استمع إلى الملخص
- أعلنت وزارة الدفاع السورية وقفاً لإطلاق النار، لكن التوتر تصاعد مع إطلاق النار على حافلات المقاتلين والصحافيين، واتهامات متبادلة بين القوات الحكومية و"قسد" حول استخدام المدنيين كدروع بشرية.
- انتقد البعض السماح لمقاتلي "قسد" بالخروج بسلاحهم، بينما دعت شخصيات كردية للعودة للاتفاقات السابقة، وسط ترحيب دولي بوقف إطلاق النار ودعوات لتمديده.
عاشت مدينة حلب، شمالي سورية، اليوم الجمعة، يوماً إضافياً من التوتر والاشتباكات، مع تعثر تطبيق الاتفاق الذي تمّ التوصل إليه فجر اليوم، والذي أعلنت عنه السلطات السورية ويقضي بخروج المسلحين الأكراد مع سلاحهم الفردي من حيي الشيخ مقصود والأشرفية في حلب إلى مناطق سيطرة قوات سوريا الديمقراطية (قسد) في شرق سورية، ووضع كل أحياء مدينة حلب تحت سيطرة قوات الأمن السورية. وفي موازاة تعثر اتفاق حلب اليوم، كان الرئيس السوري أحمد الشرع يجري سلسلة اتصالات، بما في ذلك مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس الحزب الديمقراطي الكردستاني في العراق مسعود البارزاني، إلى جانب مباحثات هاتفية مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، لبحث مستجدات الأوضاع في سورية والمنطقة، فيما التقى في دمشق رئيسي المجلس الأوروبي والمفوضية الأوروبية أنطونيو كوستا وأورسولا فون ديرلاين.
اتفاق حلب يتعثر
واستؤنف التوتر، اليوم، في حلب، بعدما أعلنت القوات الكردية في حيي الشيخ مقصود والأشرفية رفضها في بيان الخروج من الحيين، وقال مجلس الشعب في الحيين التابع للإدارة الذاتية الكردية إن "النداء الذي توجهه قوات حكومة دمشق المؤقتة إلى شعبنا وقواتنا الأمنية هو دعوة للاستسلام، إلا أن شعبنا في هذه الأحياء مصمم على البقاء في أحيائه والدفاع عنها". كما أعلن أن قوات الأمن الداخلي الكردية (أسايش) "عازمة على الصمود والدفاع عن مناطقها"، معتبراً أن التصعيد الحاصل يمثل "انتهاكاً صارخاً لاتفاق الأول من إبريل/نيسان الماضي"، وداعياً إلى النفير العام للدفاع عن الأحياء.
وكانت الحكومة السورية والجانب الكردي وقعا في الأول من إبريل الماضي اتفاقاً يقضي بخروج مقاتلي "قسد" مع أسلحتهم، بما فيها الثقيلة، من حيي الشيخ مقصود والأشرفية، ومن محافظة حلب، وأن يتولى مجلس محافظة حلب إدارة الحيين باعتبارهما جزءاً من المدينة، وبمشاركة ممثلين عن أبناء الحيين من كل المكونات. غير أن الكثير من بنود الاتفاق لم تنفذ، وهو ما قاد إلى التصعيد الحالي.
إلهام أحمد: الحكومة السورية تعاند، ولا تريد الحل
وكانت وزارة الدفاع السورية أعلنت، فجر اليوم، وقفاً لإطلاق النار في محيط أحياء الشيخ مقصود والأشرفية وبني زيد بمدينة حلب، "وذلك اعتباراً من الساعة الثالثة بعد منتصف الليل (ليل الخميس – الجمعة)"، طالبة من "المجموعات المسلحة في أحياء الشيخ مقصود والأشرفية وبني زيد مغادرة المنطقة بدءاً من الساعة الثالثة بعد منتصف الليل، على أن تنتهي المهلة في تمام الساعة التاسعة من صباح اليوم. وتمكنت قوات الجيش السوري، ليل أمس، من دخول حيي الأشرفية وبني زيد اللذين ظلّا سنوات تحت سيطرة مقاتلين تابعين لـ"قسد"، لتعلن الحكومة السورية بعد ذلك عن توصلها إلى اتفاق يقضي بإجلاء هؤلاء المقاتلين كلّيا عن المدينة اعتباراً من الساعة التاسعة صباحاً باتجاه منطقة دير حافر الواقعة تحت سيطرة "قسد" شرقي محافظة حلب.
