خريطة طريق لاستكمال اتفاق غزة: فرص وعراقيل أمام تنفيذ خطة ملادينوف
- تفاصيل الاتفاق: الاتفاق تم التوصل إليه بعد مفاوضات في القاهرة، ويشمل حصر السلاح الثقيل وانتشار قوة دولية، مع فترة اختبار لوقف العدوان وإدخال المساعدات، رغم تحفظات حركة الجهاد الإسلامي.
- ردود الفعل الدولية: ترامب أشاد بالاتفاق ودور الوسطاء، بينما رفضته إسرائيل معتبرة أنه لا يحقق أهدافها الأمنية، ورأى محللون أنه فرصة لتحريك المفاوضات رغم التحديات.
دخل اتفاق السلام الخاص بقطاع غزة، منذ ليل أمس الخميس، مرحلة جديدة، مع إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب و"مجلس السلام" الذي يترأسه، التوصل إلى اتفاق وصفه ترامب بـ"التاريخي"، لتنفيذ المرحلة التالية من وقف إطلاق النار في القطاع. وبينما أكدت حركة حماس أنه تمّ التوصل إلى اتفاق يتضمن ترتيبات نزع سلاحها، سارعت دولة الاحتلال ومسؤولوها، إلى وضع العراقيل، بعدما أكدت إسرائيل في أوقات سابقة أنها تحتل مساحة كبيرة من القطاع، ولا تعتزم مغادرته، علماً أن ذلك قد يجعل العلاقة بينها وبين ترامب تواجه توتراً جديداً، رغم امتناع الإدارة الأميركية حتى الآن عن الضغط على دولة الاحتلال، التي لا تزال تطمح كما يبدو إلى ابتلاع غزة وفرض التهجير على سكّانها.
خطة غزة
وبحسب المعلومات التي تخرج عن حركة حماس ومسؤوليها، فإن أي خطوة في الاتفاق ستكون تدريجية، ومتناسقة مع بنود اتفاق السلام الـ20، علماً أن دولة الاحتلال لم تلتزم بالمرحلة الأولى من الاتفاق بعد، وتواصل عدوانها على القطاع وعرقلة وصول المساعدات. ووصلت "حماس" والفصائل الفلسطينية بعد مباحثات مكثفة في العاصمة المصرية القاهرة، إلى صيغة نهائية تعتمد بموجبها خطة المبعوث السامي لمجلس السلام نيكولاي ملادينوف، بما في ذلك البند الخامس، المتعلق بالموظفين، والبند الثامن المتعلق بسلاح المقاومة الفلسطينية.
وكشفت مصادر مطلعة على مفاوضات وقف إطلاق النار في القطاع لـ"العربي الجديد"، أن المفاوضات نجحت في حسم البند الخامس الخاص بملف الموظفين، بعدما جرى التوافق على صياغة قانونية تُنظم آلية إنهاء الخدمات وصرف المستحقات، بما أنهى إحدى القضايا العالقة في المباحثات.
وفي ما يتعلق بملف السلاح، قالت المصادر إن الصيغة النهائية التي جرى التوافق عليها تستند إلى خمسة محدّدات رئيسية، أولها أن الإجراءات ستقتصر على السلاح الثقيل فقط، ولن تشمل باقي أنواع السلاح. وأضافت أن عملية حصر السلاح الثقيل وتخزينه، إلى جانب مستودعات الأسلحة ومواقع الإنتاج العسكري والأنفاق، ستتم بصورة تدريجية وعلى مراحل، وفق جدول زمني يتم الاتفاق عليه، وبعد استكمال المرحلة الأولى من اتفاق وقف النار بكامل استحقاقاتها.
وأشارت المصادر إلى أن بدء تنفيذ هذه الترتيبات يرتبط بجملة من الخطوات المتزامنة، تشمل مباشرة اللجنة الوطنية الفلسطينية مهامها، وانتشار قوة الاستقرار الدولية، وتفكيك المجموعات المسلحة بالقطاع، بالتوازي مع الانسحاب الإسرائيلي التدريجي من المناطق المحتلة داخل غزة. وبرزت أيضاً مسألة الجدول الزمني لتنفيذ الاتفاق. وبحسب المصادر المطلعة التي تحدثت لـ"العربي الجديد"، فإن الاتفاق ينص على فترة تمتد 14 يوماً بعد الإعلان عنه، يجري خلالها وقف العدوان والهجمات على الأرض، وإدخال 600 شاحنة مساعدات يومياً، بينها 50 شاحنة وقود، إضافة إلى وقف أي تمدد ميداني للاحتلال عند ما يعرف بـ"الخط الأصفر"، ومنع أي زحف جديد خلال هذه المرحلة. وأوضحت المصادر أن فترة الأسبوعين ستخصص لاختبار مدى التزام جميع الأطراف ببنود الاتفاق، على أن يعقب ذلك وضع الجداول الزمنية الخاصة بتنفيذ الاتفاق بصورة نهائية، والانتقال إلى مراحله التنفيذية. ويشكل الوصول إلى الصيغة الحالية مدخلاً للانتقال للمرحلة الثانية من الاتفاق المبرم بموجب خطة ترامب في 10 أكتوبر/تشرين الأول 2025، والتي اشتملت على مرحلتين، الأولى تضمنت الإفراج عن جميع الأسرى الإسرائيليين والجثامين، فيما فشل الوسطاء خلال الشهور الماضية في الانتقال للمرحلة الثانية.
