تساؤلات ليبية حول صمت القاهرة وأنقرة تجاه اتفاق 4+4

02 سبتمبر 2026   |  آخر تحديث: 04:12 (توقيت القدس)
من التوقيع على الاتفاق، طرابلس، 30 أغسطس 2026 (إكس)
+ الخط -
اظهر الملخص
- اتفاق 4+4 يهدف إلى توحيد مؤسسات الدولة الليبية وإجراء الانتخابات، وقد لاقى ترحيباً دولياً سريعاً من دول أوروبية وأمريكا، بينما أثار الصمت الإقليمي من دول مثل مصر وتركيا تساؤلات حول قبولها للاتفاق.

- في الداخل الليبي، أيدت حكومة الوحدة الوطنية وقيادة بنغازي الاتفاق، بينما رفضه المجلس الأعلى للدولة وتحفظ عليه المجلس الرئاسي، وغابت المواقف الرسمية من الدول العربية والإقليمية.

- يواجه الاتفاق تحديات كبيرة مثل تنفيذ الانتخابات وتوحيد السلطة التنفيذية، مع تساؤلات حول قدرته على تحقيق الشرعية السياسية في ظل الاعتراضات المحلية والدعم الدولي الواسع.

فتح التوقيع على اتفاق 4+4 فصلاً جديداً في المسار السياسي الليبي، لكنه ترك في المشهد الخارجي مفارقة لافتة تمثلت في ترحيب أوروبي سريع في مقابل صمت إقليمي من عواصم طالما كان حضورها ثقيلاً في تفاصيل الأزمة الليبية، وفي مقدمتها القاهرة وأنقرة.

ويأتي هذا الصمت في لحظة يمس فيها اتفاق 4+4 جوهر الصراع، لا سيما توحيد مؤسسات الدولة، وصولاً إلى إجراء الانتخابات، ما طرح سؤالاً يتجاوز حول ما إذا كان يعكس تحفظاً على ما تم التوصل إليه، أم تفضيلاً للانتظار حتى تتضح فرص الاتفاق في اجتياز عراقيل الداخل الليبي.

وجاء الترحيب الدولي سريعاً، إذ أصدرت تسع دول، ثمان أوروبية، هي فرنسا وإيطاليا وألمانيا واليونان وهولندا وإسبانيا وسويسرا وبريطانيا، إلى جانب أميركا، بياناً مشتركاً بعد إعلان البعثة الأممية، في 24 أغسطس/آب الماضي، أن أعضاء لجنة 4+4 وقعوا "بالأحرف الأولى" على "مسودة الاتفاق"، رحبوا فيه بالاتفاق وحثوا "جميع الجهات الفاعلة الليبية على دعم هذا الاتفاق والعمل في سبيل تنفيذه". وبعد التوقيع النهائي، يوم الأحد الماضي، أصدرت بعثة الاتحاد الأوروبي لدى ليبيا بياناً رحبت فيه بالاتفاق، ودعت مجلسي النواب والدولة وجميع المؤسسات الليبية المعنية "إلى التفاعل الإيجابي" مع الاتفاق "واتخاذ الخطوات اللازمة لتنفيذه دون تأخير"، واغتنام هذه الفرصة للبناء على التقدم المحرز وتبني التوافق لدفع البلاد نحو استعادة الشرعية والوحدة المؤسسية.

لا موقف عربياً وإقليمياً من اتفاق 4+4

في المقابل، لم يصدر حتى الآن موقف رسمي معلن من أي من الدول العربية والإقليمية تجاه الاتفاق النهائي، رغم ما يتضمنه من استحقاقات سياسية وانتخابية، وذلك بالمقارنة مع الحضور الواضح لهذه الدول في مواقف سابقة من كل خطوات العملية السياسية الليبية. وفي الداخل الليبي، لم يأت الترحيب بشأن اتفاق 4+4 موحداً، إذ اقتصر الموقف المؤيد الواضح على طرفي الاتفاق، رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة في طرابلس وقائد "القيادة العامة" خليفة حفتر ونجلاه صدام وبلقاسم في بنغازي، فيما جاء موقف المجلس الأعلى للدولة رافضاً، وموقف المجلس الرئاسي متحفظاً، بينما ظل موقف رئاسة مجلس النواب غامضاً، إذ رحبت بالمبادرات السياسية شريطة أن تمر عبر المؤسسات التشريعية وتلتزم بالإطار الدستوري والقانوني، في حين صدر بيان وقعه 103 من أعضاء مجلس النواب رحبوا فيه باتفاق 4+4.
وعلى الرغم من عدم الإجماع الليبي حيال الاتفاق، إلا أن صدوره لوحده، لا سيما في قضايا الانتخابات وتوحيد المؤسسات لإنهاء الانقسام، كان كفيلاً باستدعاء مواقف دولية وإقليمية وازنة، خصوصاً من جانب مصر وتركيا اللتين كانتا حتى أسابيع قليلة حاضرتين بكثافة في المشهد الليبي. فقد دعت القاهرة الدبيبة إلى زيارتها بعد سنوات من الفتور، والتقاه الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي نهاية يوليو/تموز الماضي، قبل أن يستقبل السيسي، بعد نحو أسبوعين، خليفة حفتر. وفي الغضون، أجرى وزير الخارجية التركي هاكان فيدان زيارة إلى ليبيا يومي 12 و13 من الشهر الماضي، التقى خلالها الدبيبة في طرابلس، قبل أن يتوجه إلى بنغازي للقاء حفتر، في زيارة مثلت أول وصول لشخصية تركية رسمية رفيعة إلى المدينة.

