عشية مفاوضات أوكرانيا... ضربات روسية تنهي هدنة ترامب
استمع إلى الملخص
- أظهر استطلاع رأي أن 52% من الأوكرانيين يعارضون تقديم تنازلات لروسيا بشأن الأراضي، رغم الظروف الصعبة الناتجة عن الهجمات، ويصر الرئيس زيلينسكي على عدم التخلي عن المناطق الخاضعة لسيطرة كييف.
- تركز الاستراتيجية الروسية على تدمير البنية التحتية الأوكرانية واستنزاف القوات المسلحة، مع محاولة إقناع الولايات المتحدة بالتعاون لحل الأزمة دون الأوروبيين، ولا توجد مؤشرات على قبول السلام.
عشية جولة جديدة مقررة من المفاوضات بين أوكرانيا وروسيا، اليوم الأربعاء، في أبوظبي، أكدت روسيا انتهاء هدنة قصيرة ضد قطاع الطاقة في أوكرانيا، وشنّت هجوماً ضخماً على مرافق الطاقة في عدة مدن أوكرانية، وسط درجات حرارة منخفضة جداً يضطر فيها الأوكرانيون إلى العيش من دون تدفئة وكهرباء. وشنت القوات الروسية، ليل الثلاثاء ـ الأربعاء، واحدة من أضخم الضربات على أوكرانيا في العام الحالي، مستخدمةً أكثر من 500 طائرة مسيرة وصاروخ. ووفقاً لتصريحات السلطات الأوكرانية، انقطعت التدفئة عن أكثر من ألف مبنى سكني في كييف خلال ذروة موجة البرد القارس. وأعلن الجيش الأوكراني أن روسيا أطلقت 71 صاروخاً و450 مسيرة على عدة مقاطعات، وان الدفاع الجوي أسقط أو عطّل 38 صاروخاً و412 طائرة مسيرة. وذكرت القوات الجوية الأوكرانية أن هجوم ليل الثلاثاء ـ الأربعاء، كان الأضخم منذ 27 ديسمبر/كانون الأول الماضي، حين استخدمت روسيا 559 صاروخاً وطائرة مسيرة. وأُصيب ثلاثة أشخاص في كييف، وتضررت مبانٍ سكنية وروضة أطفال وسيارة. وقال عمدة مدينة كييف فيتالي كليتشكو، إن التدفئة انقطعت عن سكان 1170 مبنى سكنياً في منطقتين بالعاصمة.
في منطقة فينيتسا، وسط البلاد، تضررت البنية التحتية الحيوية، مما أدى إلى انقطاع التيار الكهربائي عن حوالي 50 قرية وبلدة، وفقاًَ لناتاليا زابولوتنا، رئيسة الإدارة العسكرية المحلية. وتعرضت خاركيف لهجوم استمر لأكثر من ثلاث ساعات، وأُصيب شخصان. واستهدف الهجوم منشآت الطاقة، مما أدى إلى انقطاع التدفئة عن 820 منزلاً، حسب السلطات المحلية.
بلغت درجات الحرارة 28 درجة تحت الصفر في عدة مناطق
استهداف منشآت الطاقة
واستهدفت الغارات ثماني مناطق في أوكرانيا، وفقاً لوزير الطاقة الأوكراني دينيس شميهال، الذي أكد أن الغارات استهدفت محطات توليد الطاقة والحرارة المشتركة التي كانت تعمل حصراً لأغراض التدفئة، وأن "الأهداف ليست عسكرية". وأشار إلى أن الأهداف "مدنية بحتة: مئات الآلاف من العائلات، بمن فيهم أطفال، تُركوا عمداً من دون تدفئة خلال أشدّ موجات الصقيع الشتوية، عندما تصل درجة الحرارة الخارجية إلى 25 درجة مئوية تحت الصفر". وأعلنت أكبر شركة أوكرانية خاصة مزودة للطاقة، وهي شركة "دي تي إي كاي"، أمس الثلاثاء، أن الهجوم كان الأعنف منذ مطلع العام الحالي.
