أوروبا بين تراجع الدعم الأميركي واختبار الاستقلال الدفاعي

06 مايو 2026   |  آخر تحديث: 14:39 (توقيت القدس)
مركز تدريب متعدد الجنسيات تابع للجيش الأميركي في ألمانيا، 30 إبريل 2026 (Getty)
+ الخط -
اظهر الملخص
- تشهد العلاقات الأوروبية-الأمريكية تحولاً استراتيجياً مع تراجع الاعتماد الأوروبي على واشنطن، وتأخير تسليم أنظمة تسليح أمريكية يثير مخاوف من "فجوة تسليحية" تؤثر على موازين القوة.

- دفعت هذه التحولات أوروبا نحو "الاستقلال الاستراتيجي"، مع زيادة الإنفاق الدفاعي ومبادرات التصنيع العسكري المشترك، بقيادة ألمانيا وفرنسا، رغم التباين بين الدول الأعضاء حول مستوى الاستقلال.

- يواجه حلف الناتو اختباراً هيكلياً مع تقليص الوجود العسكري الأمريكي في أوروبا، مما قد يضعف منظومة الردع التقليدية ويزيد الأعباء على الدول الأوروبية، خاصة في ظل استمرار الحرب في أوكرانيا.

تشهد العلاقات عبر الأطلسي بين أوروبا والولايات المتحدة مرحلة إعادة تموضع استراتيجي متسارعة، مع تزايد المؤشرات على تراجع الاعتماد الأوروبي شبه الكامل على واشنطن شريكاً أمنياً رئيسياً. وفي ظل تأخير تسليم أنظمة تسليح، وإعادة توزيع للقوات الأميركية داخل أوروبا وخارجها، تجد العواصم الأوروبية نفسها أمام معادلة أمنية جديدة تُجبرها على إعادة النظر في إحدى أهم ركائز الأمن الغربي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

تأخير التسليح: اهتزاز في ثقة الحلفاء

ويتمثل أحد أبرز مظاهر هذا التحول في تأخر الولايات المتحدة في تسليم أنظمة تسليح إلى عدد من حلفائها الأوروبيين، إذ أبلغت واشنطن دولاً بينها بريطانيا وبولندا ودول البلطيق بتأخيرات في تنفيذ عقود تسليح، نتيجة ضغوط على المخزونات العسكرية بسبب التزامات خارج أوروبا، وفق تقارير صحافية الشهر الماضي. ولا ينظر إلى هذه التأخيرات في أوروبا بوصفها مسألة تقنية أو لوجيستية فحسب، بل بكونها إشارة أوسع تمسّ منظومة الردع الجماعي، خصوصاً في دول الجناح الشرقي لحلف شمال الأطلسي مثل إستونيا ولاتفيا وليتوانيا، التي ترى أن أي تأخير ينعكس مباشرة على جاهزيتها في مواجهة التهديد الروسي.

ومع الاعتماد الواسع لجيوش أوروبية عديدة على المنظومات الأميركية، تتصاعد التحذيرات من نشوء "فجوة تسليحية" قد تعيد القارة إلى حالة من الضعف النسبي في موازين القوة، وتدفع باتجاه تسريع بناء قاعدة صناعية دفاعية أوروبية أكثر استقلالاً.

إعادة انتشار القوات الأميركية في أوروبا

بالتوازي مع أزمة تأخر تسليم الأسلحة، أعلنت الولايات المتحدة خططاً لإعادة سحب نحو 5 آلاف جندي من ألمانيا خلال 6 إلى 12 شهراً، مع احتمال تقليص أوسع لوجودها العسكري في أوروبا. وتُعد ألمانيا أكبر مركز للقوات الأميركية في القارة، وتستضيف قواعد استراتيجية أبرزها رامشتاين التي تُعد محوراً لقيادة حلف شمال الأطلسي (ناتو). ويُنظر إلى هذه الخطوة على أنها تحوّل من "التمركز الدائم" إلى "إعادة توزيع الأعباء الأمنية"، في وقت تعتبر فيه أوروبا أن التهديد الروسي يتصاعد. وبينما ترى برلين في هذا التحول فرصة لتعزيز الاستقلال الدفاعي، يحذر مسؤولون أوروبيون في حلف الأطلسي من أنها قد تُضعف منظومة الردع التقليدية للحلف منذ 1949.

