"غرينلاند… قريباً" منشور بعد غزو فنزويلا يوسّع دائرة القلق في كوبنهاغن ونوك

04 يناير 2026   |  آخر تحديث: 17:36 (توقيت القدس)
علما الدنمارك وغرينلاند في مدينة إيلوليسات، 11 مارس 2025 (Getty)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- أثارت العملية العسكرية الأميركية في فنزويلا واختطاف نيكولاس مادورو قلقاً دولياً، خاصة بعد نشر صورة لغرينلاند ملفوفة بالعلم الأميركي، مما أثار غضب الدنمارك وغرينلاند.
- رد السفير الدنماركي في واشنطن يعكس تحولاً في السياسة الدنماركية نحو المواجهة الكلامية مع واشنطن، وسط مخاوف من تكرار سيناريو فنزويلا في غرينلاند.
- يُنظر إلى التدخل الأميركي في فنزويلا كجزء من إحياء "مبدأ مونرو"، مع قلق غرينلاند من تآكل السيادة السياسية بفعل الضغوط الأميركية.

لم يكد الغبار ينقشع عن العملية العسكرية الأميركية الواسعة في فنزويلا واختطاف رئيسها نيكولاس مادورو، حتى انتقلت أصداء الحدث إلى أقصى شمال الأطلسي. ففي توقيت بالغ الدلالة، نشرت كاتي ميلر، المسؤولة السابقة في إدارة دونالد ترامب وزوجة أحد أبرز مستشاريه، ستيفن ميلر، صورة لغرينلاند ملفوفة بالعلم الأميركي، مرفقة بكلمة واحدة: "قريباً". وهو ما أشعل موجة غضب وتعليقات حادة من دنماركيين وغرينلاديين.

المنشور، الذي حصد ملايين المشاهدات خلال ساعات، لم يُقرأ في غرينلاند والدنمارك بوصفه استفزازاً عابراً على وسائل التواصل الاجتماعي، بل إشارة سياسية رمزية جاءت بعد أقل من 24 ساعة على تدخل عسكري أميركي ضد دولة ذات سيادة في نصف الكرة الغربي. ورغم الاختلاف الجوهري بين فنزويلا وغرينلاند من حيث النظام السياسي والانتماءات الدولية، إلّا أن التوقيت وحده كان كافياً لإثارة تساؤلات وقلق واسع.

بين الرمزية والسياسة

لا تشغل كاتي ميلر منصباً رسمياً حالياً، غير أنّ موقعها في الدائرة القريبة من ترامب، وسجلها السابق داخل الإدارة الجمهورية، يمنحان منشوراتها وزناً يتجاوز كونها رأياً شخصياً، وهو ما دفع السفير الدنماركي في واشنطن، يسبر مولر سورنسن، إلى الرد العلني، في خطوة غير مألوفة دبلوماسياً، شدد فيها على أن الدنمارك والولايات المتحدة حليفتان، وأن أمن القطب الشمالي يُدار ضمن إطار حلف شمال الأطلسي، مع تأكيد صريح "للاحترام الكامل لسيادة مملكة الدنمارك ووحدة أراضيها".

ويرى باحثون دنماركيون أن الرد العلني على منشورات شخصيات مقرّبة من ترامب يعكس تحوّلاً في المقاربة الدنماركية، من سياسة الترقب والصمت إلى المواجهة الكلامية المباشرة، خصوصاً حين يصدر الاستفزاز من محيط القرار في واشنطن، حتى وإن جاء من خارج السلطة رسمياً.

وأعاد التدخل الأميركي في فنزويلا واختطاف رئيسها تنشيط المخاوف المرتبطة بملف غرينلاند في كوبنهاغن ونوك، إذ لم يُنظر إلى ما جرى في كاراكاس بوصفه حدثاً معزولاً، بل بصفته مؤشراً على استعداد واشنطن لاستخدام أدوات الضغط الخشن متى اعتبرت أن مصالحها الاستراتيجية مهددة. ويأتي ذلك في ظل إصرار الرئيس دونالد ترامب، منذ سنوات، على أن الولايات المتحدة "بحاجة إلى غرينلاند" لأسباب تتعلق بالأمن القومي، مستنداً إلى موقعها الحيوي في القطب الشمالي وأهميتها في سياق التنافس مع روسيا والصين.

ورغم الفوارق الواضحة بين الحالتين؛ فنزويلا دولة على خلاف طويل مع واشنطن، فيما تتمتع غرينلاند بحكم ذاتي، ونظام ديمقراطي، وعضوية أطلسية، إلّا أن التصعيد في كاراكاس، وما رافقه من خطاب أميركي حاد، دفع محللين وصحافيين غرينلانديين إلى التساؤل عن حدود ما يمكن أن تفعله الولايات المتحدة عندما تُدرج قضية ما ضمن إطار "الأمن القومي". وفي هذا السياق، شددت القيادات الدنماركية والغرينلاندية على أنّ الجزيرة ليست للبيع وأن مستقبلها يحدده سكانها، فيما عبّر الاتحاد الأوروبي عن قلقه من أي مساس بتوازن القطب الشمالي، مؤكداً أن احترام السيادة يبقى مبدأ غير قابل للتأويل، حتى في زمن تعود فيه السياسة الخشنة إلى الواجهة.

