برقا.. قرية فلسطينية تتقلص أرضها تحت وطأة الاستيطان

02 سبتمبر 2026   |  آخر تحديث: 16:30 (توقيت القدس)
خلال منع الاحتلال مزارعين من قطف الزيتون في برقا، 20 أكتوبر 2024 (عصام الريماوي/الأناضول)
+ الخط -
اظهر الملخص
- تشهد قرية برقا تصعيداً في اعتداءات المستوطنين، مما يعقد حركة السكان ويقيد وصولهم إلى أراضيهم الزراعية المحاطة ببؤر استيطانية وحاجز عسكري، مما يضيق الخناق على الأهالي.

- تواجه القرية تحديات اقتصادية كبيرة بسبب القيود على الأراضي الزراعية، مما يؤثر على تربية المواشي والوصول إلى مصادر المياه، ويحد من التوسع العمراني في المناطق المصنفة "ج"، مما يزيد الأعباء المادية.

- تتعرض برقا لاعتداءات يومية من المستوطنين والجيش، مما يضطر الأهالي للسهر خوفاً من الهجمات، ويعكس تواطؤاً بين المستوطنين والجيش، مما يفاقم الضغوط الاقتصادية والاجتماعية.

هاجم مستوطنون، فجر اليوم الأربعاء، منازل فلسطينيين في قرية برقا، شرقي رام الله، وسط الضفة الغربية المحتلة، ضمن اعتداءات متواصلة على مدى الأيام الماضية، حيث تشهد القرية تصعيداً في اعتداءات المستوطنين على ممتلكات الفلسطينيين وأراضيهم. وتزداد حركة السكان في القرية تعقيداً وتقييداً، إذ تحيط ببرقا سبع بؤر استيطانية وشارع استيطاني وحاجز عسكري، في مسار يضيّق الخناق على الأهالي ويقوّض قدرتهم على البقاء والوصول إلى أراضيهم، التي لم يتبقَ منها سوى مئات الدونمات فقط بفعل الإجراءات العسكرية وسياسة الاستيطان، التي تمهّد لفرض واقع يدفعهم إلى الرحيل.

ولا تعبّر المسافات في قرية برقا عن حقيقة الواقع، فهي تبعد عن مدينة رام الله جغرافياً قرابة ستة كيلومترات، فيما لا ينسى أهلها التذكير بأنهم كانوا لا يحتاجون لأكثر من خمس دقائق للوصول إلى المدينة، واليوم يحتاجون لقرابة 45 دقيقة. ومنذ انتفاضة الأقصى الثانية (2000-2005) قبل 26 عاماً، أغلق جيش الاحتلال طريق قرية برقا إلى رام الله، وحوّلها إلى قرية معزولة. وتدريجياً طوّرت السلطات الإسرائيلية أساليب عزل القرية، وصولاً إلى نشر سبع بؤر استيطانية فيها وفي محيطها، ابتلعت أراضي زراعية ومناطق ينابيع المياه التاريخية وكهوفاً.

قرية زراعية محاصرة

تُعرف برقا بأنها قرية زراعية، وتشتهر بالزيتون واللوز وتربية المواشي، فيما يعتمد أهلها اقتصادياً، إلى جانب الزراعة، على الوظائف والأعمال المهنية. تحتل برقا مكانتها من موقعها، فهي قريبة من القدس المحتلة ومن رام الله، حيث يصف رئيس مجلسها القروي صايل كنعان ذلك الموقع بـ"الحساس" لتوسطها المدينتين.

صايل كنعان: يفكر الاحتلال بتهجير قرية برقا أو تفريغ أكبر قدر من سكانها

ويؤكد كنعان في حديث مع "العربي الجديد"، أن مساحة أراضي القرية تصل إلى قرابة 14 ألف دونم، حيث تتصل بقرية مخماس في قضاء القدس من الجهة الشرقية، وبدير دبوان وبيتين في قضاء رام الله من الجهة الشمالية، وكفر عقب المقدسية من الجهة الجنوبية، ومدينة البيرة من الجهة الغربية. كذلك تحيط بالقرية مستوطنتا "كوخاف يعقوب" من الجنوب الغربي، و"بساغوت" من الغرب، إلى جانب شارع 60 الالتفافي الاستيطاني من الجهة الشمالية الشرقية، والذي يُعدّ من الشوارع المهمة للمستوطنين في الضفة الغربية. ويقول كنعان إن "تفكير الاحتلال بضم هذه المنطقة من شارع 60 وصولاً إلى القدس جنوباً، سيعني أيضاً تفكيره بتهجير هذه القرية، أو تفريغ أكبر قدر من سكانها عبر الضغط عليهم بكافة الطرق".