غازي حمد: الاتفاق "مؤلم" بالنسبة للحركة، وكنا نطمح إلى "اتفاق أفضل"
وأعلنت حركة حماس أن موافقتها على إدراج ملف السلاح الثقيل ضمن إطار المرحلة الثانية من اتفاق وقف النار جاءت مشروطة بوقف شامل للعمليات العسكرية الإسرائيلية، وانسحاب القوات الإسرائيلية من القطاع، وبدء عملية التعافي المبكر وإعادة الإعمار، إلى جانب نشر قوات حماية دولية. وقالت الحركة، في بيان، إن تعاملها والفصائل الفلسطينية مع جهود الوسطاء ومقترحاتهم لاستكمال تنفيذ المرحلة الثانية من الاتفاق اتسم بـ"المسؤولية والإيجابية"، معتبرة أن المواقف التي جرى التوصل إليها خلال المفاوضات في مصر عكست "توافقاً وطنياً وروح شراكة ومسؤولية"، انطلاقاً من الحرص على حماية سكان قطاع غزة، وتلبية احتياجاتهم الإنسانية، والحفاظ على الحقوق الوطنية الفلسطينية. وقالت الحركة إن "الموافقة على إدراج ملف السلاح الثقيل في إطار الاتفاق قد رُبطت واشترطت بوقف جميع أشكال العدوان، والانسحاب من قطاع غزة، وتحقيق التعافي المبكر، ودخول اللجنة الإدارية، وانتشار قوات الحماية الدولية، وحل العصابات المسلحة والمليشيات التي شكّلها الاحتلال، وإعادة الإعمار، وضمان حق تقرير المصير، وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة، وحماية حقوق المواطنين". وأكدت حماس، في بيانها، أن تنفيذ المرحلة الثانية من الاتفاق يبقى "مرهوناً بالتزام الاحتلال بتنفيذ جميع بنود المرحلة الأولى"، مشددة على أن "التزام الاحتلال بوقف القتل وإنهاء اعتداءاته هو المدخل الأساس، والخطوة الأولى للمضي في التنفيذ، والشروع في وضع الإطار والجدول الزمني لما تم التوافق عليه".
وأوضح عضو المكتب السياسي لـ"حماس" غازي حمد، أن موافقة الحركة على اتفاق المرحلة الثانية من وقف النار، يقوم على حزمة متكاملة من الالتزامات المتبادلة والمتزامنة، شريطة تنفيذ المرحلة الأولى بشكل كامل. وحذّر حمد، لوكالة "الأناضول"، من أنه "إذا لم تنفذ إسرائيل (التزاماتها) نحن لن ننفذ أيضاً، وإذا لم تلتزم، لن نلتزم". وفي ملف السلاح، قال إن الاتفاق ينص على "تخزين السلاح الثقيل" تحت مسؤولية اللجنة الوطنية لإدارة غزة، على أن يتم بالتزامن مع إنجاز بقية الملفات الأخرى، موضحاً أن الاتفاق ينص أيضاً على وجود لجنة تحقيق دولية لمتابعة تنفيذ بنوده بشكل مستمر، حتى نضمن أن الأمور تسير على ما يرام. وكشف لـ"الأناضول"، عن جولة جديدة من المفاوضات ستشارك فيها "حماس" خلال الأيام المقبلة، لوضع الجداول الزمنية وآليات تنفيذ الاتفاق. ووصف الاتفاق بـ"المؤلم" بالنسبة للحركة، لافتاً إلى أنها كانت تطمح للوصول إلى "اتفاق أفضل لكن الظروف القائمة وواقع القطاع، إضافة إلى حالة الخذلان واستمرار الإبادة الجماعية والكارثة الإنسانية، دفعت باتجاهه"، وفق تعبيره.
