حسابات تحدّ من فرص توسّط الصين في أزمة سد النهضة

16 سبتمبر 2025   |  آخر تحديث: 04:06 (توقيت القدس)
أبي أحمد بافتتاح سد النهضة، 9 سبتمبر 2025 (لويس تاتو/فرانس برس)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- افتتحت إثيوبيا سد النهضة الكبير في سبتمبر 2023، بمساهمة كبيرة من الصين، مما أثار توترات دبلوماسية مع مصر والسودان، حيث دعت الصين إلى حل سلمي بقيادة أفريقية.
- لم تتخذ الصين دور الوسيط المباشر في الأزمة، مفضلة دعم الحلول الأفريقية، وقد تلعب دورًا أكبر إذا أبدت مصر والسودان استعدادًا لتقديم تنازلات.
- تواجه الصين تحديات في الوساطة بسبب استثماراتها الكبيرة في الدول المتنازعة، مما يجعلها حذرة من الانخراط في وساطة قد تؤثر على علاقاتها ومشاريعها.

افتتحت إثيوبيا في التاسع من سبتمبر/أيلول الحالي، سد النهضة الكبير، الذي يُوصَف بأنه أكبر مشروع كهرومائي في القارة السمراء. وبينما ساهمت الصين في بناء السدّ، الذي أثار غضب مصر خصوصاً، وجدت نفسها محدودة الفرص للوساطة بين أديس أبابا والقاهرة، لأسباب وحسابات عدة، رغم علاقتها الجيّدة بأطراف الأزمة، ومن بينها أيضاً السودان.

ومنذ إطلاق المشروع قبل سنوات، أثار سد النهضة معركة دبلوماسية متوترة بين إثيوبيا ومصر، وبدرجة أقل بين إثيوبيا والسودان. ومع تصاعد الخلاف الدبلوماسي بين أديس أبابا والقاهرة، والذي وصل إلى أروقة الأمم المتحدة، امتنعت بكين إلى حدٍّ كبير عن الانحياز إلى أي طرف، وتجنبت القيام بدور الوساطة المباشرة، داعية بدلاً من ذلك إلى حلّ سلمي بقيادة أفريقية.

ساهمت الصين في بناء سد النهضة ومنحت شركات صينية عقوداً بالمشروع

في معرض تعليقها على افتتاح السدّ، قالت وسائل إعلام صينية، أول من أمس الأحد (14 سبتمبر)، إن علاقات بكين القوية مع الدول الثلاث (مصر وإثيوبيا والسودان) تجعلها في وضع أفضل للوساطة من أي طرف ثالث. ولفتت إلى أن النزاع حول السد يُعَد من القضايا الساخنة التي شارك فيها المبعوث الصيني الخاص لمنطقة القرن الأفريقي، شيويه بينغ، في جزء من جهود بكين الأوسع لتعزيز السلام والتنمية في المنطقة.

يُشار إلى أن الصين ساهمت في بناء سد النهضة من خلال تقديم قروض للبنية الأساسية ذات الصلة بالمشروع، كما تعاقدت الحكومة الإثيوبية مع شركات صينية لتوفير المعدات اللازمة للبناء. وتشمل القروض التي قدّمتها الشركات والمصارف الصينية 1.2 مليار دولار أميركي لتمويل خطوط إمداد الكهرباء للسد. وقد مُنحت عقودٌ لشركاتٍ مثل مجموعة "جه جو با" الصينية، و"فويث هيدرو شنغهاي" لتنفيذ أجزاء مختلفة من المشروع.

عدم الانحياز

في معرض كلامه عن الدور الصيني، رأى الأستاذ في مركز الدراسات السياسية في جامعة جينان، شياو لونغ، في حديث لـ"العربي الجديد"، إن استمرار انسداد أفق المحادثات بين الدول الثلاث، خصوصاً مصر وإثيوبيا، المستمر طيلة السنوات الماضية، سببه عدم وجود وسيط نزيه في ظل انحياز الجهات الفاعلة مثل الاتحاد الأفريقي والاتحاد الأوروبي لأحد أطراف الصراع على حساب الآخر، وهو ما قد يشجع الصين على لعب دور أكبر في تقريب وجهات النظر والالتقاء عند نقطة محددة، لا سيما مع اكتمال المشروع وافتتاحه بصورة رسمية. وهذا يعني، برأيه، "أننا أمام أمر واقع يستدعي التعامل معه والبحث عن فرص وسبل تذليل العقبات بما يضمن حقوق جميع الأطراف ومصالحها".