وبالفعل، فتحت قوات الأمن الداخلي ممراً آمناً لخروج عناصر "قسد" الذين لم يعرف عددهم على وجه التحديد، بعد إزالة السواتر الترابية حول هذين الحيين، فيما تجمعت نحو 50 حافلة بالقرب من حي الشيخ مقصود الذي ظلّ تحت سيطرة مقاتلي "قسد" بعد تجمع المقاتلين هناك، لكن عناصر "قسد" هناك عمدوا إلى إطلاق النار على الحافلات، ما أدى إلى انسحابها من المنطقة لبعض الوقت قبل أن تعاود التجمع. وقال مصدر عسكري سوري لقناة "الإخبارية السورية" إنه "تمّ رصد عناصر من تنظيم حزب العمّال الكردستاني الإرهابي في حي الشيخ مقصود يحاولون تقويض الاتفاق واستهداف الجيش وقوى الأمن".
وعلى وقع تجدد التصعيد، طالب الجيش السوري أهالي حي الشيخ مقصود بإخلاء محيط خمسة مواقع قال إنه ينطلق منها قصف "قسد". كما أشارت مديرية الإعلام في حلب إلى أن الجهات الأمنية طلبت من المواطنين الالتزام بكل التعليمات الصادرة عنها بمنع التسرع بالدخول إلى المناطق، حتى تتم إزالة الألغام وفتح الطرقات بشكل كامل.
وشهدت منطقة حي الشيخ مقصود، اليوم، توتراً أمنياً متصاعداً، وإطلاق رصاص استهدف تجمعاً للصحافيين والحافلات. وقالت وكالة الأنباء السورية "سانا" إن قوات "قسد" أطلقت الرصاص باتجاه قوى الأمن الداخلي في محيط حي الشيخ مقصود، ونقلت عن مصدر عسكري، عصر اليوم، أن طائرات مسيّرة تابعة للجيش رصدت قيام "قسد" وعناصر "الكردستاني" بـ"إغلاق الطرق وإرهاب الأهالي داخل حي الشيخ مقصود ومنعهم من مغادرة الحي بهدف استخدامهم دروعاً بشرية أثناء استهدافهم قوى الجيش والأمن". من جهته، قال الأمن الداخلي "أسايش"، عصر اليوم، إن حي الشيخ مقصود يتعرض لقصف عنيف من القوات الحكومية، وإن قوات الحكومة تحاول التوغل بالدبابات في الحي "وسط مقاومة عنيفة من قواتنا".
في المقابل، قالت الرئيسة المشتركة لدائرة العلاقات الخارجية في الإدارة الذاتية لشمال وشرق سورية إلهام أحمد، لوكالة فرانس برس، اليوم: "نحن حريصون على السلم وحل المشاكل بالحوار. لكن حتى هذه الدقيقة، الحكومة تعاند، ولا تريد الحل"، مضيفة أن "الطرف الحكومي في هذه الهجمات يسعى إلى إنهاء الاتفاقات المنعقدة. نحن ملتزمون بها ونسعى لتنفيذها".
أوراق قوة للتفاوض
وكانت وزارة الدفاع سمحت بموجب اتفاق وقف إطلاق النار الذي أعلنت عنه للمسلحين المغادرين بحمل سلاحهم الفردي الخفيف فقط. وأكدت الوزارة أن هذا الإجراء يهدف إلى إنهاء الحالة العسكرية في هذه الأحياء تمهيداً لعودة سلطة القانون والمؤسسات الرسمية، وكذلك تمكين الأهالي الذين اضطروا إلى مغادرة منازلهم قسراً من العودة إليها، ليستأنفوا حياتهم الطبيعية في أجواء من الأمن والاستقرار.
انتقد البعض السماح لمقاتلي "قسد" بالخروج بسلاحهم
من جهته، رأى الصحافي والناشط السياسي المنحدر من الجزيرة السورية (شرق سورية) مهند الكاطع، في حديث لـ"العربي الجديد"، أن منطقتي الشيخ مقصود والأشرفية كانتا تمثّلان إحدى نقاط الضعف الأمنية للدولة السورية، لافتاً إلى أن "استعادة السيطرة عليهما من جانب الدولة تقوي موقفها أمنياً وسياسياً".
وانتقد بعض الأصوات سماح قوات الحكومة لمقاتلي "قسد" بالخروج بسلاحهم من حلب. وقال الناشط حسن عبد الله خلف، المنحدر من دير الزور التي تسيطر "قسد" على جزء منها، لـ"العربي الجديد"، إن على الحكومة مصارحة شعبها وتفسير كيف سمحت بـ"فتح ممر آمن لخصم مسّلح ليخرج بسلاحه الكامل وتحت حماية وزارة الدفاع إلى الجزيرة السورية، أي إلى الجغرافية نفسها التي سيعود منها ليقاتل بعد أيام أو ساعات؟". وأعرب خلف عن اعتقاده بأن العملية في حلب "ما كانت لتتم لولا وجود ضوء أخضر أميركي"، معتبراً ما جرى "رسالة أميركية لقسد بأن عليها تليين مواقفها في المفاوضات مع دمشق وإلا فإنها ستخسر أوراقها تباعاً، وأي اتفاق تحصل عليه اليوم هو أفضل من الغد، لأن الوقت ليس لصالحها". ولم يستبعد خلف أن تنقل الحكومة السورية جهدها بعد استقرار الوضع في حلب إلى مناطق شرقي محافظة حلب التي تسيطر عليها "قسد"، خصوصاً دير حافر وسدّ تشرين، ليكون التفاوض بعد ذلك بين الحكومة و"قسد" محصوراً على مناطق شرق الفرات.