ونقلت وكالة رويترز، عن حمد تأكيده أن إسرائيل ملزمة، بموجب الاتفاق، وقف هجماتها على غزة وسحب قواتها إلى المواقع التي كانت عليها في أكتوبر 2023، فضلاً عن زيادة تدفق السلع والمساعدات إلى القطاع، لافتاً إلى أنه "حينها ستوافق حماس فقط على تسليم سلاحها إلى اللجنة الوطنية لإدارة غزة". وقال: "أصررنا على الوسطاء أن إسرائيل يجب أن تلتزم بذلك".
وأبدت حركة الجهاد الإسلامي تحفظاً رسمياً على الاتفاق. وقال المتحدث باسمها محمد الحاج موسى، إن الحركة أبدت، طوال مسار المفاوضات، "حرصاً بالغاً ومسؤولاً" للتوصل إلى اتفاق يلبي تطلعات الشعب الفلسطيني، ويخفف من معاناته، موضحاً لـ"العربي الجديد"، أن تحفظ الحركة على الصيغة الحالية يعود إلى أنها "جاءت عامة وفضفاضة" بما يفتح المجال أمام الاحتلال للمناورة والتنصل من التزاماته.
على المقلب الإسرائيلي، كانت هناك مسارعة للتعبير عن رفض الاتفاق، أو أقلّه الخروج بتصريحات توحي أن الطريق إلى إنهاء الحرب لا تزال وعرة. وفي هذا السياق، نقلت وكالة رويترز عن مسؤول إسرائيلي لم تسمه، قوله: "لن ننسحب من الخط الأصفر في غزة ما لم تُقدم حماس على نزع سلاح حقيقي". من جهته، وجّه وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير، انتقاداً شديداً إلى الاتفاق الذي وافقت عليه "حماس"، معتبراً أنه "غير مقبول". وكتب بن غفير على "تليغرام": "مجزرة 7 أكتوبر... يعد الالتزام بوقف اغتيال قتلة هذه المنظمة الإرهابية بمثابة موافقة على أن تخطط حماس للمجزرة التالية. يجب أن تستمر الاغتيالات في غزة، ويجب تشجيع الهجرة، ويجب أن تنتصر إسرائيل". كما انتقد زعيم حزب "يشار" الإسرائيلي المعارض غادي آيزنكوت، الاتفاق، قائلاً إن أي اتفاق بشأن غزة لا يفضي إلى تفكيك قدرات "حماس" العسكرية والحكومية يعد "فشلاً ذريعاً" لحكومة إسرائيل، مضيفاً عبر "إكس"، أن "هناك علامات استفهام كبيرة حول ما إذا كانت إسرائيل شريكة في هذا الاتفاق، أو ما إذا كان قد فُرض عليها مرة أخرى دون مشاركتها". وانتقد آيزنكوت رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو لعدم تقديمه للإسرائيليين تفاصيل بشأن الاتفاق، معتبراً أن أي تفاهم سيخضع لاختبار مدى تحقيقه أهداف الحرب والتي برأيه "لم تتحقق".
وكان الرئيس الأميركي دونالد ترامب، أعلن أمس، التوصل إلى ما وصفه بـ"اتفاق تاريخي" يقضي بـ"النزع الكامل" لسلاح "حماس" وجميع الفصائل المسلحة الأخرى في قطاع غزة، معتبراً أن الاتفاق يمهد لمرحلة جديدة من السلام والأمن، في إطار تنفيذ خطته المعروفة بـ"خطة ترامب ذات العشرين نقطة". وكتب ترامب على منصته "تروث سوشال"، أن الخطوة تمثل "منعطفاً تاريخياً" نحو تحقيق سلام دائم وضمان أمن إسرائيل، موضحاً أن الاتفاق سيفضي إلى إدارة القطاع من حكومة فلسطينية جديدة "تعمل بشكل وثيق مع مجلس السلام لمساعدة الشعب الفلسطيني"، بينما "تحصل إسرائيل على الأمن الذي تستحقه، ولن يُستخدم قطاع غزة مجدداً قاعدة لشنّ هجمات". ووجه الشكر إلى الوسطاء، وفي مقدمتهم مصر وقطر وتركيا، مشيداً بدورها في التوصل إلى الاتفاق، كما خصّ فريقه المفاوض بالإشادة. وأشار إلى أن الاتفاق سيُنفذ عبر مراحل منظمة، موضحاً أنه مع استكمال عملية نزع السلاح ستنسحب القوات الإسرائيلية من القطاع.