جو فانغ: الصين التي أطلقت مشروع سدّ ضخم على هضبة التيبت، لا يحق لها التوسط

ولفت شياو لونغ إلى أن أي تحرك في هذا الاتجاه سيكون على قاعدة عدم الانحياز، موضحاً أن الصين تربطها علاقات وثيقة مع مصر وكذلك إثيوبيا والسودان، ولديها مصلحة كبيرة في إرساء الاستقرار في القارة الأفريقية، فضلاً عن أن انضمام مصر وإثيوبيا إلى مجموعة بريكس الاقتصادية قد يعزز من شراكات هذه الدول مع الصين بوصفها دولة صديقة وفاعلة في المجموعة. ولفت إلى أن ذلك يعزز بالتالي من حظوظ الصين في لعب دور بنّاء بمسألة الوساطة، ولكن ذلك يتوقف، حسب اعتباره، على مدى استعداد كل من مصر والسودان لتقديم تنازلات مع اكتمال بناء السد، وتقبّل فكرة المشاركة والتعامل مع سد النهضة الكبير كأمر واقع.

حسابات صينية بأزمة سد النهضة

من جهته، اعتبر الباحث الزميل في جامعة آسيا (تايوان)، جو فانغ، في حديث مع "العربي الجديد"، أن الصين، التي أعلنت في يوليو/تموز الماضي عن إطلاق مشروع سدّ ضخم على هضبة التيبت، والذي من المتوقع أن يكون أكبر منشأة للطاقة الكهرومائية في العالم، لا يحق لها أن تنخرط في وساطة لأزمة مشابهة في قارة أخرى، لأن ما سوف تحاول إقناع أطراف النزاع بالقبول به بشأن سد النهضة، سوف يُستخدم ضدها من قبل جيرانها الذين لديهم مخاوف مماثلة بشأن إمدادات المياه والتأثير البيئي في مجرى نهر يارلونغ تسانغبو في الهند وبنغلادش.

بالإضافة إلى ذلك، أشار جو فانغ إلى أن بكين لديها استثمارات كبيرة في الدول المتنازعة (مصر وإثيوبيا والسودان)، فهي أكبر شريك تجاري لمصر، ولديها استثمارات نفطية هائلة في السودان، أما إثيوبيا، فعدا عن مشاركة الشركات الصينية في بناء سد النهضة، تملك بكين فيها مشروع خط سكة حديد أديس أبابا - جيبوتي، الأكبر من نوعه في القارة الأفريقية، وهذه عوامل تجعل الصين حذرة إزاء الدخول في وساطة قد لا تكون مُنصفة لجميع الأطراف، وهذا من شأنه أن يعرّض مشاريعها ومصالحها لأضرار بالغة. لذلك، من غير المرجح، وفق رأيه، أن تتجاوز الصين حدود الدعوة للحوار وحلّ الخلافات عبر القنوات الدبلوماسية، دون أن تكون طرفاً فاعلاً في الأزمة.

شياو لونغ: تتوقف أي وساطة على مدى استعداد كل من مصر والسودان لتقديم تنازلات مع اكتمال بناء السد

جدير بالذكر أن بكين لطالما دعمت الحلول الأفريقية ووساطة الاتحاد الأفريقي في أزمة سد النهضة، وقد مكّنها هذا النهج من تجنّب لعب دور الوسيط، وساعدها على التوفيق بين مصالحها المتضاربة وموازنة علاقاتها مع الدول الثلاث. فمن جهتها، ترحّب إثيوبيا بالاستثمارات الصينية والدعم الدبلوماسي، في حين تنظر السودان إلى بكين كشريك اقتصادي مستقر، بينما لا تزال مصر، التي تربطها علاقات وثيقة مع الصين، تقدّر وتثمّن هذه العلاقة، بالرغم من الشعور بأن دولة بحجم الصين وقوة تأثيرها، وباعتبارها عضواً دائماً في مجلس الأمن، كان ينبغي أن تلعب دوراً أكبر للحفاظ على المصالح المصرية.