سفالبارد… أرخبيل السلام الذي أصبح ساحة صراع قطبي

07 فبراير 2026   |  آخر تحديث: 13:21 (توقيت القدس)
علم النرويج يتوسط الشارع الرئيسي في سفالبارد، 9 مايو 2022 (جوناثان ناكستراند/فرانس برس)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- أصبح أرخبيل سفالبارد النرويجي نقطة استراتيجية في القطب الشمالي، حيث تتقاطع فيه مصالح الأمن والسيادة بين الدول الكبرى، مما دفع روسيا والصين إلى إعادة التموضع في المنطقة.
- يشهد الأرخبيل تحولاً في سلوك روسيا والصين، حيث أصبح هدفاً لأنشطة استخبارية، بينما عززت النرويج حضورها العسكري وسط مخاوف من استخدامه كمنصة مراقبة لحلف "الناتو".
- تواجه النرويج تحدياً في الحفاظ على استقرار الأرخبيل وسط التغيرات المناخية وسباق الهيمنة في القطب الشمالي بين روسيا والصين والغرب.

أصبح أرخبيل سفالبارد النرويجي منصة استراتيجية حساسة في القطب الشمالي، حيث تتقاطع فيها مصالح الأمن والسيادة وتوازن القوى. وقد عزّزت التصريحات الأميركية بشأن غرينلاند هذا الإدراك، مؤكدة أن الشمال لم يعد هامشاً جغرافياً، بل ساحة تنافس استراتيجية مفتوحة. ورغم تراجع أزمة غرينلاند لاحقاً مع جهود حلف شمال الأطلسي (الناتو)، وعودة الحديث عن القواعد الأميركية والدرع الصاروخي في الشمال، وصلت الرسالة إلى موسكو وبكين: الغرب يعزز حضوره العسكري في المنطقة، ما دفع روسيا والصين إلى إعادة التموضع في الشمال، مع التركيز بشكل خاص على سفالبارد، وفق التقييمات الأمنية النرويجية.

وتشير تقييمات أوسلو بشأن التهديد في أرخبيل سفالبارد، إلى "تحول نوعي" في سلوك روسيا والصين، وهي تقييمات مشابهة لما ذهب إليه جهاز الاستخبارات النرويجي (بي تي أس) في سبتمبر/ أيلول الماضي، حيث أصبح الأرخبيل "هدفاً لأنشطة استخبارية ورمزية ذات أبعاد سياسية بعيدة المدى". وتحذر الأجهزة النرويجية من أن هذه الأنشطة "تتجاوز الطابع المدني والثقافي، وتشكل رسائل مباشرة مرتبطة بالسياسة الاستراتيجية للمنطقة"، بحسب ما كشفت عنه هيئة البث العام النرويجية أمس الجمعة. واندفعت أوسلو في يناير/ كانون الثاني الماضي إلى تعزيز حضورها العسكري والأمني في الأرخبيل. وبات هاجس إبداء الرئيس الأميركي دونالد ترامب رغبة في السيطرة على الأرخبيل حاضراً في التفكير النرويجي، وفقاً للقناة النرويجية.

الأرخبيل، الذي كان نموذجاً للتعايش السلمي والتعاون البحثي الدولي، يتحول اليوم إلى نقطة تماس حساسة في صراع جيوسياسي أوسع، تغذيه ثلاثة عوامل متداخلة: التوتر بين روسيا و"الناتو"، صعود الصين لاعباً جديداً في القطب الشمالي، والتغيرات المناخية المتسارعة التي تعيد رسم جغرافيا الشمال.

أرخبيل سفالبارد

يقع أرخبيل سفالبارد في المحيط المتجمد الشمالي، على بعد نحو ألف كيلومتر من القطب الشمالي، ويخضع للسيادة النرويجية بموجب معاهدة 1920، التي تمنح النرويج الإدارة والسيادة القانونية، لكنها تتيح لأكثر من أربعين دولة حق السكن، والعمل، والنشاط الاقتصادي من دون تأشيرات، مع حظر أي استخدام عسكري. هذا الإطار الاستثنائي جعل من سفالبارد مساحة فريدة للتعاون الدولي والبحث العلمي، منزوعة التوترات العسكرية، لكنها معرضة لتحديات جيوسياسية مع تزايد اهتمام روسيا والصين، في ظل تغيّر المناخ وصعود المنافسة على النفوذ والموارد.

يبعد الأرخبيل نحو 1000–1200 كيلومتر عن أقصى شمال السويد والنرويج، و900 كيلومتر عن شبه جزيرة كولا الروسية، فيما تقع أقرب نقطة من سفالبارد إلى بحر بارنتيس نحو 150–200 كيلومتر جنوب شرق الأرخبيل عند الجزر الجنوبية الشرقية مثل إدجويا، ما يجعله حساساً على عتبة العمق الاستراتيجي لموسكو، ويبرر خوفها من استخدامه منصة مراقبة أو إنذار مبكر لحلف "الناتو"، وفي الوقت نفسه موقعاً مثالياً لدراسة تأثير التغير المناخي على المناطق القطبية.

