"الطوفان الثاني" يكشف هشاشة القبضة الأمنية الباكستانية في إقليم بلوشستان
استمع إلى الملخص
- أشار الإعلام المحلي إلى ضعف الاستخبارات الباكستانية، حيث تمكن المسلحون من السيطرة على مراكز أمنية واعتقال قادة. الزعيم القبلي جميل شاه بلوش أكد فقدان الحكومة لحاضنتها الشعبية.
- المحلل الأمني ممتاز علي شاه أوضح أن الهجوم يبرز ضعف القوات الباكستانية، مشيراً إلى أهمية المصالحة وتجنب العداء مع أفغانستان.
كان 31 يناير/كانون الثاني الماضي يوماً استثنائياً في باكستان، وحمل معه الكثير من التساؤلات ودوافع القلق، في ما يخص ملف إقليم بلوشستان جنوب غربي البلاد، حيث سقطت معظم الإدارات الحكومية في الولاية بيد مسلحي جيش تحرير بلوشستان.
ولم يكتف المسلحون، ضمن عملية أطلق عليها اسم "الطوفان الثاني"، بالتمركز لساعات طويلة داخل المقار الحكومية، بعد أن نهبوا البنوك واختطفوا مسؤولين، وقتلوا العشرات، ونصبوا حواجز أمنية ضمن المدن فقط في إقليم بلوشستان وداخل مركز الإقليم مدينة كويته، فإن الأخطر أنهم تمكنوا من الوصول إلى المنطقة الخضراء، التي تضم مكاتب ومؤسسات حساسة ومهمة، واشتبكوا مع قوات الأمن داخلها، ما أدى إلى مقتل عدد من عناصر الشرطة.
من جهتها، اعترفت الحكومة وأجهزة الأمن أن الانفصاليين البلوش شنوا هجوماً منسقاً على 12 مدينة في إقليم بلوشستان، وقتلوا عناصر في الشرطة والأمن، ونهبوا البنوك وفجروا المنشآت الحكومية والمؤسسات الأمنية، لكنها شددت على أن قوات الجيش انتشرت في كويته ومدن أخرى وتمكنت من إفشال الهجوم الذي سماه جيش تحرير بلوشستان "الطوفان الثاني"، بينما "الطوفان الأول" شنه العام الماضي. وقال رئيس حكومة إقليم بلوشستان سرفراز بكتي، في بيان أمس الأحد، إن "قوات الأمن قتلت 145 مسلحاً على مدار 40 ساعة بعد هجمات منسقة وقعت في أنحاء الإقليم". وأضاف أن "17 عنصراً من قوات إنفاذ القانون و31 مدنياً قتلوا خلال الهجمات". وأعلن الجيش الباكستاني، في بيان أول من أمس السبت، مقتل "18 مدنياً" و15 من عناصر قوات الأمن، و92 انفصالياً.
وفي حين اعتبر وزير الخارجية الباكستاني محمد إسحاق دار، في بيان، أن "الهجمات في بلوشستان تهدف إلى تقويض أمن وسلامة شعبنا واستقرار الإقليم وباكستان"، أعلن وزير الدفاع خواجة آصف، في مؤتمر صحافي في إسلام أباد، أن المهاجمين على صلة بالهند، متوعّداً بـ"القضاء عليهم جميعاً.
معطيات الأرض تخالف الرواية الرسمية
يبين الإعلامي المحلي عبد الرحمن كاكر، لـ"العربي الجديد"، بعض ما جرى في إقليم بلوشستان، قائلاً: "كنت موجوداً في مدينة كويته، ولي ارتباطات مع كل المدن. كنت أراقب الوضع منذ بداية الهجوم حتى وقت متأخر من يوم السبت الماضي، ولم أر في أي لحظة أن هناك قوات أمنية بإمكانها مقاومة هذا الزحف من المقاتلين. فعلاً لقد رأينا هشاشة أجهزة الأمن". ويشير إلى أن "مدينة كويته، مركز إقليم بلوشستان، كانت قد سقطت عملياً في يد المسلحين، الذين نصبوا حواجز أمنية على مداخلها وداخلها، ونهبوا بنك فيصل المركزي، ثم فجّروه، كما نهبوا ثلاثة بنوك أخرى، وسيطروا لفترة على المستشفى الرئيسي الذي يسمى سيول هاسبيتل، ويقع وسط المدينة. كما أنهم دخلوا إلى العديد من المراكز الأمنية".
