العراق: حراك لقطع طريق السوداني لتشكيل الكتلة الكبرى ورئاسة الوزراء
استمع إلى الملخص
- تحديات تشكيل الحكومة الجديدة: يواجه تشكيل الحكومة تحديات بسبب التوازنات السياسية الدقيقة والانقسامات، مع وجود خلافات بين السوداني وتحالف "الإطار التنسيقي"، ومخاوف من تفكك ائتلاف السوداني.
- التأثيرات الخارجية والدعوات للحوار: تلعب التأثيرات الأمريكية والإيرانية دوراً في تشكيل الحكومة، مع دعوات للحوار والتفاهم بين القوى السياسية لتحقيق الاستقرار والديمقراطية.
بعد أن بات كل تحالف وحزب في العراق على معرفة بما حصل عليه من نتيجة في الانتخابات التي أجريت الثلاثاء الماضي، عقب إعلان المفوضية العليا المستقلة للانتخابات في العراق، أول من أمس الأربعاء، النتائج الأولية، فإن التوجه بدأ بالفعل لاختيار الحكومة الجديدة، وتوزيع المناصب الوزارية، وما دونها من هيئات ودوائر في الدولة العراقية على الأحزاب الفائزة وفق طريقة "المحاصصة" المعمول بها منذ أكثر عقدين. لكن الأحزاب تصر على اعتبارها استحقاقات انتخابية لا بد من اعتمادها وفق الأوزان داخل البرلمان العراقي، وسط شكوك كبيرة تحيط بطموح رئيس الحكومة محمد شياع السوداني الذي جاء ائتلافه أول على العراق، بحصوله على ولاية ثانية، بسبب رفض أطراف وازنة في الاطار التنسيقي مثل نوري المالكي وقيس الخزعلي هذا الخيار.
وأعلنت المفوضية العليا المستقلة للانتخابات في العراق، أول من أمس الأربعاء، النتائج الأولية للانتخابات البرلمانية لاختيار أعضاء البرلمان السادس في العراق، مؤكدة تصدر ائتلاف الإعمار والتنمية الذي يقوده السوداني في ثماني محافظات هي بغداد، والنجف، والقادسية، وكربلاء، والمثنى، وميسان، وذي قار، وبابل. وتوزعت المقاعد الـ329 في البرلمان الجديد وفق النتائج الأولية على النحو الآتي: 47 مقعداً لائتلاف الإعمار والتنمية الذي يتزعمه السوداني، و18 مقعداً لتحالف "العزم" بزعامة مثنى السامرائي، و18 مقعداً لتحالف "قوى الدولة" بزعامة عمار الحكيم. كما حصل حزب "تقدم" الذي يتزعمه محمد الحلبوسي على 36 مقعداً، و29 مقعداً لائتلاف "دولة القانون" بزعامة نوري المالكي، وتسعة مقاعد لتحالف "الحسم" الذي يتزعمه وزير الدفاع ثابت العباسي. وحصل الحزب الديمقراطي الكردستاني بزعامة مسعود البارزاني على 27 مقعداً، وحزب "بدر" بقيادة هادي العامري على 21 مقعداً، وتحالف "السيادة" بزعامة خميس الخنجر على 14 مقعداً. أما التحالف الوطني الكردستاني بزعامة بافل الطالباني فقد حصل على 18 مقعداً، فيما حصلت الجبهة التركمانية على 7 مقاعد. وهذه النتائج أولية قابلة للتغيير الطفيف.
السوداني: العراق للجميع
وعقب إعلان النتائج، قال السوداني في كلمة إن "العراق للجميع وسيظل للجميع، وإن المرحلة المقبلة تستهدف بلورة حكومة جديدة قادرة على تمثيل البرامج"، داعياً "الجميع إلى جعل مصلحة البلد هي العليا واحترام إرادة الناخبين". وأشار إلى أن "ائتلاف الإعمار والتنمية منفتح على جميع الأطراف من دون استثناء". وهذه هي أول مبادرة تُطرح من أجل الحوار لتشكيل الحكومة المقبلة، التي يأمل السوداني أن يتولى رئاستها للمرة الثانية، لكن معظم المؤشرات تفيد بأن هذا الطموح قد لا يتحقق، لا سيما مع الخلافات الكثيرة بين السوداني وتحالف "الإطار التنسيقي" الذي يُعد المظلة الأكبر للأحزاب الشيعية.
