تمدد الخط الأصفر بغزة... الاحتلال يوسع المناطق غير القابلة للحياة

10 يناير 2026   |  آخر تحديث: 04:03 (توقيت القدس)
مكعب أصفر بمدينة غزة، 21 نوفمبر 2025 (سعيد جرس/الأناضول)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- توسعة الخط الأصفر: الاحتلال الإسرائيلي يسعى لتوسعة الخط الأصفر في غزة، مستهدفًا تدمير البنية التحتية وزيادة السيطرة على الأراضي من 53% إلى أكثر من 60%، في خرق لاتفاق وقف إطلاق النار.

- مشروع "رفح الخضراء": الحديث عن تقسيم القطاع إلى منطقتين، مع استمرار القصف والقتل الميداني للفلسطينيين، مما يثير تساؤلات حول طبيعة المشروع.

- تكريس واقع جديد: الاحتلال يهدف لتفريغ نصف مساحة غزة من السكان وتحويلها إلى مناطق غير قابلة للحياة، مستخدمًا مشاريع مثل "رفح الخضراء" لتثبيت وقائع ميدانية تخدم خطته.

يسابق الاحتلال الإسرائيلي الزمن لتوسعة الخط الأصفر في قطاع غزة، وتدمير ما تبقى من بنية تحتية لم تُدمّر خلال حرب الإبادة التي طاولت الفلسطينيين بين السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 و10 أكتوبر 2025. وتُنفّذ الآليات الإسرائيلية يومياً عمليات تجريف وتدمير في المناطق القريبة من الخط الأصفر عبر تفجير مربعات سكنية ومنازل شبه مدمرة في تلك المناطق، فيما لا تكاد تتوقف أصوات الانفجارات يومياً.

وبالتوازي مع ذلك، عاد الحديث بقوة عن مشروع "رفح الخضراء" والإعمار في الشق الشرقي من رفح جنوب القطاع، بشكل يخالف اتفاق وقف إطلاق النار وشكل المرحلة الثانية منه، والذي نص على عمليات انسحاب كامل وتولي إدارة جديدة للقطاع وإعادة الإعمار. ويشكل هذا المشروع شكلاً مغايراً عن الخطة المصرية المحددة لإعادة الإعمار، حيث سيسهم في تحويل القطاع إلى منطقتين، واحدة تصنف على أنها خضراء ينقل إليها عدد محدود من السكان، ويخضعون للسيطرة والتحكم الإسرائيلي، والثانية هي الواقعة في المناطق الغربية التي يزعم الاحتلال خضوعها لسيطرة حركة حماس. علاوة على ذلك تستمر عمليات القصف والاستهداف في تلك المناطق، حيث تُسجّل يومياً عمليات قتل ميدانية للفلسطينيين، فيما يزعم الاحتلال أنهم كوادر في "حماس" لتبرير عمليات الاستهداف.

توسعة الخط الأصفر

خرق الاحتلال اتفاق وقف إطلاق النار عشرات المرات منذ أكتوبر الماضي، وعمل على توسعة الخط الأصفر، حيث ارتفعت نسبة الأراضي التي يسيطر عليها، خلال الأسابيع الثلاثة الماضية، من 53% إلى أكثر من 60%، حيث تعمل تلك القوات على تحريك الكتل الأسمنتية الصفراء التي تحدّد بداية الخط الأصفر والتي يمنع على الفلسطينيين تجاوزها، وفقاً لمركز غزة لحقوق الإنسان.


مصطفى إبراهيم: التصعيد يرتبط جزئياً بما يُتداول حول مشاريع مثل رفح الخضراء


وقبل أيام أعلن رئيس أركان الجيش الإسرائيلي، إيال زامير، أن الخط الأصفر يُمثّل "الخط الأمني الجديد" أو "حداً أمنياً متقدماً" لإسرائيل داخل قطاع غزة، في تأكيد واضح على سعي الاحتلال لتحويل هذا الخط إلى واقع أمني دائم، وفرضه بالقوة المسلحة، في تعارض مباشر مع جوهر اتفاق وقف إطلاق النار. ورغم زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى الولايات المتحدة ولقائه بالرئيس الأميركي دونالد ترامب، نهاية الشهر الماضي، إلا أن مصير المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار يبدو مجهولاً حتى اللحظة، في ظل المماطلة الإسرائيلية، وربط ذلك بتسليم آخر جثة متبقية لدى "حماس" ونزع سلاح الحركة بشكل كامل.

سياسة إسرائيلية

وقال الكاتب والمحلل السياسي مصطفى إبراهيم إن تسارع العمليات العسكرية الإسرائيلية يجري ضمن السياق ذاته الذي اعتمده الاحتلال قبل توقيع اتفاق وقف إطلاق النار، مشيراً إلى أن ما يطرأ من تصعيد في بعض المناطق، ولا سيما شرق خانيونس وشرق رفح ومدينة غزة، يعكس استمرار النهج العسكري نفسه، مع تفاوت في مستوى الشراسة وحدّتها من منطقة إلى أخرى. وأوضح إبراهيم، لـ"العربي الجديد"، أن هذا التصعيد يرتبط جزئياً بما يُتداول حول مشاريع مثل "رفح الخضراء" أو تقسيم المناطق إلى خضراء وحمراء، إلا أنه في جوهره يأتي امتداداً لسياسة الاحتلال القائمة على تدمير ما تبقى من البنية التحتية في القطاع بذريعة البحث عن الأنفاق. واعتبر أن الحديث عن "رفح الخضراء" يظل غامضاً، خصوصاً فيما يتعلق بطبيعة ما سيُقام في رفح، وما إذا كان إعماراً فعلياً أم مجرد مناطق مؤقتة من الكرفانات والخيام، على غرار ما سُمّي سابقاً بـ"مدينة الخيام".