جميل شاه بلوش: نقطة ضعف قوات الأمن أنها فقدت حاضنتها الشعبية، إذ إن الأرض والقبائل كلها مع المعارضين
ويوضح كاكر أن "المسلحين سيطروا أيضاً على مركز قوات مكافحة الإرهاب، واعتقلوا من بداخله، ثم نشروا لهم تسجيلاً مصوراً وهم في قبضتهم. كما اعتقلوا نائب عمدة نوشكي محمد حسين هزاره، بالإضافة إلى عدد من القادة الميدانيين للجيش المحلي الموالي للجيش الباكستاني".
هجوم منسق على إقليم بلوشستان
وبدأ الهجوم، أول من أمس السبت، بعمليات انتحارية استهدفت مواقع أمنية حساسة، بينها واحد داخل المنطقة الخضراء، وبالتالي بدأ الاهتمام يتركز على النقاط التي استهدفتها عمليات انتحارية (الحكومة تقول عمليتين، ومصادر مستقلة تؤكد أن هناك أربع عمليات انتحارية على الأقل). وبعد التفجيرات الانتحارية، بدأ الهجوم المنسق على كل المدن، حيث خرج المئات من المسلحين البلوش من داخل القرى والمدن، مدججين بالأسلحة المختلفة. وما أثار استغراب السكان ليس الهجوم المنسق على غالبية المدن في إقليم بلوشستان وكل المراكز المحصنة أمنياً فقط، ودخولهم إليها، بل وجود هذا العدد الهائل من المسلحين داخل كل مدينة، لذا يرى المراقبون أن الهجوم لم يدل على نفوذ وقوة الانفصاليين البلوش فقط، بل أيضاً على ضعف الاستخبارات الباكستانية وفشلها.
وفي الشأن، يقول الزعيم القبلي في إقليم بلوشستان جميل شاه بلوش، لـ"العربي الجديد": لقد أثبت الهجوم أن أجهزة الأمن والاستخبارات الباكستانية لها قوة ونفوذ على وسائل التواصل الاجتماعي، وهي قوية جداً في الإخفاء القسري لأبناء البلوش، وإهانة اللاجئين الأفغان، لكن عندما يأتي المسلحون المدججون بالأسلحة يهربون. ويضيف: لقد رأينا بأم أعيننا ضباط وعناصر الأمن الباكستاني يهربون ويتركون كل شيء وراءهم، معرباً عن استغرابه حول قول المسؤولين إن القوات أفشلت الهجوم، مشيراً إلى أن وزير الداخلية محسن نقوي، الذي وصل إلى كويته السبت الماضي وأعلن حالة الطوارئ، وقف في المدينة قبل أيام، وقال إن ضابطاً واحداً وعدداً من عناصر الشرطة يكفون للقضاء على الانفصاليين البلوش، هؤلاء لا شيء أمامنا سنقضي عليهم متى شئنا. ولكن رأيناه، بحسب ما نشر على وسائل التواصل الاجتماعي، يبكي هو وبكتي (رئيس حكومة إقليم بلوشستان)، بعدما رأوا هول ما حدث في مدينة كويته.
الحاضنة الشعبية... كلمة السر
ويوضح شاه بلوش أن نقطة ضعف قوات الأمن الباكستانية هي أنه ليس لديهم محفزات، وقد فقدت حاضنتها الشعبية، إذ إن الأرض والقبائل كلها مع المعارضين. لقد رأينا كيف خرج المسلحون من داخل الأحياء والقرى، ما يعني أن الحكومة فقدت تماماً مكانتها وسط الشعب، خاصة البلوش والبشتون، إذ إن عامة المواطنين استقبلوا المسلحين من أبناء قبائلهم بحفاوة. ويتابع: كل منزل في إقليم بلوشستان يعاني من فقد ابن أو قريب له على يد الاستخبارات. لقد تفجر الغضب في الإقليم بعد العثور مطلع يناير الماضي على جثث أربعة شباب في مدينة كيتش، كانت الاستخبارات اعتقلتهم، وذلك بعد أن كان عثر على جثث ثلاثة معتقلين في المدينة نهاية ديسمبر/كانون الأول الماضي.
