تهديدات روسية حادة لألمانيا: قد تنهار صناعتكم لو تدخلتم في أوكرانيا

10 مايو 2026   |  آخر تحديث: 18:00 (توقيت القدس)
ميدفيديف في قصر الكرملين بموسكو، 21 مارس 2023 (Getty)
+ الخط -
اظهر الملخص
- حذر دميتري ميدفيديف من تدخل عسكري ألماني في أوكرانيا، مشيراً إلى خطر انهيار الصناعة الألمانية وتدمير الحضارة الأوروبية، ولوّح بخطر الحرب النووية.
- قوبلت تصريحاته برفض في أوروبا الغربية، حيث اعتبرتها الحكومات جزءاً من "الحرب النفسية" الروسية، بينما زادت دول أوروبا الشرقية والبلطيق الإنفاق الدفاعي لمواجهة "العدوانية الروسية".
- في الدول الإسكندنافية، تتداخل المخاوف الأمنية مع قضايا القطب الشمالي، حيث يسعى ميدفيديف لاختبار تماسك التحالف الغربي عبر استغلال التناقضات الاقتصادية والسياسية.

في تصعيد جديد للخطاب الروسي تجاه الغرب، أطلق نائب رئيس مجلس الأمن الروسي والرئيس السابق دميتري ميدفيديف تحذيراً شديد اللهجة من أن أي تدخل عسكري ألماني مباشر في الحرب الأوكرانية قد يقود إلى "انهيار الصناعة الألمانية" و"تدمير الحضارة الأوروبية". وجاءت تصريحاته، في مقال نشره يوم الخميس عبر وسائل إعلام روسية رسمية، بينها "روسيا اليوم"، تحت عنوان: "إعادة عسكرة ألمانيا الجديدة: إحياء للروح أم نزعة انتقامية صريحة؟"، بالتزامن مع احتفالات موسكو بـ"يوم النصر"، في إشارة رمزية تستحضر ذاكرة الحرب العالمية الثانية والصدام التاريخي مع ألمانيا.

وشنّ ميدفيديف هجوماً حاداً على برلين، مشككاً حتى في شرعية ألمانيا الموحّدة، معتبراً أن اتفاقية "اثنان زائد أربعة" الخاصة بتوحيد البلاد عام 1990 أصبحت "باطلة"، وأضاف "الوحدة الألمانية جرت من دون استفتاء شعبي"، كما اتهم الحكومة الألمانية بإحياء النزعة العسكرية والسير نحو مواجهة مباشرة مع موسكو، منتقداً سياسات التسلح وإنشاء مقر عسكري بحري في مدينة روستوك.

ولوّح المسؤول الروسي مجدّداً بخطر الحرب، محذراً من أن أي سعي ألماني محتمل لامتلاك أسلحة نووية قد يشكل سبباً مباشراً للصدام مع روسيا، مضيفاً أنّ أي مواجهة تقليدية "ستنتهي بتدمير كامل لألمانيا".

ميدفيديف، الذي كان يُنظر إليه سابقاً كأحد الوجوه "الإصلاحية" داخل الكرملين، تحول منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا إلى أحد أكثر الأصوات الروسية تشدّداً، مع تصاعد تهديداته المتكرّرة للغرب وعواصم أوروبية مثل برلين وباريس ولندن.

ولم يقتصر خطاب ميدفيديف على التحذير العسكري التقليدي، بل تجاوز ذلك إلى ما يشبه "الهندسة النفسية" للرأي العام الأوروبي، بحسب ما قرأت وسائل إعلام أوروبية، فالرجل حاول تصوير ألمانيا كدولة تنزلق نحو مواجهة مدمرة مع روسيا، وحذر من أن أي انخراط عسكري مباشر سيحوّلها إلى هدف أولي، بما يعنيه ذلك من تدمير سريع للبنية الصناعية والاقتصادية وشلل واسع داخل الدولة الألمانية.

وبدا واضحاً أن الرسالة لم تكن موجهة إلى برلين وحدها، بل إلى مجمل العواصم الأوروبية، عبر التلويح بأن استمرار الدعم العسكري لكييف قد يتحول إلى تهديد "وجودي" للقارة بأكملها، وسعى ميدفيديف إلى نقل الصراع من مستواه السياسي والعسكري إلى مستوى يمس استقرار الدول الأوروبية وبقاءها الاقتصادي والاجتماعي.

كما ركزت صحف ألمانية على استخدامه مقارنات مرتبطة بالحرب العالمية الثانية واتهامات بـ"إحياء النزعة النازية"، معتبرة أن موسكو توظف الذاكرة التاريخية لتبرير التصعيد أمام الداخل الروسي والضغط على برلين أوروبياً. في المقابل، رفض خبراء قانون ودستوريون ألمان مزاعمه بشأن "عدم شرعية الوحدة الألمانية"، مؤكدين أن إعادة التوحيد عام 1990 جرت وفق إجراءات دستورية وبرلمانية معترف بها دولياً.