في نوك وكوبنهاغن، تتابع وسائل الإعلام ومنصات التواصل ما جرى في فنزويلا بوصفه تطوراً يتجاوز حدوده الجغرافية، وهو ما عكسته عبارة تكررت على نطاق واسع: "اليوم فنزويلا، وغداً غرينلاند". هذا الربط لا يقوم على تشابه سياسي بقدر ما يعكس خشية متزايدة من سهولة لجوء واشنطن إلى القوة لتحقيق أهدافها الاستراتيجية.

ويجد هذا القلق صدى لدى بعض أطراف اليسار الدنماركي، الذين يرون أن غياب المحاسبة بعد التدخل الأميركي في فنزويلا قد يُفسَّر كضوء أخضر لمغامرات جديدة، محذرين من أن ذلك قد يفتح المجال أمام ضغوط على غرينلاند، ويمنح موسكو وبكين إشارات مقلقة في أوكرانيا وتايوان، وهو ما أكده القيادي في حزب اللائحة الموحدة وعضو البرلمان الأوروبي السابق، نيكولاي فيلومسن لـ"العربي الجديد"، وشدد على أن الحكومة الدنماركية تتحمل مسؤولية التراخي مع واشنطن.

في المقابل، يؤكد صحافيون ومحللون غرينلانديون أن المقارنة بين الحالتين تبقى محدودة، لكنها مع ذلك أعادت فتح نقاش أعمق حول مدى استعداد الولايات المتحدة لاستخدام القوة أو أدوات الإكراه السياسي في محيطها الجغرافي. وكان تحذير استخباراتي عسكري دنماركي صدر قبل أسابيع قليلة قد أشار إلى أن الولايات المتحدة باتت تستخدم قوتها الاقتصادية والعسكرية لفرض إرادتها "على الأعداء والأصدقاء على حد سواء"، وهو ما يُنظر إليه في كوبنهاغن بوصفه نمطاً قد يمتد إلى مناطق استراتيجية مثل القطب الشمالي.

مبدأ مونرو… بوجه جديد

يضع مراقبون هذه التطورات في سياق أوسع، مرتبط بما يعتبرونه إحياءً حديثاً لـ"مبدأ مونرو"، الذي ينظر إلى نصف الكرة الغربي بوصفه مجالاً حيوياً حصرياً للنفوذ الأميركي. تصريحات ترامب المتكررة عن أهمية غرينلاند للأمن القومي، وعدم استبعاده اللجوء إلى وسائل قسرية، جعلت الجزيرة جزءاً من هذا النقاش الجيوسياسي المتجدد.

 

الهجوم على فنزويلا، وفق هذا المنظور، لا يُقرأ عمليةً منفصلةً، بل بوصفه رسالة سياسية مفادها أن واشنطن مستعدة للذهاب بعيداً في فرض رؤيتها، سواء تحت عنوان "إنفاذ القانون"، أو "الأمن القومي"، أو "حماية المصالح الاستراتيجية".

الخوف: من الحرب أم من تآكل القرار؟

لا تتوقع الغالبية في غرينلاند سيناريو غزو عسكري مباشر، لكن القلق الأعمق يتمحور حول مسألة أخرى: تآكل هامش القرار السياسي السيادي على المدى البعيد. فحين تتحول منطقة ما إلى أولوية استراتيجية للولايات المتحدة، غالباً ما يترافق ذلك مع توقعات بالاصطفاف السياسي والقبول بشروط أمنية واقتصادية قد تُقيد السيادة الفعلية تدريجياً. بهذا المعنى، لم تكن صورة "غرينلاند… قريباً" مجرد استفزاز بصري، بل شرارة أعادت طرح سؤال أكبر في نوك وكوبنهاغن: إلى أي مدى يمكن لكيان صغير، مهما كانت تحالفاته، أن يشعر بالأمان في عالم تُعاد فيه صياغة موازين القوة بمنطق الأمر الواقع؟. إذ إنّ ما جرى في فنزويلا، وما تلاه من إشارات ورموز، لم يغيّر واقع غرينلاند بين ليلة وضحاها، لكنه بلا شك رفع منسوب اليقظة والتوجس تجاه الحليف الأميركي، ولم تعد القضية تتعلق بجزيرة في القطب الشمالي فحسب، بل بسؤال أوسع عن مستقبل النظام الدولي، وحدود القوة، ومكانة السيادة في زمن تعود فيه السياسة الخشنة إلى الواجهة.