الجيش الصيني في ذكرى تأسيسه الـ99: واقع لا يلبي الطموحات
- يواجه الجيش الصيني تحديات مثل الفساد والتغيرات الجيوسياسية ونقص الكفاءات في التكنولوجيا الحديثة، مما يتطلب تعزيز التنسيق بين الفروع العسكرية.
- التوترات الإقليمية مع جيران الصين والدعم الأمريكي لحلفائهم تؤثر على جهود التحديث العسكري، مع تحديات في بحر الصين الجنوبي والشرقي ومضيق تايوان والحصار التكنولوجي الأمريكي.
يحتفل جيش التحرير الشعبي الصيني، اليوم السبت، بذكرى تأسيسه التاسعة والتسعين في الأول من أغسطس/آب، أي قبل عام من الموعد النهائي لتحقيق أهدافه المئوية. وكان الرئيس الصيني شي جين بينغ، قد تحدث في وقت سابق، عن رؤيته وخططه الخاصة بشأن تطوير الجيش، وقال في مقال نُشر في صحيفة الشعب اليومية، الناطقة باسم الحزب الشيوعي، إنه يجب على الجيش الصيني أن يقيس نفسه بأقوى جيش في العالم، في إشارة واضحة إلى الولايات المتحدة، في إطار سعيه للتغلب على المنافسة العالمية.
كما حثّ الرئيس الصيني كبار قادة الحزب الشيوعي الحاكم على تعميق مكافحة الفساد في الجيش والنهوض بتحديث الدفاع الوطني، بحسب ما أفادت وكالة أنباء شينخوا الرسمية أمس الجمعة. وقال شي خلال اجتماع جماعي للمكتب السياسي، أعلى هيئة لصنع القرار في الصين: "يجب أن تخضع فوهة البندقية دائماً لأوامر الحزب". كما دعا إلى إنشاء نظام عسكري ذكي، يشمل استخداماً أكبر للتقنيات غير المأهولة وتعميقاً لاستخدام أنظمة المعلومات الإلكترونية، وفقاً لـ"شينخوا". وأفادت الوكالة بأن شي "أشار إلى أن التوجه الأساسي ومعيار التقييم في سبيل تطوير الدفاع الوطني والقوات المسلحة بجودة عالية هو الفعالية القتالية".
يتمثل هدف شي في "بناء جيش عالمي المستوى بحلول منتصف هذا القرن"
ويُعد كلام شي أحد أوضح التفسيرات لهدفه المتمثل في "بناء جيش عالمي المستوى بحلول منتصف هذا القرن"، الذي يتزامن مع الذكرى المئوية لتأسيس جمهورية الصين الشعبية في عام 2049. وفي تعليقها على ذلك، قالت وسائل إعلام صينية إن مصطلح "عالمي المستوى" يتم تحديده من خلال مؤشرات عالمية رفيعة المستوى، وإن الصين تهدف إلى الهيمنة على الساحة المركزية للمنافسة العسكرية والبقاء في طليعة التطورات.
تاريخياً، عُرف عن الصين أنها صاحبة أكبر جيوش العالم عددياً، إذ يبلغ تعداد الجيش الصيني حالياً حوالى 2.3 مليون جندي، يتوزعون بين خمس وحدات: البرّية والبحرية والجوية والقوة الصاروخية ووحدة الدعم الاستراتيجي. وقد أنشئ الجيش الصيني في عام 1927، وخاض حروباً عدة، لعل أبرزها الحرب في شبه الجزيرة الكورية في خمسينيات القرن الماضي.
مع ذلك، أُخذ على الصين خلال العقود الماضية اهتمامها بالكمّ على حساب الجودة، أي أنها لم تلق بالاً لمسألة التحديث العسكري، وظل جيشها لعقود طويلة غير مؤهل في العتاد والقدرات القتالية، فضلاً عن أن آخر حرب خاضها الجيش الصيني كانت ضد فيتنام في عام 1979. لكن مع وصول شي جين بينغ إلى السلطة في عام 2013، اختلف الأمر تماماً، إذ أطلق عملية تحديث الترسانة العسكرية للصين بصورة شاملة. وشهدت هذه العملية خطط بناء وإصلاحات كبيرة.
تحديات وعقبات أمام الجيش الصيني
منذ تأسيس جمهورية الصين الشعبية عام 1949، خضع الجيش الصيني لـ13 إصلاحاً رئيسياً. إلا أنه، وبسبب عوامل متعددة، تعثّرت هذه الإصلاحات لفترة طويلة، ولم تتمكن من التقدم بسلاسة، ولعل أبرز هذه العوامل: ملف الفساد، حيث طاولت حملة "مطاردة النمور" التي أطلقها الرئيس الصيني منذ توليه السلطة عام 2013، عدداً كبيراً من المسؤولين وضباط الجيش، وكان من أبرز هؤلاء جنرالان في الجيش الصيني وهما من أعلى الرتب العسكرية في البلاد: تشانغ يوشيا، نائب رئيس اللجنة العسكرية المركزية الأول وأعلى ضابط عسكري في الصين، وليو تشن لي، رئيس قسم الأركان المشتركة باللجنة العسكرية المركزية، بالإضافة إلى قائد القوة الصاروخية في الجيش الصيني، لي يوتشاو.
