُقل في سجونهما، فضلاً عن انخراط حكومته في مفاوضات مباشرة مع إسرائيل، هو ما أثار لغطاً كثيراً حول الرجل وهُويَّته، والدور الذي يُصرُّ بعضهم أنه مناطٌ به. ولم تقف الأمور عند هذا الحدّ، إذ تؤكّد تقارير غربية أن دمشق سمحت للولايات المتحدة بإقامة وجود عسكريٍّ لها في قاعدة المزّة الجوية بدمشق، في إطار ما وُصفت بأنها جهود سورية لإعادة تموضعها الاستراتيجي، بما يعيد رسم دورها في الخريطة الأمنية الإقليمية. ووفقاً لمسؤولين أميركيين، ستُخصّص القاعدة للإشراف على جهود مراقبة وقف إطلاق النار بين سورية وإسرائيل. صحيح أن الحكومة السورية نفت هذه التقارير، إلا أنها تستند إلى مصادر سورية وأميركية وغربية متواترة. بل كان الشرع نفسه قد أشار من قبل إلى أن دمشق لا تعارض من حيث المبدأ وجوداً عسكرياً أميركياً في أراضيها، لكنّها تشدّد على أن أيَّ وجودٍ من هذا القبيل، يجب أن يتم بالتوافق الكامل مع الدولة السورية الجديدة، وبما يحفظ سيادتها ومصالحها الوطنية.
لا يجب أن يعمي اندفاع ترامب نحو الشرع الحكم السوري الجديد عن مصالح واشنطن وتل أبيب
يوضح العرض السابق جانباً من المقارنة التي يسوقها خصوم الحكم السوري الجديد مع نظام حكم عائلة الأسد، الأب حافظ، والابن بشار، أكثر من نصف قرن. يقول هؤلاء إن الأسدَيْن حافظا على استقلال سورية وسيادتها أمام الأطماع الأميركية والإسرائيلية، وأن ذلك هو ما قاد في المحصّلة إلى "المؤامرة الكونية" على سورية التي انتهت بإطاحة نظام الأسد الابن، بعد عقود من الحصار الاقتصادي والسياسي. في المقابل، يقول أنصار الحكم الجديد إن سورية اليوم تدفع كُلفاً استراتيجية باهظة جرّاء عقود من حكم آل الأسد، والعزلة التي فُرضت على البلاد على خلفية ذلك. ولا ينسون أن يُذكّروا بأن الجولان السوري المحتل سقط فريسة لإسرائيل وحافظ الأسد وزيراً للدفاع، وأن رصاصةً واحدةً على مدى 58 عاماً لم تُطلَق لتحريره. وَيُحمِّل هؤلاء نظام بشّار مسؤولية تدمير سورية وتشريد معظم شعبها في العقد ونصف العقد الماضيَّين، ورهن سيادة البلاد للنفوذين الإيراني والروسي. ويضيفون إلى ذلك أنه لولا رفض بشّار التجاوب مع الإصلاحات الديمقراطية التي طالب بها الشعب السوري عام 2011، وقمعه الوحشي الحركات السلمية، لما دمّرت البلاد، ولا تمزّقت وحدتها الترابية، ولا سُمِح لإسرائيل بالتسلل إلى معادلتها الطائفية والجغرافية حالياً، وسعيها إلى تقسيم سورية.
على أيّ حال، وبعيداً عن إصدار أحكام في هذه اللحظة، المؤكّد أن سورية اليوم تتعرّض لابتزاز خطير، يدخل في باب "التدجين الاستراتيجي". مفهوم أن سورية بحاجة إلى الرضا الأميركي لرفع العقوبات التي تشلُّ اقتصادها وتعوق إعادة إعمار البلاد، ويقدّر البنك الدولي كلفتها بأكثر من 216 مليار دولار. كما أنها بحاجة إلى دور أميركي فاعل للجم الاعتداءات الإسرائيلية على أراضيها، إلا أن الولايات المتحدة ليست جمعيةً خيريةً، وقصص هيام ترامب بشخص الشرع، أصحَّ أم لا، لا ينبغي أن تُعْمي أعين الحكم الجديد في دمشق عن أن واشنطن، بالتماهي مع تل أبيب، تريان في سورية إحدى بوابات إعادة صياغة الشرق الأوسط، بما يخدم مصالحهما أولاً وأخيراً. ومن غير المعقول أن يترفّع الحكم السوري الجديد عن اجترار واستمرار العداوة مع روسيا التي أجرمت في حقّ الشعب السوري، ولا يستطيع أن يرى ما وراء عدائه مع إيران وأدواتها في المنطقة، وخصوصاً أن أميركا وإسرائيل ليستا معنيتين بالانتصار على طهران لصالح سورية والعرب، وإنما لصالحهما هما فقط.
نتمنّى النجاح لسورية، ولكن لا نريد أن نفجع بها، كما لا نريد أن يتحوّل ابتزاز الشرع ورفاقه في الحكم ابتزازاً لسورية ذاتها. ثمَّة بونٌ شاسع بين المرونة وانتهاز الفرص، وبين الانخداع والتدجين.