وحملت التحركات المصرية والتركية الأخيرة مؤشرات على الانفتاح واتساع التواصل مع طرفي المشهد الليبي، إذ تركزت اللقاءات على قضايا من بينها الحفاظ على وحدة ليبيا، ودعم مؤسسات الدولة، وتهيئة الظروف اللازمة لاستكمال العملية السياسية وإنهاء المرحلة الانتقالية. ولذا يبدو غياب أي موقف معلن من القاهرة وأنقرة تجاه اتفاق 4+4 أكثر لفتاً للانتباه، فالبلدان كانا حاضرين في المشهد الليبي حتى وقت قريب، في وقت جاء فيه الاتفاق في لحظة مفصلية في المسار السياسي الليبي ليضع ترتيبات جديدة للانتخابات وتوحيد المؤسسات المنقسمة.

اتفاق 4+4 أقصى الشعب الليبي

ولفت الكاتب الصحافي الليبي، عبد الله الكبير، الى أنه قبل الحديث عن الخارج يجب الحديث عن الاتفاق نفسه وجدواه حتى يمكننا القول إنه يحظى بالترحيب من عدمه، معتبراً أن الإشكال الحقيقي في اتفاق 4+4 أنه "أقصى الشعب الليبي وحصر رسم معالم المرحلة المقبلة في سلطات الأمر الواقع شرقاً وغرباً". ورأى الكبير، في حديث لـ"العربي الجديد"، أن البعثة الأممية أعطت بعداً دولياً وإقليمياً للاتفاق، وهو ما سيكون ساحة الاختلاف، عندما اشترطت وجوب اعتماده من مجلسي النواب والدولة، وإلا فستلجأ البعثة الى آليات بديلة لاعتماده، ومنها اعتماده من مجلس الأمن، لكنه رأى أن ذلك "ربما يكون أصعب من نيله من مجلسي النواب والدولة، لأن القوى الدولية الكبرى في حالة صراع الآن".


عبد الله الكبير: الإشكال الحقيقي في اتفاق لجنة 4+4 أنه حصر رسم معالم المرحلة المقبلة في سلطات الأمر الواقع شرقاً وغرباً


واعتبر الكبير أن الترحيب المتزامن من طرفي السلطة في طرابلس وبنغازي يعكس تفاهمات تتصل باستمرار الوضع القائم لعامين إضافيين، من دون ضمانات حقيقية لتنفيذ ما يتعلق بالانتخابات أو التوحيد الفعلي للسلطة التنفيذية، مع استمرار الضغوط المحلية والدولية على الطرفين لإنجاز التغيير السياسي عبر الانتخابات. وتابع: "الحاصل هو الاتفاق على الاستمرار لمدة عامين مع تعليق جزرة الانتخابات التي لن يقضمها أحد".

ومن جانبه، اعتبر أستاذ العلاقات الدولية إلياس الباروني أن أهمية الأسئلة التي يطرحها توقيع اتفاق 4+4 تتجاوز ما إذا كانت اللجنة قد نجحت في التوصل إلى تفاهم، إلى البحث في مدى امتلاك الاتفاق "البيئة الإقليمية والدولية والمحلية التي تسمح له بأن يتحول من تفاهم بين مجموعة من الفاعلين إلى مسار سياسي قابل للتنفيذ". واعتبر  أستاذ العلاقات الدولي الليبي، في حديث لـ"العربي الجديد"، أن وصف الموقف المصري والتركي بـ"الغياب" يحتاج إلى قدر من الدقة، بالنظر إلى أن البلدين من أكثر الأطراف الإقليمية تأثيراً في الملف الليبي، مشيراً إلى مؤشرات حديثة على تنسيق مصري – تركي بشأن ليبيا.

