ترامب يفرض سلطته على مدن الديمقراطيين: واشنطن ثاني المستهدفين
استمع إلى الملخص
- تخطط وزارة الدفاع لإنشاء "قوة رد فعل" عسكرية للاضطرابات المدنية، تتألف من 600 جندي من الحرس الوطني، متمركزين في ألاباما وأريزونا، مع تكاليف تصل لمئات الملايين.
- العلاقة بين ترامب وعمدة واشنطن موريل بوزر متوترة، حيث يسعى ترامب للسيطرة على مدن ديمقراطية رغم انخفاض الجريمة، بينما تحاول بوزر الحفاظ على التمويل الفيدرالي.
جاء إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الاثنين الماضي، عن وضع إدارة الشرطة في واشنطن العاصمة تحت السلطة الفيدرالية، ونشر قوات الحرس الوطني، مستنداً في ذلك إلى قانون الحكم الذاتي الذي ينظم إدارة المدينة، بمثابة تصعيد جديد ضد إدارة ديمقراطية إضافية بعد تصعيده ضد مدينة لوس أنجليس بولاية كاليفورنيا في يونيو/حزيران الماضي، حيث نشر الحرس الوطني وقتها لمواجهة المهاجرين غير النظاميين.
وذكرت صحيفة واشنطن بوست، أمس الثلاثاء، أن وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) تخطط لإنشاء "قوة رد فعل" عسكرية للاضطرابات المدنية. وأشارت الصحيفة إلى أن الوثائق التي اطلعت عليها تكشف عن مهمة جديدة للحرس الوطني، إذا تم تبنيها، وهي تتطلب مئات الجنود ليكونوا جاهزين على مدار الساعة. وقالت الصحيفة إن وثائق داخلية للبنتاغون اطلعت عليها كشفت أن إدارة ترامب تقوم بدرس خطط من شأنها إنشاء "قوة رد فعل سريع للاضطرابات المدنية المحلية"، تتألف من مئات من عناصر الحرس الوطني المكلفين الانتشار بشكل سريع في المدن الأميركية التي تواجه احتجاجات أو اضطرابات. وأظهرت الوثائق أن الخطة تدعو إلى أن يكون 600 جندي على أهبة الاستعداد في جميع الأوقات حتى يتمكنوا من الانتشار في أقل من ساعة واحدة، وسيتم تقسيمهم إلى مجموعتين، يتمركزون في قواعد عسكرية في ألاباما وأريزونا.
كما أظهرت أن تكاليف مثل هذه القوة، إذا تم اعتماد الاقتراح، يمكن أن تصل إلى مئات الملايين من الدولارات إذا طلب أيضاً من الطائرات العسكرية وأطقمها أن تكون جاهزة على مدار الساعة، موضحة أن نقل القوات عبر شركات الطيران التجارية سيكون أقل تكلفة. وتحتوي الوثائق على نقاش مكثف حول الآثار المجتمعية المحتملة لإنشاء مثل هذا البرنامج، وقد تم تجميعها من قبل مسؤولي الحرس الوطني في أواخر يوليو/تموز وأوائل أغسطس/آب الحالي. وجاء في الوثائق أن السنة المالية 2027 هي أقرب وقت يمكن فيه إنشاء هذا البرنامج وتمويله من خلال الميزانية التقليدية للبنتاغون، من دون توضيح، بحسب "واشنطن بوست"، إذا كانت البرنامج يمكن أن يبدأ في وقت أقرب من خلال مصدر تمويل بديل.
وفي حين أن معظم قيادات الحرس الوطني لديها فرق استجابة سريعة لاستخدامها داخل ولاياتهم الأصلية، فإن الاقتراح قيد التقييم من قبل إدارة ترامب سيستلزم نقل القوات من ولاية إلى أخرى. ويمكن حشد قوات الحرس الوطني لتنفيذ المهام الفيدرالية داخل الولايات المتحدة تحت سلطتين رئيسيتين. الأولى، بموجب البند 10 الذي يضع القوات تحت إشراف الرئيس، حيث يمكنهم دعم نشاط إنفاذ القانون من دون القيام باعتقالات أو تحقيقات، والثاني البند 32، وهو مساعدة الولاية، حيث يتم التحكم في القوات من قبل حاكمها ولكن يتم تمويلها فيدرالياً. كما أنه يتيح مزيداً من الحرية للمشاركة في مهام إنفاذ القانون. وسيسمح الاقتراح الذي يتم درسه الآن للرئيس بتعبئة القوات، ونشرها في ولاية تعاني من اضطرابات بناء على البند الثاني. وتقر الوثائق باحتمال حدوث احتكاك سياسي إذا رفض الحاكم العمل مع البنتاغون.