وفي السياق، شهدت بعض مناطق الجزيرة السورية، ومنها بلدة سلوك، في ما سمي جمعة "طفح الكيل"، اليوم، تظاهرات طالبت الحكومة بإنهاء وجود "قسد" في الجزيرة السورية ومحاسبتها على جرائمها. كما أصدر "أبناء الجزيرة السورية والفعاليات الشعبية والثورية" بياناً ندّدوا فيه بالتوجه لنقل مسحلي قسد من حلب إلى منطقة الجزيرة السورية".
وقال عبد الوهاب خليل، ممثل "مجلس سوريا الديمقراطية" (مسد) في دمشق، لـ"العربي الجديد"، إنه عندما يعلن مجلسا الأشرفية وشيخ مقصود النفير العام ويقولان إنهم سيقاومون، هم مسؤولون عن قرارهم وهم ملتزمون باتفاق الأول من إبريل فقط. وحثّ خليل "قسد" وحكومة دمشق على العودة إلى اتفاقية الأول من إبريل، معتبراً أن القتال لا يحل الوضع في سورية أبداً.
من جهته، عبّر الصحافي الكردي جان علي، المقيم في القامشلي، عن خيبة أمله من أداء الفصائل العسكرية الكردية، رافضاً أي حلول لا تحفظ كرامة الشعب الكردي. وقال علي لـ"العربي الجديد" إنه "لا يمكن كسر الشعوب معنوياً وإخراج الحلّ السلمي المبتغى بطريقة فيها الذلّ والإهانة للشعب الكردي أو الشارع السوري الكردي".
سياسياً، شدّد الرئيس السوري أحمد الشرع، اليوم، خلال الاتصال مع البارزاني، على أن "الأكراد مكوّن أصيل وأساسي من نسيج الشعب السوري"، مؤكداً "التزام الدولة الكامل بضمان كل حقوقهم الوطنية والسياسية والمدنية على قدم المساواة مع باقي أطياف الشعب السوري، دون أي تمييز". من جهته، أعرب البارزاني، وفق وكالة "سانا"، عن "تقديره لهذه الرؤية، ودعمه لتطلعات السوريين في بناء دولة جامعة لكل أبنائها، مع الاتفاق على أهمية استمرار التنسيق والتشاور بما يخدم المصالح المشتركة، ويعزز السلم الأهلي"، وفق الرئاسة السورية.
كما أجرى الرئيس السوري اتصالين هاتفيين منفصلين مع كل من الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، والفرنسي إيمانويل ماكرون، جرى خلالهما بحث آخر تطورات الأوضاع في سورية، وسبل تعزيز الأمن والاستقرار، إلى جانب آفاق التعاون الثنائي مع كل من أنقرة وباريس، وفق الوكالة. كما أجرى وزير الخارجية التركي هاكان فيدان اتصالاً هاتفياً مع وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني، تناول آخر التطورات التي شهدتها مدينة حلب، وفق وسائل إعلام تركية.
من جهته، قال المبعوث الأميركي إلى سورية، توم براك، عقب الإعلان فجر اليوم عن الهدنة التي سرعان ما انهارت، أن الولايات المتحدة ترحب بوقف إطلاق النار المؤقت في حيي الشيخ مقصود والأشرفية بحلب، مضيفاً: "نعمل بجهد مكثف لتمديد وقف إطلاق النار في حلب إلى ما بعد المهلة المقرر انتهاؤها في التاسعة صباحاً". كما رحبت المبعوثة البريطانية الخاصة إلى سورية آن سنو بوقف إطلاق النار في حيي الأشرفية والشيخ مقصود في حلب، معربةً عن دعمها تمديده من أجل تخفيف المعاناة عن المدنيين. وأعلن الاتحاد الأوروبي أنه يتابع "بقلق بالغ" التطورات الجارية في مدينة حلب ومحيطها، لا سيما التقارير التي تفيد بسقوط ضحايا مدنيين. ودعا المتحدث باسم خدمة العمل الخارجي الأوروبي أنور العنوني "جميع الأطراف إلى ضبط النفس، وحماية المدنيين، والسعي إلى حلّ سلمي ودبلوماسي"، مشدداً على ضرورة الالتزام بالاتفاق الذي تم التوصل إليه في 10 مارس 2025.