وكان المعهد المستقل للدراسات الاستراتيجية ومقره لندن، قد ذكر في فبراير/شباط الماضي، أن عمليات التطهير من الفساد العسكري أعاقت الجاهزية القتالية وتركت أوجه قصور خطيرة في هيكل قيادة جيش التحرير الشعبي. وكانت وزارة الحرب الأميركية (بنتاغون) قد صرّح العام الماضي بأن الجيش الأميركي يعتقد أن قادة الصين يريدون جيشهم جاهزاً ليكون قادراً على الفوز في نزاع حول تايوان بحلول عام 2027. وأقرّ مراقبون وخبراء عسكريون أميركيون في تقرير أصدرته الوزارة عن القوة العسكرية الصينية، نهاية 2025، بأن الجيش الصيني أصبح أكثر تقدماً ومرونة، ويشهد "توسعاً عسكرياً تاريخياً" يشكل مخاطر أكبر على الأراضي والمصالح الأميركية. وجاء في التقرير أنه من المتوقع أن يمتلك الجيش الصيني القدرة على شن حرب ضد تايوان والانتصار عليها بحلول نهاية عام 2027.
ملف الفساد من أبرز التحديات التي أعاقت إصلاحات الجيش لفترة طويلة
وفي قراءته لأبرز التحديات التي تواجه الأهداف المئوية للجيش الصيني، أوضح الأستاذ في مركز الدراسات السياسية في جامعة جينان، شياو لونغ، في حديث لـ"العربي الجديد"، أنه في سياق تعزيز التحديث وحماية الأمن القومي، يواجه الجيش الصيني تحديات متعددة، بما في ذلك تلك المتعلقة باستخدام التكنولوجيا العسكرية في إطار التحول النوعي، وكذلك التغيرات الجيوسياسية في المنطقة. وقال إن انتقال الجيش من الإطار التقليدي الكلاسيكي، إلى وحدات متخصصة ومتكاملة، يتطلب المزيد من الاختبار وتعميق التنسيق بين مختلف الخدمات والفروع. ولفت في هذا الصدد، إلى نقص الكفاءات القادرة على استخدام التكنولوجيا وأنظمة المعلومات في المجال العسكري، وما يتطلبه ذلك من عمليات تشغيل وصيانة لمعدات عالية التقنية.
وأشار شياو، إلى البيئة الأمنية المعقدة في محيط الصين، والدعم الذي تقدمه الولايات المتحدة لحلفائها في المنطقة مثل اليابان والفيليبين وكوريا الجنوبية. وقال إن إشعال الصراعات البحرية والبرية وتأزيمها بين الصين وجيرانها، خصوصاً في بحر الصين الجنوبي وبحر الصين الشرقي، وكذلك مضيق تايوان، يعيق ويشتت عمليات التحديث العسكرية، لأن إشغال الجيش الصيني بمثل هذه النزاعات الإقليمية يمثل استنزافاً حتى مع قدرة بكين على ضبط النفس وإدارة الخلافات عبر القنوات الدبلوماسية. وأضاف: لا يمكن أيضاً إغفال الحصار التكنولوجي الذي تفرضه الولايات المتحدة على الصين، وهو ما يؤثر على سلاسل التوريد والصناعة العسكرية المحلية.
شياو لونغ: يعاني الجيش الصيني من نقص الكفاءات القادرة على استخدام التكنولوجيا وأنظمة المعلومات في المجال العسكري
أزمة مكافحة الفساد
من جهته، قال جو فانغ، الباحث الزميل في جامعة آسيا (تايوان)، في حديث مع "العربي الجديد"، إن حملة مكافحة الفساد التي أطلقها الرئيس شي جين بينغ، تؤثر بشكل عميق على الروح المعنوية والتجنيد والقيادة في الجيش الصيني. وأشار إلى أن قوات الصواريخ وإدارة شراء المعدات كانت أكثر قطاعات الجيش تضرراً، وذلك بعد إقالة عدد كبير من الجنرالات بمن فيهم قائد قوات الصواريخ ونائبه، مشدداً على أن استهداف القيادات العليا للوحدات العسكرية يخلق أزمة ثقة لدى الأفراد العسكريين أو المرؤوسين، ويثير تساؤلات في الداخل والخارج حول جاهزية القوات القتالية.