وأعلن ترامب أنه سيُفرض حظر تجوال طارئ في بعض مناطق واشنطن، وأنها "ستكون نظيفة وآمنة سريعاً"، بينما كانت التظاهرات تجوب الشوارع رافعة شعارات: "حرروا واشنطن"، و"لا للدولة البوليسية"، و"لا للفاشية"، مؤكدين أن معدل الجريمة في العاصمة بلغ أدنى مستوياته منذ 30 عاماً، وأن القرار يضر بالمجتمع ولا يستهدف معالجة مشكلات المقاطعة الفعلية.
العلاقة بين ترامب وعمدة واشنطن
وكانت العلاقة بين ترامب وعمدة واشنطن موريل بوزر متوترة في ولايته الأولى (2017-2021)، خاصة بعدما قررت إنشاء ساحة "حياة السود مهمة" مع تصاعد الاحتجاجات إثر موجة غضب في البلاد من مقتل الأميركي من أصول أفريقية جورج فلويد على يد رجال شرطة بيض في 2020، وتمددها إلى 140 مدينة في أنحاء الولايات المتحدة. وأزعجت التظاهرات وقتها ترامب، مع وصفها بأنها أكبر اعتصام مدني خلال ولايته الأولى. وطلب ترامب آنذاك توفير 10 آلاف من الحرس الوطني والجيش ونشرهم في شوارع العاصمة واشنطن لمواجهة المتظاهرين، غير أن وزير الدفاع آنذاك مارك إسبر ورئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال مارك ميلي رفضا طلبه وأمرا بإرسال 1600 جندي فقط، مع وضعهم في حالة استنفار دون نشرهم في الشوارع. وذكر إسبر في كتاب، نشره لاحقاً، أن ترامب طلب إطلاق الرصاص على المتظاهرين.
تعلم ترامب الدرس جيداً في ولايته الثانية، فاختار مسؤولين يدينون له بالولاء التام وينفذون أوامره دون مناقشة. وظهر ترامب الاثنين الماضي، وإلى جانبه وزير الدفاع بيل هيغسيث، وهو يعلن وضع شرطة واشنطن تحت السيطرة الفيدرالية المباشرة، فيما أعلن وزير الدفاع استعداده لنشر قوات الجيش في العاصمة. استخدم ترامب حجة رائجة لدى أنصاره عن انتشار العنف في العاصمة، ووصم واشنطن بأنها تضم "مجرمين متعطشين للدماء" و"شباباً متوحشين". وأضاف ترامب: "سنتخلص من العشوائيات أيضاً"، معتبراً أن الولايات المتحدة لن تفقد مدنها وأن واشنطن مجرد بداية. وانتشر بالفعل المئات من الضباط والأفراد من أكثر من 12 جهازاً اتحادياً، من بينها مكتب التحقيقات الاتحادي وإدارة الهجرة والجمارك وإدارة مكافحة المخدرات ومكتب الكحول والتبغ والأسلحة النارية والمتفجرات، في المدينة خلال الأيام القليلة الماضية. يشار إلى أن الرئيس يتمتع بسلطة واسعة على أفراد الحرس الوطني بالعاصمة، وعددهم 2700 عنصر على عكس الوضع في الولايات، حيث يحظى حكامها عادة بسلطة نشر القوات. ويُحظر على الجيش الأميركي عموماً بموجب القانون المشاركة بشكل مباشر في أنشطة إنفاذ القانون المحلية.
أفيني أفانس: قرار ترامب يعني أن المقاطعة لم تعد لديها سيطرة محلية على قسم الشرطة
وأعلن هيغسيث، في مقابلة مع قناة فوكس نيوز مساء الاثنين الماضي، أن 800 عنصر في الحرس الوطني سيبدأون في الانتشار في شوارع العاصمة خلال أيام، فإنه أوضح أن مهمتهم ستكون دعم قوات الشرطة "ستدعمها لضمان قدرتها على اتخاذ الإجراءات اللازمة لحماية مواطني العاصمة"، مشيراً إلى أنه يمكن للقوات أن تبقى في العاصمة لأسابيع أو أشهر ، لكنه أكد أن "الأمر يعود للرئيس". وقال مسؤول في البيت الأبيض لموقع أكسيوس، أمس الاثنين، إنه "سيتم نشر الحرس الوطني لحماية الأصول الفيدرالية، وتوفير بيئة آمنة لضباط إنفاذ القانون لإجراء الاعتقالات وردع الجرائم العنيفة من خلال وجود مرئي لإنفاذ القانون". وكشف أنه من المتوقع أن تستمر العملية في العاصمة 30 يوماً، لكن مسؤولاً آخر في البيت الأبيض قال إن هذا عرضة للتغيير". يشار إلى أنه بموجب القانون يمكن للرئيس تولي شرطة العاصمة لمدة تصل إلى 30 يوماً.