"كتائب حزب الله"، أحد الفصائل العراقية المسلحة، والتي دخلت بجناحها السياسي المتمثل بحزب "حقوق" وحصلت على 6 مقاعد في البرلمان الجديد، دعت تحالف "الإطار التنسيقي" الذي يجمع القوى السياسية الشيعية الحاكمة في البلاد، إلى معالجة (منع) بعض الأسماء التي عليها تحفظات من أن تتولى مناصب أساسية، وهي إشارة مباشرة لرئيس الوزراء محمد شياع السوداني الذي دخل بأزمات عديدة مع الجماعة خلال فترة ولايته. وقال الأمين العام للكتائب، المعروف باسم أبو حسين الحميداوي، في بيان: "إذا كانت بعض الأسماء ممن لدينا بشأنها تحفظات قد تتولى مناصب أساسية، فإنّنا نأمل معالجة الأمر بالتفاهم مع الإخوة في الإطار التنسيقي، وبروح المسؤولية المشتركة التي عهدناها منهم". ومن المعلوم أن هذا الفصيل على خلاف حاد مع السوداني وقد هاجمته الكتائب في أكثر من مناسبة.
لمح عضو في "التنسيقي" لإمكانية تفكك ائتلاف السوداني
وفي السياق، قال أحد أعضاء تحالف "الإطار التنسيقي"، إن "الحراك السياسي للقوى الشيعية بدأ فعلاً لحظة إعلان نتائج الانتخابات، من أجل خلق الكتلة الكبرى في البرلمان العراقي التي من خلالها يمكن أن تمنح الثقة لرئيس الحكومة الجديدة، وذلك بالتنسيق بين قوى التحالف أولاً، ثم التوجه للأحزاب السنية والكردية، وبالتالي فإن المهمة ستكون غير سهلة، بسبب الطموح غير المحدود للسوداني في الحصول على الولاية الثانية"، مؤكداً، لـ"العربي الجديد"، أن "اختيار الحكومة مسؤولية الشيعة، بعد منح السنة والأكراد صلاحية اختيار رئاسة البرلمان والجمهورية".
تلميح لتعرض ائتلاف السوداني للتفكك
ولمح إلى إمكانية تعرض ائتلاف السوداني إلى "التفكك أو انسحاب عدد من النواب الفائزين منه"، بسبب عوامل عديدة، بعضها وجود كل من فالح الفياض (رئيس هيئة الحشد الشعبي) وأحمد الأسدي (وزير العمل وقيادي في الحشد)، في ائتلاف رئيس الوزراء، والطرفان هما من مؤسسي تحالف "الإطار التنسيقي" في العام 2021، "لكنهما اختارا المشاركة مع رئيس الوزراء في الانتخابات لحسابات انتخابية فقط، أي ليس لمصالح سياسية". واعتبر أن "النتائج التي أعلن عنها تبقى رهن تشكل الكتلة الكبرى داخل البرلمان، وهي بالتأكيد ستكون لقوى الإطار الشيعية، حتى لو رفض ائتلاف السوداني الانضمام للتحالف".
ومن المتوقع أن يواجه تشكيل الحكومة الجديدة، تحديات كبيرة في ضوء التوازنات السياسية الدقيقة والانقسامات بين القوى الفائزة، الأمر الذي قد يعيد سيناريو الانتخابات السابقة التي تأخر تشكيل حكومتها نحو عام كامل بسبب الخلافات السياسية. وهذا ما حذر منه بعض الباحثين، ومن ضمنهم الكاتب العراقي والمراقب للشأن السياسي، فارس حرّام، الذي قال، لـ"العربي الجديد"، إن "معضلة السلاح لا تزال حاضرة، وإن الحزب الذي لديه سلاح يكون صوته أعلى في المفاوضات على مناصب ومكاسب ما بعد الانتخابات"، مؤكداً أن "قائمة السوداني تعتبر غير مسلحة، بالتالي فإنه قد يتجه إلى التحالف مع بقية أشباهه".