انقسام أوروبا بين إعادة التسلح وبناء استقلال استراتيجي

هذه التحولات دفعت أوروبا إلى تسريع نقاشاتها حول ما يُعرف بـ"الاستقلال الاستراتيجي". وقد بدأ الاتحاد الأوروبي بالفعل في رفع الإنفاق الدفاعي، وإطلاق مبادرات للتصنيع العسكري المشترك، ومحاولة تقليل الاعتماد على السلاح الأميركي. وتبرز ألمانيا بما هي أحد الفاعلين الرئيسيين في هذا المسار، مع خطط لتوسيع قدراتها العسكرية بشكل غير مسبوق خلال السنوات المقبلة، وفقا لما نشره موقع وزارة دفاع برلين يوم 22 الشهر الفائت، فيما تدفع فرنسا بقوة نحو تعزيز صناعة دفاع أوروبية أكثر استقلالاً، مستندة إلى قدراتها النووية والعسكرية. في المقابل، تتحرك دول مثل بولندا ودول الشمال الأوروبي نحو تعزيز جيوشها في مواجهة ما يرونه "التهديد الروسي المتزايد".

وفي قلب هذا النقاش، يتبلور مفهوم "الاستقلال الاستراتيجي الأوروبي"، حيث تشير تقارير البرلمان الأوروبي، إلى جانب تحليلات وكالات أنباء ودوائر بحثية إلى أن أوروبا تدخل مرحلة إعادة تعريف لعلاقتها الأمنية مع الولايات المتحدة، في ظل تأخير التسليح الأميركي وتراجع جزئي في الانتشار العسكري داخل القارة، ما يعيد طرح سؤال الاستقلال الدفاعي الأوروبي من جديد، وتقليل الاعتماد على الولايات المتحدة في مجالات حيوية مثل الدفاع الجوي والاستخبارات والفضاء. لكن هذا المشروع يواجه تحديات جوهرية، أبرزها التباين العميق بين الدول الأعضاء حول مستوى الاستقلال الممكن، وحدود العلاقة المستقبلية مع الولايات المتحدة، بحسب ما ذهب تحليل لمركز الدراسات الاستراتيجية والدولي (CSIS) في شهر إبريل/ نيسان.

لا يُظهر الاتحاد الأوروبي موقفاً موحداً من مسار تعزيز الاستقلال الدفاعي، إذ تتصدر فرنسا الدفع نحو قدرات أوروبية أكثر استقلالاً، مستندة إلى تقاليدها السياسية وصناعتها العسكرية، بينما تتبنى ألمانيا مقاربة أكثر حذراً، تقوم على تعزيز القدرات الأوروبية ضمن إطار الناتو لا بديلاً عنه. وتؤيد إيطاليا وإسبانيا تطوير القدرات الدفاعية الأوروبية ضمن المظلة الأطلسية، في حين تبدي دول شرق أوروبا، وفي مقدمتها بولندا ودول البلطيق، تحفظاً واضحاً على أي مشروع قد يُفهم بأنه بديل للضمانة الأميركية، معتبرة أن الردع ضد روسيا لا يزال يعتمد بشكل أساسي على واشنطن.

وبين هذه المواقف، يبرز تيار أوروبي واسع لا يعارض تعزيز القدرات الدفاعية، لكنه يشكك في واقعية "الاستقلال الكامل" بسبب الفجوة التكنولوجية والعسكرية والاستخباراتية مع الولايات المتحدة، كما أشار معهد كارنيغي- أوروبا. وبذلك لا يدور النقاش بين خيارين متناقضين، بل بين نموذجين: أوروبا أكثر استقلالاً داخل الناتو، أو أوروبا لا تزال تعتمد على المظلة الأميركية بما هي ضمانة أمنية أساسية.

"ناتو" تحت الضغط: اختبار لمعادلة الردع

تضع هذه التحولات حلف شمال الأطلسي أمام اختبار هيكلي متصاعد، إذ يواجه الحلف الذي تأسس على مبدأ "الدفاع الجماعي بقيادة أميركية" واقعاً يفرض إعادة توزيع الأدوار بين ضفتي الأطلسي. وتحذر تقديرات صادرة عن المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية (IISS)، ومركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS)، إلى جانب تحليلات حلف الأطلسي، من أن أي تقليص إضافي في الوجود العسكري الأميركي داخل أوروبا قد يضعف منظومة الردع التقليدية، ويزيد الأعباء العسكرية والمالية على الدول الأوروبية، في وقت تواجه فيه القارة تحديات اقتصادية وضغوطاً سياسية داخلية للحد من زيادة الإنفاق الدفاعي. ويزداد هذا التعقيد مع استمرار الحرب في أوكرانيا واعتمادها الكبير على الدعم العسكري الغربي، خصوصاً الأميركي، ما يجعل أي تحول في توازنات الناتو ذا تأثير مباشر على مسار الصراع.