خاص | رؤساء المجالس الليبية الثلاثة يجتمعون في باريس لبحث خريطة الطريق

08 اغسطس 2026   |  آخر تحديث: 09:51 (توقيت القدس)
محمد تكالة ومحمد المنفي بمقر المجلس الرئاسي، 22 يونيو 2026 (المجلس الأعلى للدولة الليبية)

أفادت مصادر ليبية متطابقة بعزم رؤساء المجالس الليبية الثلاثة، رئيس مجلس النواب عقيلة صالح، ورئيس المجلس الأعلى للدولة محمد تكالة، ورئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي، على عقد اجتماع ثلاثي في العاصمة الفرنسية باريس، نهاية الأسبوع الجاري، في خطوة تأتي وسط تصاعد التحركات الدولية لإعادة ترتيب المسار السياسي في ليبيا.

ووفقاً لمعلومات أدلت بها المصادر لـ"العربي الجديد"، يرتبط الاجتماع المرتقب بخريطة الطريق التي أعلنها رؤساء المجالس الليبية الثلاثة في يونيو/ حزيران الماضي، مشيرة إلى أن الملفات المقترحة للنقاش تتضمن إعادة تفعيل لجنة 6+6، المشكلة من مجلسي النواب والدولة لإعداد القوانين الانتخابية، وتكليفها إجراء التعديلات اللازمة على القوانين التي أنجزتها، بما يسمح بوضعها موضع التنفيذ. 

وتقضي الخريطة التي أعلنها القادة الثلاثة بإجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية في موعد أقصاه فبراير/شباط المقبل، بإشراف لجنة سيادية من شخصيات من ذوي الوظائف العليا من شرق البلاد وغربها، لتجاوز الانقسام الحكومي، إلى جانب تعديل القوانين الانتخابية. لكن دبلوماسياً ليبياً رفيع المستوى، مطلعاً على الاتصالات المرتبطة بالاجتماع، قلل من التوقعات بشأن ما يمكن أن يخرج به اجتماع باريس من نتائج عملية، معتبراً أن أهميته تكمن في دلالته السياسية أكثر من أي تفاهمات قد يتوصل إليها بشأن تفاصيل خريطة الطريق.

وقال الدبلوماسي لـ"العربي الجديد"، إن الاجتماع يأتي في سياق تحرك أوسع لعرقلة المسارين، الأممي والأميركي، اللذين يتصدران المشهد السياسي، بعدما نقل الأول ملفي القوانين الانتخابية والمفوضية العليا للانتخابات من مجلسي النواب والدولة إلى لجنة 4+4، فيما يحصر الثاني التفاوض في سلطتي طرابلس وبنغازي، مستبعداً المجالس الثلاثة. وأضاف أن رغبة القادة الثلاثة في إحياء مسارهم تتماهى مع رغبة أطراف إقليمية في "فرملة" الاندفاعة الأميركية وإبقاء مسارات بديلة مطروحة.

وجاء إعلان خريطة الطريق الثلاثية بعد قرابة شهر من بدء اجتماعات لجنة 4+4 بإشراف البعثة الأممية، وبعد يوم واحد من إعلان مستشار الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية مسعد بولس

، للمرة الأولى بصورة علنية، وجود مبادرة أميركية تقوم على "حكومة موحدة وتوحيد جميع المؤسسات"، بعد أشهر من الاتصالات غير المعلنة التي أدارها بين ممثلي الحكومة في طرابلس و"القيادة العامة" في بنغازي. ورغم أن القادة الثلاثة لم يقدموا خريطتهم بوصفها رفضاً للمسارين، الأممي والأميركي، فإن توقيت الإعلان، إلى جانب رفض المنفي لصيغة تقاسم السلطة بين القوى الموجودة في الشرق والغرب، ورفض تكالة لطاولة 4+4، جعلا الخريطة تبدو أقرب إلى موقف رافض للمسارين.

