جهود دولية وإقليمية لحل معضلات جنوبي سورية وشرقيها

14 اغسطس 2025   |  آخر تحديث: 07:21 (توقيت القدس)
توقيع الاتفاق الأمني بين غولر وأبو قصرة في أنقرة، 13 أغسطس 2025 (الأناضول)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- يشهد الوضع في سورية حراكًا إقليميًا ودوليًا مكثفًا لمعالجة قضايا معقدة مثل أزمة السويداء ومستقبل "قوات سوريا الديمقراطية"، مع تزايد اللقاءات بين مسؤولين سوريين وإقليميين ودوليين.
- استضافت عمّان اجتماعًا ثلاثيًا بين الأردن وسورية والولايات المتحدة، بينما وقعت أنقرة اتفاقية تعاون عسكري مع سورية، في محاولة لاحتواء الأزمة بعد التدخل الإسرائيلي في السويداء.
- تواجه سورية تحديات من التهديدات الإسرائيلية والضغوط الدولية، مع التركيز على الحوار السوري كحل لتجاوز الاستعصاء السياسي وتحقيق الاستقرار.

يتسارع الحراك الإقليمي والدولي حول سورية بهدف معالجة ملفات شائكة عدة، أبرزها أزمة محافظة السويداء جنوبي البلاد، ومستقبل "قوات سوريا الديمقراطية" (قسد)، وهو ما ترجم بتكثيف اللقاءات في عواصم عدة بين مسؤولين سوريين وإقليميين ودوليين. ورغم تعدد اللقاءات، فإن هذا المشهد يكشف عن حجم الانخراط الخارجي على حساب الحوار السوري - السوري، باعتباره المسار الأقدر على صياغة حلول محلية متوافق عليها من أبناء البلاد أنفسهم، قادرة على الصمود وإرساء تشاركية سياسية ومصالحة وطنية حقيقية.

تشكيل مجموعة عمل

واستضافت العاصمة الأردنية عمّان، أول من أمس الثلاثاء، اجتماعاً أردنياً سورياً أميركياً، حضره وزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي ونظيره السوري أسعد الشيباني والمبعوث الأميركي إلى سورية توم برّاك، وذلك لبحث الأوضاع في سورية و"سبل دعم عملية إعادة بنائها على الأسس التي تضمن أمنها واستقرارها وسيادتها ووحدتها وعدم التدخل في شؤونها، وتلبي طموحات شعبها وتحفظ حقوق كل السوريين"، بحسب بيان مشترك إثر الاجتماع، نشرته وزارة الخارجية السورية.

تمّ توقيع اتفاقية تعاون عسكري بين وزارتي الدفاع في سورية وتركيا

وأكّد المجتمعون في البيان على أن "محافظة السويداء بكل مجتمعاتها المحلية جزء أصيل من الجمهورية العربية السورية، محمية ومحفوظة حقوق أبنائها في مسيرة إعادة بناء سورية الجديدة نحو مستقبل منجز آمن لكل مواطني الدولة السورية، وبما يضمن تمثيلهم وإشراكهم في بناء مستقبل سورية". وبحسب البيان، رحبت المملكة والولايات المتحدة بخطوات الحكومة السورية بما فيها: "إجراء التحقيقات الكاملة ومحاسبة كافة مرتكبي الجرائم والانتهاكات في محافظة السويداء، إضافة إلى استعدادها للتعاون مع هيئات الأمم المتحدة المعنية وإشراكها بمسار التحقيق بالجرائم والانتهاكات التي ارتكبت، زيادة دخول المساعدات الإنسانية لجميع المناطق في محافظة السويداء وتعزيز تدفقها، بما يشمل التعاون مع وكالات الأمم المتحدة المعنية، تكثيف عمل المؤسسات الخدمية لاستعادة الخدمات التي تعطلت جراء الأحداث في المحافظة، بدء عمليات إعادة تأهيل المناطق التي تضررت من الأحداث التي شهدتها المحافظة". كما رحبت واشنطن وعمّان بـ"إسهامات المجتمع الدولي المستهدفة تلك الجهود، وإسناد الحكومة السورية في جهود عودة النازحين لمناطقهم"، إلى جانب "الشروع بمسار المصالحات المجتمعية في محافظة السويداء، وتعزيز السلم الأهلي". واتفقت الأطراف الثلاثة على عقد اجتماع آخر في الأسابيع المقبلة، لاستكمال المداولات التي جرت، إضافة إلى الاستجابة لطلب الحكومة السورية تشكيل مجموعة عمل ثلاثية تستهدف إسنادها في جهودها لتثبيت وقف إطلاق النار في محافظة السويداء وإنهاء الأزمة فيها.