تقليص مساحة الأرض

تشتهر القرية بأشجار الزيتون واللوز، التي لا يستطيع الأهالي الوصول إليها وقطفها في ظل الواقع على الأرض، وفق الناشط الفلسطيني ليث بركات، الذي يوضح في حديث لـ"العربي الجديد"، أنه منذ العدوان الإسرائيلي في السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2023، تقلصت المساحة التي يستطيع الأهالي الوصول إليها. ويبيّن بركات أنه في موسم قطف الزيتون عام 2023 وصل الأهالي إلى "مسافة تبعد عن المنازل ما بين 100 و150 متراً، وفي عام 2024 لم يتجاوز المزارعون مسافة 100 متر، أما العام الماضي فتقلصت المسافة إلى 50 متراً"، آملاً أن يحدث تغير في العام الحالي مع اقتراب موسم الزيتون (عادة في أكتوبر من كل عام)، لكنه لا يرى مؤشرات إلى ذلك.

ليث بركات: اعتداءات المستوطنين تصل إلى المنازل وحظائر الأغنام وكذلك متنزه القرية

من جهة أخرى، يقول بركات إن اعتداءات المستوطنين لا تتوقف، ولا يكاد يوم يخلو منها، سواء باستفزاز المزارعين أو الهجوم عليهم في حال وصولهم إلى أراضيهم، أو باستهداف مربي المواشي ومنعهم من الرعي، "ما أدى إلى تقلص أعداد المواشي من قرابة ألفي رأس قبل عام 2023 إلى ألف تقريباً"، ويشير إلى أن تلك الاعتداءات تصل إلى المنازل وحظائر الأغنام، وكذلك متنزه القرية، الذي أقام المستوطنون قربه بؤرة استيطانية قبل أسبوع تقريباً.

وترتفع برقا عن سطح البحر قرابة 730 متراً، ويبلغ عدد سكانها، وفق تقديرات جهاز الإحصاء المركزي الفلسطيني، 2400 نسمة. وفي أراضيها عدد من عيون المياه التاريخية التي جف جزء منها قديماً، لكنها جميعها، وفق بركات، خاضعة لسيطرة المستوطنين، أو تقع في الأراضي التي لا يستطيع الأهالي الوصول إليها، وذلك ينطبق على عدد من الكهوف القديمة.

جدران الاحتلال الشفافة حول برقا

وسبق أن وصفت منظمة بتسيلم الحقوقية (مركز المعلومات الإسرائيلي لحقوق الإنسان في الأراضي المحتلة)، في تقرير عام 2014، الحصار الذي يُفرض على برقا بـ"جدران الاحتلال الشفافة"، فهي غير محاطة بجدار فاصل إسمنتي أو على شكل أسلاك شائكة، كما في كثير من القرى والبلدات الفلسطينية. لكن أهالي برقا، وفق رئيس المجلس القروي صايل كنعان، لا يستطيعون التحرك في أكثر من 10% من مساحة أراضيها الواسعة، بفعل البؤر الاستيطانية السبع في محيطها، والتي تُضاف إلى المستوطنات الرسمية. آخر تلك البؤر أُقيمت خلال شهر أغسطس/آب الماضي، بهدف ربط المستوطنات والبؤر الأخرى بعضها ببعض، وإكمال "الجدار الشفاف" حول القرية من كل الجهات، إضافة إلى شارع 60 الذي يحاصرها هو أيضاً. ويستخدم المستوطنون البؤر الاستيطانية نقاط مراقبة لأهالي القرية لمنعهم من التحرك في أراضيهم، ولتنفيذ الهجمات المتكررة.

