رسائل ترامب والسيسي… اختبار للدور الأميركي في ملف سد النهضة

18 يناير 2026   |  آخر تحديث: 09:06 (توقيت القدس)
السيسي وترامب في شرم الشيخ، 13 أكتوبر 2025 (خالد دسوقي/فرانس برس)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- أبدى الرئيس الأميركي دونالد ترامب استعداده لاستئناف الوساطة بين مصر وإثيوبيا بشأن سد النهضة، مشددًا على أهمية نهر النيل وضرورة التوصل إلى اتفاق دائم يضمن حقوق جميع الأطراف.
- رحب الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي وقائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان بعرض الوساطة، مؤكدين على أهمية التعاون الجاد وإيجاد حلول مستدامة.
- أبدى الخبراء حذرهم من جدوى التدخل الأميركي، مشيرين إلى ضرورة وجود ضمانات واضحة وعدم الانجراف وراء الوساطة دون تأكيدات ملموسة.

جاءت الرسالة التي نشرها الرئيس الأميركي دونالد ترامب

بشأن سدّ النهضة وردّ نظيره المصري عبد الفتاح السيسي عليها، مساء الجمعة، في توقيت لافت، أعقب مباشرة لقاءات مكثفة عقدها كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية مسعد بولس في القاهرة مع القيادة المصرية الأربعاء الماضي، ركّزت على القضايا الإقليمية الحساسة لمصر، وفي مقدمتها السودان والقرن الأفريقي والأمن المائي. هذا التزامن أعاد فتح التساؤلات حول ما إذا كانت واشنطن تسعى فعلاً إلى إعادة تفعيل دورها في ملف سد النهضة أم أن الأمر لا يتجاوز إعادة تدوير خطاب سياسي، مرتبط بتفاهمات غزة، من دون التزامات عملية. وقال ترامب في رسالة وجهها الجمعة إلى السيسي إنه مستعد لاستئناف الوساطة الأميركية بين مصر وإثيوبيا لحل خلافهما بشأن سد النهضة الذي تعتبره كل من مصر والسودان تهديداً لإمدادات المياه الحيوية. وأضاف ترامب: "في إطار صداقتنا الشخصية، والتزام الولايات المتحدة بالسلام ورفاهية الشعب المصري، فإنني مستعد لإعادة إطلاق الوساطة الأميركية بين مصر وإثيوبيا من أجل التوصل بشكل مسؤول إلى حل لمسألة تقاسم مياه نهر النيل مرة واحدة وإلى الأبد. إنني وفريقي نتفهم الأهمية العميقة لنهر النيل بالنسبة لمصر وشعبها، وأرغب في مساعدتكم على تحقيق نتيجة تضمن الاحتياجات المائية لمصر وجمهورية السودان وإثيوبيا على المدى الطويل".


أيمن زين الدين: التجربة مع ترامب تشير إلى أنه لا يقدم شيئاً مفيداً لمصر

رسالة ترامب بشأن سد النهضة

وتابع الرئيس الأميركي قائلاً: "تؤكد الولايات المتحدة أنه لا ينبغي لأي دولة في هذه المنطقة أن تسيطر من طرف واحد على الموارد الثمينة لنهر النيل، وأن تضر بجيرانها في هذه العملية. وأعتقد أنه من خلال الخبرات الفنية المناسبة، والمفاوضات العادلة والشفافة، ودور قوي للولايات المتحدة في المراقبة والتنسيق بين الأطراف، يمكننا التوصل إلى اتفاق دائم يخدم جميع دول حوض النيل، وسيضمن النهج الناجح إطلاق كميات مياه يمكن التنبؤ بها خلال فترات الجفاف والسنوات الجافة الطويلة لصالح مصر والسودان، مع السماح لإثيوبيا بتوليد كميات كبيرة جداً من الكهرباء، يمكن أن يُمنح بعضها، أو يُباع، لمصر و/أو السودان".

وعكس ردّ السيسي على رسالة ترامب إدراكاً مصرياً لحدود هذا الانخراط الأميركي، إذ أشار إلى أنه يثمن اهتمام ترامب "بمحورية قضية نهر النيل لمصر"، لافتاً إلى أنه "يمثل شريان الحياة للشعب المصري، وأن مصر أكدت حرصها على التعاون الجاد والبناء مع دول حوض النيل، والقائم على مبادئ القانون الدولي، وبما يحقق المصالح المشتركة من دون إضرار بأي طرف. وهي الثوابت التي يتأسس عليها الموقف المصري". ولفت إلى أنه وجّه "خطاباً إلى الرئيس ترامب تضمن الشكر والتقدير، وتأكيد الموقف المصري، وشواغلنا ذات الصلة بالأمن المائي المصرى، والتأكيد على الدعم المصرى لجهوده والتطلع لمواصلة العمل عن كثب معه خلال المرحلة المقبلة". بدوره، رحب قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان

، أمس السبت، أيضاً، بعرض الوساطة الذي قدمه ترامب قائلاً إن "حكومة السودان ترحب وتدعم مبادرة ووساطة الرئيس ترامب حول مياه النيل وذلك لإيجاد حلول مستدامة ومرضية تحفظ للجميع حقوقهم، ما يساعد على استدامة الأمن والاستقرار في الإقليم ".