وتلا هذا الاجتماع بيوم، زيارة لم يعلن عنها سابقاً، أجراها وزيرا الخارجية أسعد الشيباني والدفاع مرهف أبو قصرة، ورئيس جهاز الاستخبارات حسن سلامة، أمس الأربعاء، إلى العاصمة التركية أنقرة، لإجراء محادثات مع الجانب التركي، وذلك بعد أيام قليلة فقط من زيارة أجراها وزير الخارجية التركي هاكان فيدان إلى دمشق (يوم الخميس الماضي) اجتمع خلالها مع الرئيس السوري أحمد الشرع.

وتخلل الزيارة أمس توقيع وزارتي الدفاع في سورية وتركيا اتفاقية تعاون عسكري مشترك بين البلدين، تهدف إلى تعزيز قدرات الجيش السوري، وتطوير مؤسساته، وهيكليته، ودعم عملية إصلاح قطاع الأمن بشكل شامل، وفق ما ذكرت وكالة الأنباء السورية "سانا" أمس.

وقال الشيباني، خلال مؤتمر صحافي مشترك مع فيدان: "نواجه اليوم تحديات جديدة لا تقل خطورة عن تلك التي واجهناها خلال سنوات الحرب، وفي مقدمتها التهديدات الإسرائيلية المتكررة التي تمثل انتهاكاً واضحاً للسيادة السورية من خلال غارات تستهدف البنية التحتية وتعرض أمن المواطنين للخطر، رغم إطلاقنا لمحادثات تهدف إلى حفظ الأمن والاستقرار في المنطقة". وتابع: "كما نواجه تدخلات خارجية متعددة بعضها مباشر وبعضها غير مباشر، تسعى إلى إضعاف الدولة السورية وإلى خلق وقائع تقسيم هشّة، في محاولة لدفع البلاد نحو فتنة طائفية ومناطقية، لكن نعول على وعي شعبنا الذي كان وسيبقى واحداً مهما حاول البعض تفتيته أو تمزيق وحدته الوطنية".

وقال الشيباني إن "السويداء مدينة سورية وحماية أهلها مسؤولية الدولة"، مبيناً أن ما حدث في السويداء "أمر مفتعل من قبل إسرائيل لبث الفتنة الطائفية"، داعياً إلى "دعم المسار التصالحي الذي يؤمن السلم المجتمعي ويحافظ على رمزية السويداء بعداً تاريخياً ووطنياً من تاريخ سورية"، مشدّداً على أن "الدولة السورية ملتزمة بمحاسبة جميع مرتكبي الانتهاكات التي حصلت في السويداء".

وائل علوان: الحراك الإقليمي والدولي النشط يهدف إلى احتواء الأزمة التي أحدثها التدخل الإسرائيلي في سورية بعد أحداث السويداء

من جهة أخرى، أكد الشيباني أن المؤتمر الذي حدث في الحسكة يوم الجمعة الماضي (عقدته مكونات من شمال وشرق البلاد ودعا إلى إنشاء دولة لا مركزية) لا يمثل الشعب السوري ولا يمثل الغالبية العظمى من النخب العشائرية والدينية ولا حتى النخب الكردية، حيث جاء محاولة يائسة لاستغلال ما يحدث في السويداء، كما أنه انتهاك للاتفاق الذي وقع في 10 مارس/آذار الماضي (بين الشرع وقائد "قسد" مظلوم عبدي).