بدوره، بيَّن الباحث في الشأن السياسي عبدالله الركابي أن "الحكومة العراقية المقبلة بكل تفرعاتها، ابتداءً من الرئيس إلى الوزراء والهيئات الهامة، وتحديداً الأمنية والمالية، لن تكون شأناً محلياً أو داخلياً خالصاً، إنما هناك توافقات خارجية في المرحلة المقبلة، وتحديداً توافقات أميركية، لأن واشنطن لن تقبل بوجود المليشيات والفصائل المسلحة على رأس السلطة"، موضحاً، لـ"العربي الجديد"، أن "الوضع بات مختلفاً ولا يشبه أي وضع جديد، وأن الحالة العراقية لابد أن تنسجم مع المتغيرات في المنطقة، لكن الأمر الإيجابي هو توجه غالبية الجهات المسلحة للدخول في العملية السياسية ويبدو أنها تريد التخلي عن سلاحها تدريجياً".
فارس حرّام: الحزب الذي لديه سلاح يكون صوته أعلى في المفاوضات على مناصب ومكاسب ما بعد الانتخابات
وقال الخبير بالشأن العراقي أحمد النعيمي إن "النتائج ستدفع جميع الأطراف إلى استعجال التحاور والتفاهم لتشكيل الحكومة أو اختيار رئيس الجمهورية والبرلمان الجديدين". وأضاف النعيمي، لـ"العربي الجديد"، أن "عوامل الضغط الخارجي والفاعلين الإيراني والأميركي ستكون مؤثرة للغاية، لكن التقارب الحالي بين القوى الشيعية، التي جرى العرف السياسي أنها هي التي تشكل الحكومات، يجعل من فكرة التوافق بينها أمراً لا بد منه، وبطريقة لا غالب ولا مغلوب"، معرباً عن توقعه بأن يُعاد تشكيل الإطار التنسيقي مجدداً والذهاب لتقديم مرشح واحد، لكنه أشار إلى صعوبة بالغة تنتظر رئيس الحكومة محمد شياع السوداني، الساعي إلى ولاية ثانية، في ظل رفض المالكي والخزعلي المعلن لهذا الخيار.
تهنئة أميركية
وهنأ مبعوث الرئيس الأميركي الى العراق، مارك سافيا، بنجاح الانتخابات البرلمانية، واصفاً اياها بالخطوة المهمة لتعزيز الديمقراطية والاستقرار في البلاد. وعبر سافيا، في بيان أمس الخميس، عن تقدير بلاده للجهود الكبيرة التي بذلها العراقيون في إنجاز العملية الانتخابية، مشدداً على أن "الولايات المتحدة تبقى ملتزمة بشكل قوي بدعم سيادة العراق وجهود الإصلاح، والحد من التدخلات الخارجية والمجاميع المسلحة، ونتطلع للعمل مع الحكومة الجديدة لتعميق شراكتنا الاستراتيجية في مجالات الأمن والطاقة والتنمية، والمساهمة في بناء مستقبل مستقر ومزدهر لكل العراقيين". وسبق أن تحدث سافيا عن عراق "خالٍ من الفصائل المسلحة"، وأن "مصالح الشعب العراقي والمنطقة تعتمد على عراق كامل السيادة، وخال من التدخّل الخارجي الخبيث، بما فيه من إيران ووكلائها، ومكرّس لخدمة مواطنيه والعيش بسلام مع جيرانه".
إلى ذلك، دعا مجلس القضاء الأعلى في العراق، في بيان، الفائزين بالانتخابات الى الإسراع في تشكيل الحكومة الجديدة وفق السقوف الزمنية الدستورية، مؤكداً "ضرورة الإسراع بإجراء الحوارات والتفاهمات اللازمة من أجل تشكيل السلطتين التشريعية والتنفيذية، ضمن السقوف الزمنية الدستورية المحددة".