لا تعد العاصمة واشنطن أكثر المدن الأميركية في معدل الجريمة، حيث إن أكثر المدن ذات أعلى معدلات جرائم القتل تقع في ولايات يقودها جمهوريون وهي ممفيس وسانت لويس ونيو أورليانز، لكن ترامب يحقق رغبته بالسيطرة على مدن الولايات الديمقراطية، حيث بدأها قبل أسابيع عندما نشر نحو 500 جندي من الحرس الوطني في لوس أنجليس، وهدد في مؤتمره الصحافي أول من أمس بتوسيع سيطرته لتشمل مدناً أخرى من بينها شيكاغو ونيويورك إذا لم تتم معالجة موضوع معدلات الجريمة التي وصفها بأنها "خارجة عن السيطرة".
رضخت عمدة المقاطعة موريل بوزر للقرار، مثلما تفعل في الغالب منذ بداية الفترة الرئاسية الثانية لترامب. وقالت، في بيان أول من أمس: "نحن ندفع الضرائب ولا نسيطر على الحرس الوطني في العاصمة وليس لدينا أعضاء في مجلس الشيوخ. سنتبع القانون ونعمل مع المسؤولين الفيدراليين ونواصل العمل للحفاظ على العاصمة آمنة وجميلة وأفضل مدينة في العالم".
وعملت بوزر على مدار الأشهر الماضية على أن تتسم علاقتها مع إدارة ترامب بالكثير من المرونة، وذكرت أنها ترحب بالتعاون مع الوكالات الفيدرالية لمكافحة الجريمة، في محاولة منها للحفاظ على التمويل الفيدرالي، ولم تدخل حتى هذه اللحظة في صدام علني مع ترامب، مثلما فعلت في ولايته الأولى. في المقابل، كان ترامب رفض استدعاء الحرس الوطني لمنع أنصاره من اقتحام الكونغرس الأميركي في 6 يناير/ كانون الثاني 2021، أثناء محاولتهم منع التصديق على انتخابات 2020 التي خسرها.
وواشنطن العاصمة ليست ولاية (بعكس تلك التي تحمل الاسم نفسه في شمال غرب الولايات المتحدة)، ولا يوجد لها ممثل في مجلس الشيوخ، بينما تملك تمثيلاً رمزياً استشارياً لممثل واحد في مجلس النواب دون حق التصويت، ولهذا اتخذت شعارها الرسمي: "ندفع الضرائب من دون تمثيل". ولم يكن لها الحق في التصويت في انتخابات الرئاسة إلا مع التصديق على التعديل الـ23 للدستور في العام 1961، والذي سمح لها بالتصويت، لكنها تملك أقل تمثيل بين كل الولايات الأخرى (3 أعضاء). وهي تصوت بأغلبية تفوق 90% للديمقراطيين في انتخابات الرئاسة، وقد دعمت في الانتخابات الماضية كامالا هاريس.
وللعاصمة الأميركية واشنطن (مقاطعة كولومبيا)، وضع خاص، حيث وافق الكونغرس الأميركي في العام 1790 على إنشاء عاصمة وطنية لا تتبع أياً من الولايات. وأنشئت مقاطعة كولومبيا بين ولايتي ماريلاند وفيرجينيا، ويديرها العمدة، غير أن للكونغرس سلطة عليا عليها ويمكنه إلغاء القوانين المحلية، ما يجعل سكانها يتمتعون بصلاحيات أقل من الحكم الذاتي. ويبلغ عدد سكانها نحو 700 ألف شخص، 46.4% منهم من أصول أفريقية، و11.3% من أصل لاتيني، و4.4% من أصول آسيوية. وكان الجمهوريون والديمقراطيون أهملوا العمل على تطوير العاصمة حتى ستينيات القرن الماضي، عندما تم إقرار حق سكانها التصويت في الانتخابات الرئاسية، وهي منذ ذلك الوقت تصوت للديمقراطيين. وساهم عدم وجود ممثلين لها في مجلسي الشيوخ والنواب في إهمال تنمية المدينة، وعدم زيادة التمويل المالي بشكل يتساوى مع كونها العاصمة، ما أدى لانتشار ظاهرة الأحياء الفقيرة.