هدف باريس من اجتماع رؤساء المجالس الليبية

وفيما اعتبر الدبلوماسي أن القادة الثلاثة كانوا يدركون، عند إعلان خريطتهم، أنها "لا تملك أرضية للتنفيذ"، أكد أن هدف اجتماع باريس "البحث عن مظلة دولية لمحاولة فرضها في المشهد بوصفها أحد المسارات الأساسية". لكنه شكك، في الوقت نفسه، في إمكانية تحويلها إلى مسار قابل للتنفيذ، بسبب الخلافات بينهم التي وصلت إلى حد الصدام، فضلاً عن غياب آليات التنفيذ، وارتباط أي ترتيبات انتخابية بمواقف القوى المسيطرة على الأرض. ويذكر الدبلوماسي أن الدافع الأساسي نحو اجتماع باريس جاء من المنفي، فيما لعبت عاصمة إقليمية دوراً في إقناع عقيلة بالمشاركة، بعد أن رفض، في ديسمبر/ كانون الأول الماضي، محاولة فرنسية لجمعه بتكالة. ويربط موافقة عقيلة هذه المرة بتغير حسابات الأطراف الثلاثة، التي باتت ترى في الاجتماع فرصة لإظهار تماسكها في مواجهة احتمال تجاوزها في ترتيبات المرحلة المقبلة.

شكك دبلوماسي ليبي في إمكانية تحويل خريطة الطريق إلى مسار قابل للتنفيذ بسبب الخلافات بين رؤساء المجالس

وحول مكاسب باريس من استضافة الاجتماع، رغم أنها سبق أن استضافت أحد اجتماعات ممثلي طرابلس وبنغازي برعاية بولس، قال الدبلوماسي إن مسؤولين فرنسيين زاروا طرابلس عدة مرات منذ مايو/ أيار الماضي، وأبدوا توجساً من الاندفاعة الأميركية في الملف الليبي، ولا سيما تجاوزها للأطراف الأخرى. وأضاف الدبلوماسي أن فرنسا "لا تملك ترف معارضة واشنطن جهاراً، لكنها لا تريد، في الوقت نفسه، أن تجد نفسها خارج عملية سياسية قد تفرضها واشنطن وتحدد أطرافها"، ولذا فهي تسعى إلى "إبقاء قنوات التواصل مفتوحة" مع جميع الأطراف للحفاظ على حضورها في أي تسوية مقبلة.

حسابات إقليمية وأوروبية

ولا يفصل الدبلوماسي التحرك الفرنسي عن حسابات إقليمية وأوروبية، خصوصاً الانخراط الإيطالي في المسار الأميركي، مشيراً إلى أن المسؤولين الفرنسيين حاولوا، خلال زياراتهم لطرابلس وبنغازي، "قياس حجم الانخراط الإيطالي، خصوصاً في الجانب العسكري، بعد مشاركة روما مع واشنطن في التدريبات العسكرية" التي رعتها القيادة العسكرية الأميركية في أفريقيا (أفريكوم) ضمن تمرين "فلينتلوك 2026" في سرت، منتصف إبريل/ نيسان الماضي. ووفقاً للمزاج الفرنسي الذي قرأه الدبلوماسي من زيارات المسؤولين الفرنسيين، لا ترغب باريس في تراجع وزنها في الملف الليبي، ولذلك يرى أن اجتماع باريس "يُقرأ ضمن تنافس الخارج على موقع الأطراف داخل أي تسوية، أكثر مما يعكس انحيازاً لأي منها".

وفي منتصف يونيو/ حزيران الماضي، زار صدام حفتر، بصفته نائب "القائد العام للقيادة العامة" في بنغازي، العاصمة الفرنسية، حيث التقى الرئيس إيمانويل ماكرون وعدداً من المسؤولين العسكريين والأمنيين الفرنسيين، بينهم المبعوث الخاص للرئيس الفرنسي بول سولير، ورئيس الأركان الخاصة لرئيس الجمهورية الجنرال فانسا جيرو، وقائد العمليات الخاصة ميشيل ديلبي. وقالت السفارة الفرنسية لدى ليبيا إن المحادثات تركزت على "مستقبل التعاون العسكري الثنائي بين البلدين على أعلى المستويات".

وفي مطلع الشهر الماضي، بحث المنفي مع السفير الفرنسي لدى ليبيا، تيري فالات، في طرابلس، رؤية المجلس الرئاسي و"المبادرة الثلاثية الهادفة إلى دفع العملية السياسية عبر حوار ليبي مباشر"، إلى جانب ملف توحيد المؤسسة العسكرية والجهود التي يقودها المنفي لإنجاز هذا الاستحقاق. وفي نهاية الشهر نفسه، تلقى المنفي برقية من ماكرون، جدد فيها، بحسب المكتب الإعلامي لرئيس المجلس الرئاسي، "التزام فرنسا الراسخ بدعم وحدة ليبيا" ومساندة الجهود الرامية إلى ترسيخ الأمن والاستقرار، مؤكداً دعم بلاده للمنفي في "مختلف الخطوات والمساعي التي يقودها لتحقيق تطلعات الشعب الليبي وتعزيز استقرار البلاد".