مجلس السلام: ينبغي على إسرائيل استكمال، من دون تأخير، كل التزاماتها المتبقية تحت عنوان بروتوكول شرم الشيخ
ونشر مجلس السلام بنود الاتفاق، على حسابه على "إكس". وأكد أنه "ينبغي على إسرائيل استكمال، من دون تأخير، كل التزاماتها المتبقية تحت عنوان بروتوكول شرم الشيخ، وبشكل خاص وقف العمليات العسكرية". كما أكد أن جدولة ووضع آليات هذه الخريطة (المرحلة الثانية من الاتفاق)، سيجري إعدادهما بغضون 14 يوماً، على أن تدخل بعد ذلك اللجنة الوطنية لإدارة غزة، إلى القطاع، وتبدأ ممارسة مهامها". ولفت المجلس إلى أن الانتقال في الخريطة بين المراحل يبقى مرهوناً بتنفيذ المرحلة السابقة. ولفت إلى أن "عملية لنزع السلاح وحفظ الأسلحة الثقيلة، ومواقع الإنتاج العسكري، ومستودعات الأسلحة، والأنفاق، يجب أن تبدأ بعد استكمال الالتزامات المتبقية وفق بروتوكول شرم الشيخ، وبعد دخول اللجنة وانتشار الشرطة"، مشيراً إلى أن هذه "العملية يجب أن تكون مرتبطة بالانسحاب الإسرائيلي، على مراحل". وأوضح المجلس أن قوات حماية الاستقرار الدولية التي ستدخل غزة مهمتها الفصل بين المناطق التي تسيطر عليها إسرائيل وتلك التي ستبدأ اللجنة الوطنية إدارتها.
وكان مسؤول أميركي رفيع المستوى، قد كشف تفاصيل المفاوضات مع "حماس" للوصول لاتفاق، حيث أشار إلى وجود خطة لبناء اقتصاد قوي في القطاع، قائم على الرأسمالية واقتصاد السوق الحرة. ودعا المسؤول الأميركي، السلطة الفلسطينية إلى "التركيز أولاً على تنفيذ الإصلاحات". وقال إن "تنفيذ خريطة الطريق سيتم على مراحل وليس دفعة واحدة"، مضيفاً أنه "لا ينبغي التركيز على عدد الأيام لأن الجدول الزمني يعتمد على تنفيذ كل مرحلة". وفي ما يخص انسحاب إسرائيل من غزة، قال المسؤول الأميركي: "لا نطلب من إسرائيل سوى الالتزام بخطة النقاط العشرين التي وافقت عليها في البداية، ونحن واثقون من أنها ستلتزم بالاتفاق، وإذا لم تلتزم، فسيكون الرئيس ترامب محبطاً للغاية". وعن المدة المتوقعة لتنفيذ مراحل الاتفاق، قال مسؤول في مجلس السلام: بين 200 و350 يوما. واعتبر الاتحاد الأوروبي أن نجاح الاتفاق رهن "التزام تام" من كل الأطراف، وفق مفوضة السياسة الخارجية كايا كالاس.
فرصة مهمة
ورأى مدير مركز عروبة للأبحاث والدراسات الاستراتيجية أحمد الطناني، أن التوصل إلى اتفاق يمثل "فرصة مهمة لتحريك المياه الراكدة وكسر حالة الاستعصاء التي رافقت مفاوضات غزة"، معتبراً أنه يفتح الباب أمام الانتقال إلى مراحل أكثر تقدماً في تنفيذ الاتفاق. وأوضح الطناني لـ"العربي الجديد"، أن أهمية الصيغة الحالية تكمن في أنها "تلزم إسرائيل أولاً باستكمال استحقاقات المرحلة الأولى من اتفاق وقف النار"، مشيراً إلى أن المسودة خضعت لتعديلات جوهرية مقارنة بنسختها الأولى، التي كانت "مجحفة بشكل كبير وتتجاوز استحقاقات وقف إطلاق النار".
أحمد الطناني: المسودة خضعت لتعديلات جوهرية مقارنة بنسختها الأولى
إلى ذلك، اعتبر المختص بالشأن الإسرائيلي سليمان بشارات، أن الموقف الإسرائيلي من أي اتفاق يتعلق بغزة يبقى مرهوناً بالقرار الأميركي، مبيناً أن الإدارة الأميركية هي الطرف الذي يحدّد سقف التحرك الإسرائيلي، وأن إسرائيل لن تستطيع الخروج عن الرؤية التي تعتمدها واشنطن أو تتجاوزها. وأضاف بشارات لـ"العربي الجديد" أن ما تشهده المفاوضات الحالية يعكس درجة أعلى من "إنضاج" الملفات مقارنة بالمراحل السابقة، لكنه أشار إلى أن الأمر لا يقتصر على القطاع بحد ذاته، بل يأتي ضمن إطار إقليمي أوسع يرتبط بخطة استكمال رؤية ترامب. وقال إن نتنياهو سيسعى إلى تسويق الاتفاق بوصفه إنجازاً سياسياً قبيل انتخابات الكنيست المقررة في أكتوبر المقبل، مستبعدا أن تلتزم إسرائيل بالانسحاب الكامل من قطاع غزة حتى في حال تنفيذ جميع مراحل الاتفاق.