ويكتمل الحصار بوجود مدخل واحد للقرية من جهة دير دبوان إلى الشمال الشرقي، رغم أن الطريق الطبيعي للقرية يتجه نحو مدينتي البيرة ورام الله غرباً. ورغم أن شارع 60 يفصل برقا عن دير دبوان، فإن الطريق الحالي يحتاج إلى مرور الفلسطينيين عبر سلسلة قرى حين ينطلقون من رام الله وصولاً إلى دير دبوان، أي عملياً اجتياز شارع 60، ومن ثم العودة من دير دبوان إلى برقا عبر نفق تحت الشارع ذاته، مع غياب طريق آخر. ويُعدّ هذا المدخل تحت الشارع مكاناً للتنكيل بالأهالي عبر حاجز عسكري شبه دائم.

تبادل أدوار

ويقول الناشط ليث بركات إن "قرية برقا تشهد خلال الأيام الماضية تصعيداً في اعتداءات المستوطنين بشكل يومي، نتجت عنها عدة إصابات، وسط تضييق متواصل على حركة الأهالي ووصولهم إلى أراضيهم". ورغم أن قوات الاحتلال هدمت، اليوم الأربعاء، بؤرتين استيطانيتين أقيمتا أخيراً على أراضي برقا، إلا أن المستوطنين عادوا إلى موقعيهما فور انسحاب جيش الاحتلال، بحسب بركات، وشرعوا بتنفيذ اعتداءات. ويؤكد بركات أن هناك تكراراً لعمليات إزالة البؤر ثم عودة المستوطنين إليها، ما يمثل "تواطؤاً من جيش الاحتلال مع المستوطنين"، مشيراً إلى أن هذه المحاولة هي الثالثة لإزالتهما.

ويشدد بركات على أن البؤر الاستيطانية التي باتت تحاصر القرية هدفها سلب أراضي برقا، التي تبلغ نحو 12 ألف دونم، بينما الأهالي البالغ عددهم نحو ثلاثة آلاف نسمة، لم يعودوا قادرين على استخدام سوى قرابة 500 دونم، تقع في محيط المنازل. وفي الآونة الأخيرة أصبح المستوطنون، كما يصف رئيس المجلس القروي، يتبادلون الأدوار مع جيش الاحتلال على شكل دوريات، ما يضطر الأهالي للسهر حتى الصباح خوفاً من هجوم متوقع في كل لحظة، مؤكداً أن جيش الاحتلال يخضع لأوامر المستوطنين بعمل دوريات داخل القرية، بادعاء خوفهم من استهدافهم.

فضاء عمراني محدود

تعاني القرية من تضييق متنوع، مثل منع البناء في المنطقة المصنفة "ج" وفق اتفاقية أوسلو (خاضعة لسلطة أمنية وإدارية ومدنية إسرائيلية)، ما يحد من إمكانية التوسّع العُمراني، إلى جانب الضغط باستهداف الخدمات الأساسية، مثل مصادرة جرار زراعي مع عربة كان يستخدمها المجلس القروي لجمع النفايات، واستهداف مركبات نضح المياه العادمة. وسيؤدي ذلك إلى مزيد من الأعباء المادية على الأهالي، لأن المجلس القروي سيضطر لعمل اتفاقيات مع مجلس الخدمات المشترك للنفايات لاستخدام مركباته، وكذلك الاتفاق مع محطة تكرير البيرة لضخ المياه العادمة عبر مركبة النضح.

ويصل الضغط إلى الواقع الاقتصادي، إذ يقول بركات إن "اعتماد الأهالي على الزراعة والعمالة والوظيفة وتربية المواشي لم يجعل أياً منهم دون تأثر، فالموظف والعامل يضطران لقطع مسافة طويلة ودفع مزيد من التكاليف في ظل وضع اقتصادي سيئ". ويضيف أن "مربي المواشي اضطروا لبيع جزء من مواشيهم ليستطيعوا شراء الطعام للباقي في ظل وقف الرعي بشكل كامل، فيما فقد المزارعون القدرة على الوصول إلى أراضيهم".