وذكرت قناة "ماش" الروسية الموالية للكرملين على تطبيق تليغرام، أن الهجوم يعد الأضخم على منشآت الطاقة الأوكرانية منذ بداية العام الحالي. وكشفت القناة أن الهجمات استهدفت محطة توليد الطاقة الحرارية رقم 6 في خاركيف، ومحطة بريدنيبروفسكا الحرارية في دنيبرو، ومحطة تريبيلسكا الحرارية في منطقة كييف، ومحطة دارنيتسكا الحرارية في كييف، بالإضافة إلى محطات فرعية في مناطق كييف وخاركيف وأوديسا. وتتعرض معظم مناطق أوكرانيا منذ أسابيع إلى موجة صقيع، وحسب التوقعات فإن درجات الحرارة، أمس الثلاثاء، واليوم الأربعاء، بلغت 28 درجة تحت الصفر في عدة مناطق، وأن الحرارة في كييف بلغت 19 درجة تحت الصفر، وخاركيف 24 تحت الصفر. وحسب الأرصاد الجوية، فإن درجات الحرارة سترتفع تدريجياً اعتباراً من غداً الخميس.
وجاءت الضربات قبل يوم من جولة المحادثات بين روسيا وأوكرانيا والولايات المتحدة، التي ستُعقد اليوم الأربعاء وغداً الخميس في أبوظبي، والتي كان من المقرر أصلاً عقدها الأحد الماضي. وكان الرئيس الأميركي دونالد ترامب أعلن الخميس الماضي أن نظيره الروسي فلاديمير بوتين وافق على طلبه لوقف الضربات على مرافق الطاقة في كييف ومدن أخرى لمدة أسبوع بسبب موجة الصقيع، ولاحقاً أكد الكرملين الهدنة، وقال إنها تنتهي الأحد الماضي. وعادة تستبق روسيا جولات المفاوضات أو اجتماعات دعم أوكرانيا بتوجيه ضربات عسكرية على الأراضي الأوكرانية. ومن الواضح أن الهجمات الجديدة، تهدف أساساً إلى إضعاف الروح المعنوية للأوكرانيين، ودفعهم إلى تقبّل فكرة التخلي عن الأراضي والضغط على قياداتهم لوقف الحرب وفق الشروط الروسية.
ورغم أن استهداف قطاع الطاقة بشكل عنيف في الشهرين الأخيرين أجبر ملايين الأوكرانيين على العيش في ظروف قاسية، مع موجات تقنين الكهرباء، وانعدام المياه الساخنة والتدفئة في أشد فترات البرد، فإن أكثر من نصف الأوكرانيين (52%) يعارضون تقديم تنازلات في موضوع الأراضي لروسيا مقابل ضمانات أمنية، وفقاً لاستطلاع رأي أجراه معهد كييف الدولي لعلم الاجتماع. في المقابل، أعرب 40% من المستطلعة آراؤهم عن استعدادهم لتسليم أراضٍ أوكرانية للسيطرة الروسية، مع أن الكثيرين وصفوا القرار بالصعب. واستطلع المعهد آراء نحو ألف أوكراني بين 23 يناير/كانون الثاني الماضي و29 منه، بعد موجات سابقة من الهجمات القوية على مرافق الطاقة. وكشفت النتائج أن الهجمات لم تغير كثيراً في آراء الأوكرانيين بشأن شروط التسوية، ففي كييف تحديداً، التي عانت أكثر من غيرها من القصف، يعتبر 59% من المستطلعين أن تسليم دونباس (تضم إقليمي لوغانسك ودونيتسك) أمراً غير مقبول، بينما يبدي 31% استعدادهم لقبول مطالب روسيا. أما في غرب البلاد، فيرفض 57% التنازلات رفضاً قاطعاً، بينما يرى 38% أنها مقبولة. في وسط وشمال البلاد، بلغت نسبة المعارضين 49% والمؤيدين 42%؛ وفي الجنوب، بلغت النسبة 49% و44% على التوالي؛ وفي الشرق، بلغت 50% و39% على التوالي.