تقاطع حول ضرورة استقرار سورية

من جهته، أكد وزير الخارجية التركي أن "هناك مساعيَ إسرائيلية من أجل إضعاف سورية وخلق أجواء من الفوضى فيها وهذا مرفوض"، محذراً "قسد" من المماطلة بتنفيذ الاتفاقية مع دمشق. وصعّد وزير الخارجية التركي من نبرة الحديث عن التدخلات الخارجية في سورية، مؤكداً أن "هناك أطرافاً تسعى إلى افتعال الأزمات للحكم الجديد، ولكن يجب الجميع أن يدعم هذه المرحلة، كما يجب حماية حقوق الدروز والعلويين كما أن الأكراد يجب عدم إنكار هويتهم". ورداً على سؤال حول تصرفات "قسد"، أجاب فيدان أن "هناك تصريحات عديدة نجد أنها متباينة مع بنود اتفاق مارس، ولديهم تصريحات تتحدث عن عدم التزامهم بها، ولا يهمهم ما يجري في تركيا من مرحلة خالية من الإرهاب (في إشارة إلى قرار حزب العمال الكردستاني التخلي عن سلاحه)". وأضاف: "أقول لهم، هل يهمكم تحولكم إلى أداة لإسرائيل؟ يجب التخلي عن هذه الاستراتيجية. كيف ذلك؟ ستأتي دولة لتحميكم".

وكان موقع أكسيوس، قد نقل أول من أمس، عن مسؤول أميركي ومسؤولين إسرائيليين، أن باريس ستستضيف، الأسبوع المقبل، اجتماعاً ثلاثياً يجمع برّاك ووزير الشؤون الاستراتيجية الإسرائيلي رون ديرمر والشيباني، لبحث تطورات الأوضاع في السويداء. وقالت مصادر أكسيوس، إن "إدارة (الرئيس الأميركي دونالد) ترامب تحاول الوساطة بين إسرائيل وسورية من أجل التوصل إلى اتفاق لإقامة ممر إنساني بين إسرائيل ومدينة السويداء، من أجل نقل مساعدات للمواطنين الدروز". غير أن مصدراً حكومياً سورياً أبلغ تلفزيون "العربي" أن الأخبار المتداولة عن لقاء سوري إسرائيلي في باريس عارية عن الصحة.

ورأى الباحث في مركز جسور للدراسات وائل علوان، في حديث لـ"العربي الجديد"، أن الحراك الإقليمي والدولي النشط حالياً يهدف إلى احتواء الأزمة التي أحدثها التدخل الإسرائيلي في سورية بعد أحداث السويداء وترتيب الأوضاع في المحافظة بعد اتفاق وقف النار. وأضاف أن القوى الإقليمية وعلى رأسها السعودية وتركيا، والدولية وعلى رأسها الولايات المتحدة، جادّون في دعم الاستقرار السياسي والأمني، وبالتالي الدخول من بوابة الاستثمارات والإنعاش الاقتصادي في سورية، ليس حبّاً بالحكومة السورية الجديدة، وفق تعبيره، وإنما لمصالح متقاطعة تحتاج إلى بيئة استقرار حقيقية في المنطقة. وأكد علوان أن استقرار سورية هو جزء من هذا المشهد. وأشار الباحث إلى أن اجتماعي عمّان وأنقرة وما سيلحقهما من اجتماعات، تهدف إلى إيجاد تنسيق عال جداً ما بين الحكومة السورية وضامني وقف إطلاق النار مع إسرائيل وهما الأردن وتركيا. وهذا التنسيق برأيه، سيساهم ليس في حل أزمة السويداء فقط، وإنما حلّ أزمة شمال شرقي سورية.