القاهرة وأنقرة تنتظران نتائج الاتفاق

ورأى أن السؤال الأهم هو لماذا اختارت القاهرة وأنقرة عدم منح الاتفاق "إعلاناً سياسياً مبكراً"، مرجحاً أن يكون ذلك مرتبطاً بانتظار نتائج الاتفاق واختبار قدرته على التحول إلى ترتيبات سياسية ومؤسسية قابلة للتنفيذ. وأضاف أن الصمت الإقليمي قد يعكس أيضاً أن اتفاق لجنة 4+4 "يمس توازنات لم تُحسم إقليمياً بعد"، إذ إن أي صيغة جديدة لإعادة تشكيل السلطة الليبية ستثير أسئلة لدى القوى الإقليمية حول كيفية توزيع النفوذ بين الشرق والغرب، وشكل السلطة التنفيذية المقبلة، والترتيبات الأمنية، وموقع المؤسسة العسكرية، وتوزيع المناصب السيادية.


إلياس الباروني: التقاطع بين لجنة 4+4 والمسار الأميركي يستحق مراقبة دقيقة


وفي مقابل ذلك، رأى الباروني أن الترحيب الأوروبي يبدو أكثر ارتباطاً بالنتائج التي يمكن أن يحققها اتفاق لجنة 4+4 في ملفات توحيد المؤسسات وإجراء الانتخابات والاستقرار الأمني، بينما تنظر القوى الإقليمية إلى سؤال مختلف يتعلق بمن ستكون له اليد العليا داخل المؤسسات الموحدة. وأوضح أن "الفجوة بين الترحيب الأوروبي والتحفظ الإقليمي" قد تظهر تحديداً عند الانتقال من الاتفاق إلى ترتيبات تنفيذه. ورأى الباروني أن التقاطع بين لجنة 4+4 والمسار الأميركي، الذي قاده مستشار الرئيس الأميركي للشؤون الأفريقية والعربية مسعد بولس في الأشهر الماضية، "يستحق مراقبة دقيقة"، خصوصاً مع التقارب في الأهداف والتوقيت والشخصيات المشاركة، لكن دون الجزم بأن البعثة الأممية تبنت المبادرة الأميركية.

وفي هذا السياق طرح الباروني احتمالين، أولهما أن "يكون مجرد تقاطع بين مسارين أميركي وأممي"، وثانيهما أن تكون المبادرة الأميركية "أصبحت جزءا من المسار الأممي، بما يحولها من مبادرة أميركية إلى مسار أممي – دولي". وخلص إلى أن السؤال الأهم هو: "هل استوعبت الأمم المتحدة المبادرة الأميركية، أم أن واشنطن نجحت في إعادة توجيه المسار الأممي؟". ونشر بولس، تدوينة على حسابه بمنصة إكس أول من أمس الاثنين، اعتبر فيها أن توقيع اتفاق لجنة 4+4 يمثل "خطوة مشجعة إلى الأمام في العملية السياسية في ليبيا"، مضيفاً: "الآن حان الوقت للبناء على هذا الزخم، والمضي قدماً في تنفيذ ما جرى الاتفاق عليه، وإحراز مزيد من التقدم نحو إجراء انتخابات وطنية، وتوحيد مؤسسات الدولة، وبناء ليبيا مستقرة ومزدهرة".

ورأى الباروني أن الحكم على الاتفاق لن يكون من خلال التوقيع أو البيانات المرحبة به، وإنما من خلال قدرته على الوصول إلى انتخابات فعلية، محذراً من أن تتحول لجنة 4+4 "من جسر إلى الانتخابات إلى بديل عنها، بحيث يصبح الاتفاق نفسه تسوية نهائية بدلاً من أن يكون مرحلة انتقالية تقود إلى انتخابات حقيقية".

ووضع الباروني الاعتراض المحلي في صدارة الاختبارات المقبلة، معتبراً أن الاتفاق، مهما كان الدعم الدولي الذي يحظى به، لا يستطيع إنتاج شرعية سياسية إذا شعرت مؤسسات ليبية أساسية بأنه جرى تجاوزها. وأشار إلى أن ليبيا قد تجد نفسها أمام مفارقة اتفاق يحظى بدعم دولي واسع، لكنه يواجه اعتراضاً محلياً، بما يمنحه شرعية دولية من دون أن يضمن له القبول السياسي الداخلي، معتبراً أن التحفظ الإقليمي ربما يتصل بهذا البعد المتمثل في غياب التوافق الليبي الكامل.