ويوضح شاه بلوش أن إقليم بلوشستان "يغلي من شدة الغضب. نساؤنا في السجون. ما ذنب الناشطة مهرنك بلوش سوى أنها رفعت صوتها من أجل المختفين قسرياً لتوضع في السجن، دون أن نعرف مصيرها، بالإضافة إلى فتيات أخريات. شبابنا في السجون. الجيش الباكستاني يتعامل مع البلوش تماماً كما كان يتعامل مع البنغال، وانتهت القضية بانفصال بنغلادش عن باكستان. وأظن أن إقليم بلوشستان سيسير على مصير بنغلادش إذ لا سبيل غير هذا. وقد كشف الهجوم عن هشاشة قوات الأمن الباكستانية، وأن الأمر (الانفصال) أسهل مما كنا نعتقده".
رسائل الهجوم
ممتاز علي شاه: أثبت الهجوم أن المسلحين الانفصاليين لم يهربوا إلى الجبال
ويقول المحلل الأمني الباكستاني ممتاز علي شاه، لـ"العربي الجديد"، إن "ما حدث في إقليم بلوشستان لا يبشر بالخير. نحن لا نعرف حتى الآن النتيجة النهائية لهذا الهجوم الكبير المنسق من شرق الإقليم إلى غربه ومن شماله إلى جنوبه". ويوضح أن "جيش تحرير بلوشستان وجه رسائل من خلال هذا الهجوم، أهمها أن قادته داخل باكستان بخلاف ما كانت أجهزة أمن الدولة تدعيه، خصوصاً بشير زيب بلوش الذي تجول على دراجة نارية مع مسلحين داخل مدينة كويته وفي ضواحيها، وهو طلب، في كلمة مصورة، من القبائل البلوشية حمل السلاح من أجل الاستقلال عن باكستان. لا شك أن وجود بشير زيب وخطابه يعطي جرأة فائقة للانفصاليين البلوش، بل قد يحدث فرقاً لدى البلوش الذين يرون أن الحل العسكري لن يؤدي لحصولهم على حقوقهم، بل إن هذا الأمر يتم عبر حل سلمي وخوض مجال السياسة".
أما الرسالة الثانية، بحسب علي شاه، فهي أن الهجوم أثبت أن المسلحين الانفصاليين لم يهربوا إلى الجبال وأن عددهم محدود كما تدعي الحكومة، بل إنهم يوجدون في كل منطقة ومدينة، وحتى داخل المنطقة الخضراء، إذ كيف يمكن أن يأتي المسلحون من مدينة خضدار، المركز الرئيسي للانفصاليين، إلى كويته وبينهما 300 كيلومتر، وأن يذهبوا من مدينة مستونك إلى ميناء غوادر وبينهما مسافة بحدود 500 كيلومتر. إن هذا الأمر يعني أن الانفصاليين يوجدون في كل مدينة، خاصة الـ12 التي تعرضت للهجوم المنسق.
ويذكر علي شاه أن الرسالة الثالثة "هي أن الحرب، عبر الطائرات والأسلحة الثقيلة سهلة ويمكن للجيش الباكستاني أن يتفنن في هذا النوع من الحرب، لكن الحرب على الأرض ومع العصابات ومن خلال المواجهات المباشرة صعبة، لذا على القوات الباكستانية أن تطور قدراتها في هذا المجال". ويتساءل: "هذه القوات إذا لم تستطع، وهي موجودة بهذا الزخم والقوة، مواجهة البلوش، فكيف يمكن لها أن تواجه الجيش الأفغاني، أو (حركة) طالبان الأفغانية". ويعتبر أن "قوات الأمن والجيش الباكستاني فقدا حاضنتهما الشعبية كليّاً، خاصة بين قبائل البشتون والبلوش على الحدود الغربية، ولا يمكن لهما خوض الحرب دون وجود الحاضنة، من هنا على صناع القرار تجنب الحرب مع أفغانستان، وأن تبادر إسلام أباد إلى المصالحة مع كابول، لأن العداء معها سيخرج هذه المناطق من يد باكستان". ويقول: "البلوش والبشتون يرون أن لهم أبناء عمومة في أفغانستان، وهم يؤيدونهم ويوالونهم ولا يتربصون بهم. وفي المقابل باتت سياسة الجيش الباكستاني تعتمد على محاولة القضاء على المعارضين عبر القوة، وهي سياسة فاشلة وتولد أعداء".
يذكر أن الناطق باسم الجيش الباكستاني الجنرال أحمد شريف أشاد بدور الحكومة المحلية في إقليم بلوشستان وتحديداً سرفراز بكتي في التعامل مع مظاهر التسلح في بلوشستان، مؤكداً، في مؤتمر صحافي في السادس من الشهر الماضي، أن الوضع تحسن كثيراً في إقليم بلوشستان، وأن قوات الجيش حققت نجاحات كبيرة ضد المسلحين.