وتعد قضية انسحاب أوكرانيا من مناطق في غرب دونباس واحدة من أصعب القضايا المطروحة للتفاوض على إنهاء الحرب منذ الصيف الماضي. وصرّح بوتين بأن انسحاب القوات الأوكرانية من دونباس بحلول يونيو/حزيران 2025 شرطٌ لإنهاء الحرب. وكرّر هذا المطلب خلال لقائه ترامب في ألاسكا في 15 أغسطس/آب الماضي. في المقابل، شدّد الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي على أن كييف "لن تتخلى تحت أي ظرف من الظروف" عن الجزء الخاضع لسيطرتها من دونباس. ومنذ الصيف الماضي، حققت روسيا مكاسب تكتيكية كبيرة على طول خط التماس، إلا أنه لا توجد أي مؤشرات على تحقيق اختراق عملياتي أو استراتيجي كبير. وتأمل روسيا في إنجاز هدفها الاستراتيجي المتمثل في إخضاع أوكرانيا.
ويبدو أن الاستراتيجية الروسية الحالية ترتكز إلى عدة أعمدة أهمها، تدمير البنية التحتية المدنية الأوكرانية وزيادة معاناة السكان طالما استمروا في المقاومة. أما الثاني فهو استنزاف القوات المسلحة الأوكرانية إلى حد يعجزها عن الدفاع الفعّال عن كامل الجبهة، والاستيلاء على الحدود الإدارية للمقاطعات الأوكرانية التي ضمتها روسيا في عام 2022. كما تعمل روسيا على إقناع الولايات المتحدة بالتعاون في شكل ثنائي لحل لإنهاء الحرب في أوكرانيا من دون مشاركة الأوروبيين، وتقدم إغراءات اقتصادية لإدارة ترامب، ولا تعمل على تعطيل مخططاتها للاستيلاء على نصف الكرة الأرضية الغربي، مقابل السماح لها بمناطق نفوذ خاصة بها في أوكرانيا على وجه التحديد.
52 % من الأوكرانيين يعارضون تقديم تنازلات
أوكرانيا تخشى فقدان دونباس
وفيما بدا واضحاً نجاح روسيا في العمل مع ترامب الذي أوقف الدعم العسكري لأوكرانيا، وتبنّى معظم مطالب الكرملين، وربط تقديم الضمانات الأمنية لأوكرانيا بالانسحاب من دونيتسك بالكامل، فإن التقدم الروسي على الأرض ما زال محدوداً. وبحسب قناة "ديب ستيت" على تطبيق تليغرام، التابعة لوزارة الدفاع الأوكرانية، فقد سيطر الجيش الروسي حتى مطلع عام 2026 على 78.1% من منطقة دونيتسك و99.6% من منطقة لوغانسك. ووفقاً لتقرير لمعهد دراسات الحرب في نهاية عام 2025، سيطرت القوات الروسية العام الماضي على 4831 كيلومتراً مربعاً في أوكرانيا، واستعادت نحو 473 كيلومتراً مربعاً كانت القوات الأوكرانية قد استولت عليها في مقاطعة كورسك عام 2025. وبلغت المكاسب الروسية في أوكرانيا 0.8% من مساحتها. وكانت القوات الروسية قد سيطرت على 3604 كيلومترات مربعة في أوكرانيا عام 2024.
وعشية جولة مفاوضات أبوظبي، لا توجد مؤشرات على أن أياً من الطرفين بلغ درجة من الإنهاك تدفعه إلى قبول السلام. أوكرانيا تخشى التخلي عن مناطق في دونباس وحصول غزو روسي مستقبلي. أما الكرملين، فلن يقبل أي تسوية من دون تحقيق أقصى أهدافه، وما لم يحدث اختراق استراتيجي كبير، فإن القتال يتجه إلى الاستمرار، أو حتى زيادة حدته، في العام الحالي في حال زيادة دعم الأوروبيين لأوكرانيا أو تقلب مزاج ترامب.