رفض تحويل واشنطن لولاية
وحاول الديمقراطيون منذ أكثر من ربع قرن تحويلها إلى ولاية لكنهم فشلوا في ذلك، إذ إن الجمهوريين يعترضون لأسباب سياسية تتعلق بالتصويت الذي يتجه بأغلبية ساحقة للديمقراطيين في انتخابات الرئاسة. وعارض ترامب في ولايته الأولى هذه المطالب، قائلاً، رداً على سؤال: "لن تكون العاصمة أبداً دولة... تقصد مقاطعة كولومبيا، ولاية؟ لماذا؟ لذلك يمكن أن يكون لدينا عضوان آخران من الديمقراطيين في مجلس الشيوخ وخمسة أعضاء آخرين في الكونغرس؟ لا شكراً لك. لن يحدث هذا أبداً". وعلى مدار الأشهر السبعة الماضية انتقد ترامب الظروف المعيشية في المدينة، واعداً، في منشور على منصته "تروث سوشيال" الأحد الماضي، بمكافحة المتشردين، مطالباً إياهم بمغادرة العاصمة فوراً. وكتب: "سنوفر لكم أماكن للإقامة، ولكن بعيداً عن العاصمة". في المقابل تظهر بيانات إدارة شرطة العاصمة أن جرائم العنف بلغت أدنى مستوى لها منذ 30 عاماً، وأن معدل التشرد انخفض بنسبة 9% من يناير/كانون الثاني 2024 إلى يناير 2025.
شاي: حلول ترامب تركز على الأعراض بدل معالجة جذور المشكلات
لم يعلن ترامب أو إدارته كيف سيتم توفير أماكن للمشردين والمواقع التي سيتم نقلهم إليها، وما هي التكلفة، لكن تصريحاته في المؤتمر الصحافي كانت مفاجئة، حيث أعلن أنه سيتم فرض حظر التجوال في بعض المناطق، ما أثار القلق في أوساط السكان والمدافعين عن حقوق المشردين والمنظمات الخيرية في المقاطعة. وقال رالف بويد رئيس منظمة "حتى يأكل الآخرون"، في بيان أول من أمس، إن نقل الناس من مجتمعاتهم لا يحل المشكلة وإنما سيزيدها سوءا، لأن الأشخاص بلا مأوى حالياً على بعد خطوات من الأماكن التي يمكنها تقديم مساعدة لهم.
من جانبها، انتقدت أفيني أفانس عضو تحالف "الميزانية العادلة"، وهي منظمة غير ربحية تدعو إلى ميزانية عادلة للعاصمة واشنطن وتحسين الأوضاع وإعطاء الأولوية للعدالة العرقية، قرار ترامب الذي وصفته بـ"السيئ للغاية". وقالت، في تصريحات لـ"العربي الجديد"، إن "قرار ترامب بإضفاء الطابع الفيدرالي على إدارة شرطة العاصمة يعني أن المقاطعة لم تعد لديها سيطرة محلية على قسم الشرطة، لكنه ليس مفاجئاً". وأشارت إلى أن محاولة عمدة المقاطعة موريل بوزر على مدار الأشهر الماضية الحفاظ على منصبها ومهادنة الجمهوريين دفعها للتنازل عن أجزاء من سلطتها، واضعة قرارها إزالة ساحة "حياة السود مهمة" في إطار محاولتها إرضاء ترامب.
انخفاض معدلات الجريمة
ورفضت أفيني ما طرحه ترامب عن المقاطعة. وقالت إن معدلات "الجريمة في الواقع انخفضت، ولا يمكن حل المشكلات من خلال العنف والسيطرة الأمنية. الجريمة مشكلة اجتماعية اقتصادية. فإذا كانوا بالفعل يهتمون بمشكلات الفقر بالمدينة، فعليهم حل مشكلات تمويل الإسكان والائتمان الضريبي للأطفال (تقديم مساعدة مالية للأهالي) والتعليم والرعاية الصحية". وأشارت إلى طرد 27 ألف شخص من الرعاية الصحية خلال الأشهر الماضية بسبب نقص التمويل، معتبرة أن تهديد ترامب بحظر التجوال في بعض المناطق، إشارة إلى كيفية التصعيد للوصول إلى نظام استبدادي كامل. واعتبرت أن "الفقر خيار سياسي تم تشريعه من قبل مجلس العاصمة من خلال عدم الاهتمام بالتعليم والتنمية".
من جانبها، قالت شاي عضو حركة "دي سي حرة" (Free DC)، لـ"العربي الجديد"، إن حلول ترامب "غير عملية على الإطلاق" وتركز على الأعراض بدل معالجة جذور المشكلات، مضيفة: "عندما تحارب الفقر، عليك معالجة أسبابه الجذرية، مثل ضعف الوصول إلى الموارد أو ضعف التعليم".