مجتمع متعدد الجنسيات في أقصى الشمال

يشكّل النرويجيون الغالبية في لونغييربين، المركز الإداري والاقتصادي للأرخبيل، بينما يتركز الوجود الروسي في بلدتي بارنتسبورغ وبيراميدن، حيث تدير شركة روسية حكومية أنشطة التعدين والسياحة. هذا الحضور القانوني أصبح اليوم يخضع لتدقيق أمني متزايد، خاصة بعد الحرب في أوكرانيا، وما رافقها من توتر بين روسيا والغرب. أما الصين، فيقتصر وجودها على باحثين مؤقتين في محطة ني-أوليسوند، ويثير هذا الاهتمام تحذيرات أمنية بسبب الطموحات الصينية القطبية، والاستخدام المحتمل لمجالات البحث غطاءً لجمع معلومات استراتيجية. كذلك، تعمل دول أوروبية أخرى، بما فيها الإسكندنافية وألمانيا، على متابعة النشاط الصيني من كثب، في ظل تنامي التنافس الدولي على القطب الشمالي، واتهامات أميركية لإسكندنافيا بأنها غير مسيطرة على الوجود الصيني.

وتحذر الأجهزة النرويجية، من أن استعراض الأعلام الروسية، وشراء معدات ذات طابع أمني، وتنظيم فعاليات رمزية في بلدات مثل بارنتسبورغ تُقرأ بوصفها رسائل سياسية محسوبة. من منظور موسكو، يشكّل الأرخبيل حجر زاوية في الأمن القومي الروسي، كونه عند مدخل بحر بارنتس، الشريان الحيوي للأسطول الشمالي وغواصاته النووية. وتصرّ روسيا على استمرار وجودها هناك، رغم التدهور الحاد في العلاقات مع الغرب منذ 2022.

الصين… بوابة إلى القطب الشمالي

تسعى الصين، بتوثيق علاقاتها بموسكو، لتعزيز وجودها في الشمال ضمن استراتيجية أوسع لترسيخ النفوذ الجيوسياسي، وتأمين طرق الشحن الجديدة، والوصول إلى الموارد الطبيعية عبر ما تسميه "طريق الحرير القطبي الشمالي". ومع ذوبان الجليد المتسارع، تزداد القيمة العلمية واللوجستية للأرخبيل وعموم القطب الشمالي، خصوصاً استخراج الأتربة النادرة، ما يثير مخاوف غربية من استخدام النشاط البحثي غطاءً لأدوار استراتيجية تتجاوز العلم. فروسيا والصين يعززان التعاون في القطب الشمالي عبر مشاريع بحثية مشتركة، تبادل محطات البحث، والتنسيق في مجالات استخراج الطاقة والدفاع عن مصالحهما، في خطوة تعكس تحولات جيوسياسية عميقة قد تحدد موازين القوة في المنطقة لعقود.

النرويج بين السيادة والتهدئة والتغير المناخي

تواجه النرويج تحدياً معقداً: فهي عضو في "الناتو" (وليست في الاتحاد الأوروبي)، ولا يمكنها تجاهل عسكرة محيطها، لكنها تسعى للحفاظ على استقرار أرخبيل سفالبارد ودرء أي تصعيد قد يهدد توازنه. لذلك، شددت الرقابة على بيع الأراضي والعقارات، ورفعت مستوى التحذير من أنشطة التجسس، في محاولة لحماية السيادة من دون الانجرار إلى مواجهة مباشرة وفردية مع موسكو وبكين. ويساهم ذوبان الجليد السريع في فتح ممرات بحرية جديدة، وتسهيل حركة السفن العسكرية والغواصات، وزيادة الاهتمام بالموارد الطبيعية. وبينما يرى البعض فرصاً اقتصادية، تحذر النرويج وخبراء البيئة من أن التغير المناخي قد يحوّل الأرخبيل من مختبر علمي للتعاون الدولي، إلى ساحة صراع مفتوح، ما يضع ضغوطاً إضافية على صناع القرار المحلي والدولي.

اليوم يعكس أرخبيل سفالبارد صراعات القرن الحادي والعشرين: النفوذ، الموارد، طرق التجارة، تفسير القانون الدولي في عالم متغير مناخياً وسياسياً؛ بين روسيا التي تحمي عمقها الاستراتيجي، والصين الباحثة عن موطئ قدم قطبي، والغرب الذي يعيد حساباته الأمنية، تحاول النرويج الحفاظ على الأرخبيل منطقة سلام، في زمن أصبح فيه السلام في القطب الشمالي استثناءً لا قاعدة، وسط سباق عالمي متسارع للهيمنة فيه.