واللافت في التحركات السياسية الأخيرة في سورية هو زيارة وفد من "الإدارة الذاتية" لشمال شرقي سورية أول من أمس، دمشق، وعقد اجتماع مع الحكومة السورية، ضمّ رئيسة دائرة العلاقات الخارجية إلهام أحمد، التي عقدت اجتماعاً مع الشيباني، تلاه بيان صدر عن "الإدارة الذاتية" أكدت فيه استعدادها للمشاركة في تنفيذ القرار الأممي 2254، والمشاركة في تشكيل هيئة حكم انتقالي، مطالبة بوقف العمليات العسكرية وصياغة دستور توافقي جديد.

أمجد الغريب: دون حلول توافقية ستبقى حالة الاستعصاء

وتزامنت هذه الاجتماعات مع تصعيد عسكري على الأرض بين الجيش السوري و"قسد"، عقب مؤتمر الحسكة الذي أغضب الحكومة السورية. ويوم أول من أمس، اتهمت وزارة الدفاع السورية، مجموعتين تابعتين لـ"قسد" بالتسلّل إلى نقاط انتشار الجيش السوري شرق حلب (منطقة تل ماعز)، ما أسفر عن اندلاع اشتباكات بين الطرفين ومقتل جندي سوري، وهو ما نفته "قسد".

ورأى الباحث السياسي، درويش خليفة، أن طبيعة المرحلة فرضت ضرورة تحرك إقليمي - دولي لمعالجة الأزمات التي عادت لتعصف ببنية المجتمع والدولة السورية، نتيجة الاضطرابات الأمنية التي خلّفت شروخاً مجتمعية بين بعض المكوّنات والسلطات السورية، عقب أحداث الساحل وجرمانا وصحنايا، ثم السويداء، التي دفعت بالأوضاع إلى طريق شبه مسدود بفعل التدخل الإسرائيلي وأقلمة ملف السويداء. وأضاف خليفة في حديث لـ"العربي الجديد" أن شرق البلاد يشهد بالتوازي توتراً مضبوطاً بموجب اتفاق 10 مارس برعاية أميركية ومتابعة فرنسية. واعتبر أنه انطلاقاً من هذا الواقع، جاءت التحركات الأخيرة للأردن والولايات المتحدة في محاولة لإيجاد حلول تعيد الأمور إلى نقطة الانطلاق، عبر طرح خيار "اللامركزية الإدارية" كأحد المخارج المحتملة لتجاوز الاضطرابات المتكررة.

ومع استعصاء الحل في السويداء وصعوبة إيجاد توافق أو تقارب بين الحكومة السورية والقوى الفاعلة في السويداء وأبرزها مجلس السويداء العسكري والرئيس الروحي لطائفة الموحدين الدروز الشيخ حكمت الهجري، رأى الحقوقي السوري والناشط في مجال السلم الأهلي بالساحل، أمجد الغريب، أن فشل السلطة الحالية داخلياً، منذ بداية استلامها مهامها ومحاولة تمسكها بالحكم دون إشراك أحد وعدم أخذ الحوار الوطني على محمل الجد، هو ما أدى إلى الوصول إلى طريق مسدود وتدخل الدول الإقليمية والدولية في تفاصيل الملف السوري. ورأى في حديث لـ"العربي الجديد"، أن هناك ضغوطاً كبيرة تمارس حالياً على دمشق بعد أحداث السويداء للحصول على تنازلات منها ومصدرها، تحديداً، إسرائيل والولايات المتحدة، مضيفاً أن دمشق تواجه في الوقت ذاته ضغوطاً تركية لحل مسألة شمال شرقي سورية. واعتبر أنه "دون حلول توافقية وتغيير عقلية الحكومة والتوجه للداخل بدل الخارج، ستبقى حالة الاستعصاء السياسي مع غياب الثقة بين مكونات المجتمع السياسي، وسيبحث كل طرف عن حليف إقليمي أو دولي يدعمه، والحل ببساطة هو العودة للحوار السوري الحقيقي وعدم إقصاء أحد".