وأشار إبراهيم إلى أن هذه التطورات تعكس النيات الإسرائيلية والأميركية معاً، في ظل حالة من الغموض ما زالت تكتنف حتى مخرجات اللقاء الذي جمع نتنياهو وترامب، لافتاً إلى أن نتنياهو يسعى لاستكمال مشروعه القائم على نزع السلاح، ويربط هذا الملف بكل المسارات السياسية والإنسانية، وهو ما كرّره ترامب في أكثر من مناسبة. وأشار إلى أنه في المقابل ثمة نقاشات أخرى تتعلق بمجلس السلام، وهيئة الاستقرار، وحكومة التكنوقراط، إضافة إلى فكرة نشر قوة متعددة الجنسيات، إلا أن هذا المسار يواجه عرقلة واضحة، سواء بسبب تراجع بعض الدول عن المشاركة في القوة، أو الرفض الإسرائيلي القاطع لأي دور لأنقرة، في مقابل رغبة أميركية بوجود تركيا، في ظل العلاقة الوثيقة بين ترامب والرئيس التركي رجب طيب أردوغان، والدور الذي لعبته أنقرة في الملف السوري، بما يشبه مقايضات سياسية غير معلنة.

وبيّن إبراهيم أن دولاً عربية، لا سيما مصر وقطر وتركيا، تحاول صياغة مقاربة تقوم على الجمع بين تشكيل حكومة تكنوقراط تتولى الإسناد المدني، وبين التعامل مع ملف نزع السلاح كعملية طويلة الأمد قد تمتد لسنوات، وهو ما جرى بحثه في مشاورات مع المبعوثين الأميركيين، ويتقاطع مع ما طرحته حركة حماس حول حكومة وفاق وطني. وكانت هيئة البث الإسرائيلية "كان" قد نقلت، الثلاثاء الماضي، عن نتنياهو، ربطه إعادة فتح معبر رفح بإعادة جثة الأسير الإسرائيلي الأخير ران غويلي من قطاع غزة، مشيراً إلى أن "إسرائيل تعتزم تحديد مهلة لحماس بشأن مسألة نزع السلاح".

تكريس واقع جديد


أحمد الطناني: السلوك الإسرائيلي يكشف سعيه لتكريس واقع جديد في القطاع


بدوره، اعتبر مدير مركز عروبة للأبحاث والدراسات أحمد الطناني أن السلوك الإسرائيلي على الأرض يكشف بوضوح عن سعيه لتكريس واقع جديد في القطاع، يقوم على تفريغ ما يقارب نصف مساحته من السكان، وتحويلها إلى مناطق غير قابلة للحياة، مع الإبقاء على أجزاء واسعة تحت السيطرة النارية والعسكرية المباشرة، حتى دون انسحاب فعلي، سواء بضغط دولي أو أميركي. وقال الطناني، لـ"العربي الجديد"، إن ما يجري من تدمير شامل وممنهج للبنية العمرانية والحضارية في هذه المناطق يشكّل حسماً عملياً لإمكانية عودة الحياة إليها في المدى القريب، ويعني فعلياً تقليص مساحة القطاع إلى أقل من نصفه. وأضاف أن هذا النهج يؤكد أن الاحتلال لا يتعامل مع اتفاق وقف إطلاق النار باعتباره مدخلاً حقيقياً لوقف العدوان، بل بوصفه مساحة جديدة لإعادة إنتاج أشكال مختلفة من العدوان المستمر على سكان غزة.

وأشار الطناني إلى أن الاحتلال ينتقي من الاتفاق "نسخته الخاصة" التي تخدم أهدافه الاستراتيجية، وفي جوهرها دفع سكان القطاع نحو الإفراغ القسري، والبحث عن أماكن أخرى تتوافر فيها أبسط مقومات الحياة، بعد عملية التدمير المتواصلة. ولفت إلى أن إعادة طرح مشاريع، مثل "رفح الخضراء" أو الحديث عن إعمار محدود في الشق الشرقي لرفح، لا تعدو كونها أدوات لاستنزاف الضغط الدولي، ووسيلة لكسب الوقت من أجل تثبيت وقائع ميدانية بعيدة المدى تخدم الخطة الإسرائيلية الهادفة إلى تحييد قطاع غزة ديمغرافياً ووطنياً على المدى الطويل. وأكد أن هذه الطروحات تفتقر لأي أفق تطبيقي حقيقي، إذ لا يمكن عملياً ولا أخلاقياً تقسيم سكان القطاع إلى "مقبولين" و"غير مقبولين"، أو تحديد من يُسمح له بالذهاب إلى مناطق بعينها ومن يُمنع، معتبراً أن الاحتلال يدرك استحالة تنفيذ هذه التصورات، لكنه يستخدمها كغطاء سياسي لإطالة أمد فرض الوقائع على الأرض.

المساهمون