رغم الترحيب المصري الواضح باهتمام ترامب بملف سد النهضة، فقد حرص السيسي على إعادة التذكير بثوابت الموقف المصري القائمة على القانون الدولي وعدم الإضرار، وهو ما يتسق مع المخاوف التي يؤكدها الخبراء من عدم جدوى التدخل الأميركي في ملف السد، والتذكير بأنه لا يجب النظر إلى التحركات الأميركية الأخيرة بوصفها اختراقاً مضموناً، بل باعتبارها مساحة اختبار سياسية ينبغي التعامل معها بحذر.

منذ لقاءات بولس، بدا واضحاً أن الإدارة الأميركية تحاول ربط ملفات أفريقيا، وعلى رأسها المياه والسودان والبحر الأحمر، بسياق أوسع من التنسيق مع القاهرة، مستفيدة من الدور المصري المحوري في غزة وملفات التهدئة الإقليمية. لكن الخطاب المصري عكس قراءة واقعية لما أفرزته تجارب سابقة للوساطة الأميركية في أزمة سدّ النهضة إذ لم تنجح واشنطن، رغم انخراطها، في محطات متعددة، في فرض اتفاق ملزم أو ضمانات تشغيل واضحة تحمي الحقوق المائية لمصر. ولذلك، فإن إعادة إدراج الملف على جدول أعمال الإدارة الأميركية، سواء عبر لقاءات مسعد بولس

أو عبر رسالة ترامب، لا تعني بالضرورة تغيراً جذرياً في الموقف الأميركي، بقدر ما تعكس محاولة لإدارة الأزمة في سياق إقليمي أوسع.

وفي حديثٍ إلى "العربي الجديد"، تمنى السفير المصري السابق لدى إسبانيا أيمن زين الدين "ألا تنجرف مصر إلى التجاوب مع عرض الرئيس الأميركي دونالد ترامب للوساطة في ملف سد النهضة". وأشار إلى أن "الحكمة قد تقتضي عدم الرفض المباشر أو حتى إبداء قدر من التفاعل الإيجابي الشكلي، لكن من دون السماح لهذه الوساطة بأن تمسك بزمام الملف أو تقوده فعلياً".

وأوضح زين الدين أن التجربة مع ترامب تشير إلى أنه "لا يقدم شيئاً مفيداً لمصر، أو لغيرها، من دون أن يطلب مقابلاً أكبر بكثير مما يمنحه"، لافتاً إلى أن أي وساطة من هذا النوع، إذا تُرك لها التحكم في المسار، لن تفضي سوى إلى مكاسب محدودة لمصر، مقابل كلفة سياسية واستراتيجية مرتفعة تفوق بكثير ما قد تحققه من فوائد. وذكر أن ترامب "لا يضع يده على قضية معقدة كهذه إلا ويتركها أكثر ارتباكاً وتشابكاً". وختم زين الدين بالقول إن "اللعب مع ترامب لا يخلو من المسامير"، معتبراً أن تفادي الانخراط العميق في وساطته "أكثر أمناً وصواباً"، مهما بدا العرض مغرياً في لحظته، لأن كلفته المحتملة قد تكون أعلى بكثير من أي عائد سياسي قصير الأمد.


رخا أحمد حسن: طرح ملف سد النهضة يعكس إدراك واشنطن حساسيته

جمود المفاوضات

من جانبه، أكد رخا أحمد حسن، المساعد السابق لوزير الخارجية المصري، أهمية الزيارة التي قام بها بولس إلى القاهرة. وقال لـ"العربي الجديد" إن أحد المحاور الرئيسية في لقاءات بولس كان ملف سد النهضة في ظل حالة جمود المفاوضات بين مصر وإثيوبيا منذ توقفها من دون التوصل إلى اتفاق. وأشار أحمد حسن إلى أن طرح ملف سد النهضة في هذا التوقيت، بالتوازي مع التحركات الأميركية في السودان والقرن الأفريقي، يعكس إدراكاً متزايداً لدى واشنطن بحساسية هذا الملف وارتباطه المباشر باستقرار الإقليم ككل، موضحاً أن القاهرة تسعى إلى توظيف هذا الزخم السياسي لإعادة إدراج الأزمة على جدول الاهتمام الدولي، من دون التعويل على حلول سريعة أو وعود غير مضمونة. وختم أحمد حسن بالتأكيد أن استمرار حالة الجمود في مفاوضات سد النهضة يفرض على مصر الحفاظ على مقاربة دبلوماسية نشطة ومتعددة المسارات، مع الاستفادة من أي اهتمام دولي، بما في ذلك الاهتمام الأميركي، شرط ألا يكون ذلك على حساب ثوابت الموقف المصري أو حقوقه المائية المشروعة.