أوروبا الغربية: رفض رسمي وقلق اقتصادي متصاعد

في ألمانيا وفرنسا، قوبلت التصريحات الروسية برفض رسمي، إذ اعتبرتها الحكومات الأوروبية جزءاً من "الحرب النفسية" التي تشنّها موسكو منذ بداية الحرب الأوكرانية، إلّا أن النقاش الداخلي في أوروبا الغربية يكشف صورة أكثر تعقيداً، مع تصاعد المخاوف المرتبطة بارتفاع تكاليف الطاقة والتضخم وتباطؤ الاقتصاد واستمرار الإنفاق العسكري الضخم لدعم كييف.

وفي هذا السياق، تجد السردية الروسية مساحة للتأثير داخل قطاعات من الرأي العام الأوروبي المتعب من الحرب وتداعياتها الاقتصادية، خاصة مع تزايد الأسئلة حول حدود الاستمرار في الدعم العسكري والمالي لأوكرانيا. ورغم ذلك، تؤكد برلين أن التهديدات الروسية لن تغيّر التزاماتها داخل حلف شمال الأطلسي (ناتو)، وأن الردع الجماعي للحلف يبقى الضمان الأساسي لأمن أوروبا في مواجهة موسكو.

أوروبا الشرقية والبلطيق: التهديد الروسي دليلاً إضافياً

على النقيض تماماً، تعاملت دول أوروبا الشرقية والبلطيق مع تصريحات ميدفيديف باعتبارها دليلاً إضافياً على "العدوانية الروسية"، لا سبباً للتراجع أو الخوف. ففي بولندا ودول البلطيق، مثل لاتفيا وليتوانيا وإستونيا، تحولت التهديدات الروسية إلى عامل تعبئة سياسية وعسكرية يبرر زيادة الإنفاق الدفاعي وتعزيز الوجود العسكري للناتو على الجبهة الشرقية.

وترى هذه الدول أن أي تراجع أوروبي في دعم أوكرانيا لن يؤدي إلى خفض التوتر، بل سيشجع موسكو على مزيد من التصعيد. ولهذا يتصاعد داخلها خطاب "الردع المتقدم"، القائم على نشر قوات دائمة وتعزيز البنية العسكرية للحلف قرب الحدود الروسية.

الدنمارك والقطب الشمالي: مخاوف تتجاوز أوكرانيا

وفي الدول الإسكندنافية، وتحديداً الدنمارك، يأخذ المشهد أبعاداً أكثر تعقيداً. فإلى جانب التهديد الروسي العام، تتداخل الاعتبارات الأمنية مع ملفات استراتيجية مرتبطة بالقطب الشمالي وغرينلاند، وسط قلق متزايد من إعادة تشكيل موازين القوى في المنطقة.

وتخشى كوبنهاغن من أن تؤدي الحرب في أوكرانيا إلى إعادة توزيع الأولويات الأميركية داخل "ناتو"، بما قد يضعف الاهتمام الأمني بالمنطقة القطبية. ولهذا تدفع الدنمارك باتجاه مقاربة مزدوجة تقوم على تعزيز التزامها بالحلف الأطلسي، وفي الوقت نفسه توسيع هامش الاستقلالية الدفاعية الأوروبية، خصوصاً في الملفات المرتبطة بأمن الشمال الأوروبي.

ويرى مراقبون أن خطاب ميدفيديف لا يستهدف الردع العسكري فحسب، بل يسعى أيضاً إلى اختبار تماسك التحالف الغربي عبر استغلال التناقضات الاقتصادية والسياسية بين دوله. فبينما تُستخدم المخاوف من الانهيار الاقتصادي في أوروبا الغربية لتغذية "التردّد السياسي"، تتحول التهديدات نفسها في أوروبا الشرقية إلى مبرّر لمزيد من التسلح والتشدد.

وبدا حجم التصدع داخل الموقف الأوروبي أكثر وضوحاً بعد الانتقادات الواسعة التي طاولت رئيس الوزراء السلوفاكي روبرت فيكو إثر مشاركته أمس في العرض العسكري بموسكو بمناسبة "يوم النصر"، في خطوة اعتبرتها عواصم أوروبية عدّة خروجاً عن الإجماع الغربي تجاه روسيا.

وفي المحصلة، يبدو أن مقال ميدفيديف يتجاوز كونه مجرد تحذير سياسي عابر، ليشكل جزءاً من معركة أوسع لإعادة تشكيل الوعي الاستراتيجي الأوروبي. فبينما تسعى موسكو إلى دفع أوروبا نحو مراجعة حساباتها عبر لغة التهديد والتخويف، تحاول العواصم الأوروبية الحفاظ على توازن دقيق بين تعزيز الردع العسكري ومنع الانزلاق نحو مزيد من الانقسام الداخلي. ويبقى السؤال مفتوحاً: هل تنجح هذه الرسائل الروسية في إضعاف الوحدة الغربية، أم أنها ستؤدي، على العكس، إلى تعزيزها تحت ضغط الخوف المشترك من اتساع الحرب؟