قطع ستارلينك عن الجيش الروسي: حرب أوكرانيا أكثر كلفة واستنزافاً
استمع إلى الملخص
- تباطأ التقدم الروسي بشكل ملحوظ بعد قطع خدمة ستارلينك، مما أتاح لأوكرانيا استعادة أراضٍ كبيرة، حيث واجهت القوات الروسية صعوبات في التنسيق والاتصالات.
- فرضت "سبيس إكس" قيودًا على استخدام ستارلينك من قبل القوات الروسية، مما ساهم في تباطؤ التقدم الروسي وزيادة كلفة الحرب البشرية والاقتصادية.
عادت شبكة أقمار ستارلينك للإنترنت الفضائي لتتصدر المشهد مرة أخرى، مع اقتراب الحرب الروسية على أوكرانيا من إنهاء عامها الرابع في 24 فبراير/شباط الحالي، وتوسع استخدام الإنترنت ليشمل توجيه ضربات الطائرات المسيرة في الوقت الفعلي، بعدما اقتصر سابقاً على تبادل المعلومات بين مراكز القيادة. ومنذ مطلع شهر فبراير الحالي، تواردت أنباء عن تنسيق بين القيادات العسكرية الأوكرانية والملياردير الأميركي إيلون ماسك
، صاحب شركة "سبيس إكس" المشغلة محطات ستارلينك، من أجل قطع الاتصالات عن عشرات آلاف المحطات التي يستخدمها الجيش الروسي في حربه على أوكرانيا، على خلفية استغلالها في طائرات مسيّرة ضربت أهدافاً متحركة لوجستية وعسكرية على خطوط المعارك وبعيداً عنها.وفيما سعت الجهات الرسمية الروسية إلى التقليل من أهمية قطع المحطات على سير الأعمال القتالية، كشفت تقارير أن التقدم الروسي على الأرض تباطأ في منذ مطلع الشهر الحالي، وأن أوكرانيا شنّت هجمات مضادة "تكتيكية" في بعض المحاور مستغلة تأثير قطع ستارلينك على التنسيق بين القوات الروسية. واستعادت أوكرانيا من روسيا مساحة قدرها 201 كيلومتر مربع، بين الأربعاء والأحد من الأسبوع الماضي، مستغلة تعطيل خدمة ستارلينك، وفق تحليل أجرته وكالة فرانس برس استناداً إلى بيانات معهد دراسة الحرب، ونُشر أمس الثلاثاء.
المساحة المستعادة تكاد تُعادل ما حقّقته روسيا من مكاسب ميدانية في ديسمبر/ كانون الأول الماضي، وهي الكبرى التي استعادتها قوات كييف خلال أيام قليلة منذ الهجوم المضاد الذي شنّته في يونيو/ حزيران 2023. ورجّح معهد دراسة الحرب أن "الهجمات الأوكرانية المضادة تستفيد من الحظر الذي فُرض لمنع القوات الروسية من استخدام (نظام) ستارلينك، والذي يقول مدوّنو الحرب الروس إنه يسبّب مشكلات على مستوى الاتصالات والقيادة والسيطرة في ساحة المعركة". وتقع غالبية الأراضي المستعادة على بعد نحو 80 كيلومتراً إلى الشرق من مدينة زابوريجيا، في منطقة أحرزت فيها القوات الروسية تقدّماً كبيراً منذ صيف 2025.
دور ستارلينك في حرب أوكرانيا
وبرز الدور المهم لمحطات ستارلينك منذ مطلع مارس/ آذار 2022، وساهمت في توفير اتصالات آمنة ومتطورة للجيش الأوكراني، مكّنته من تجاوز تأثير الضربات الروسية المركزة بداية الحرب على الاتصالات في أوكرانيا. وفي خريف 2022، عادت ستارلينك إلى الواجهة مرة أخرى بعد تعطُّل عدد من المحطات في أكتوبر/ تشرين الأول 2022، وتلويح ماسك بأنه سيتوقف عن تمويل الجيش الأوكراني مجاناً بخدمات ستارلينك التي قدرها حينها بأكثر من 80 مليون دولار، وطالب وزارة الحرب الأميركية (البنتاغون) بتمويل عمل المحطات لاحقاً، التي قدّر قيمتها بنحو 400 مليون دولار في عام 2023، في حال تزويد أوكرانيا بمحطات جديدة طلبتها من شركته.
كشف فيدوروف أن أوكرانيا و"سبيس إكس" تعملان على الخطوات التالية
وحينها، ربط محللون بين تعطل محطات ستارلينك وطلب ماسك التمويل من "بنتاغون" وبين فتور في علاقات ماسك مع المسؤولين الأوكرانيين، بعد رفضهم المطلق لاقتراحات تقدم بها لتسوية سياسية قال إنها ستجنب اندلاع حرب عالمية ثالثة. وفي مطلع الشهر الحالي، قال ماسك في تغريدة على منصة إكس إن شركة "سبيس إكس" اتخذت خطوات "فعّالة" لوقف استخدام القوات الروسية خدمةَ ستارلينك بناء على طلب أوكرانيا. ودعا السلطات الأوكرانية إلى إبلاغ الشركة بأي إجراءات إضافية ضرورية. ورداً على تصريح ماسك، أشاد وزير الدفاع الأوكراني ميخايلو فيدوروف بالخطوات الأولى التي اتخذتها "سبيس إكس"، وقال إنها حققت "نتائج ملموسة"، وكشف أن أوكرانيا و"سبيس إكس" تعملان على الخطوات التالية.
وجاءت تصريحات ماسك وفيدوروف في أعقاب تقارير حديثة تفيد بأن القوات الروسية، بمن فيها عناصر من وحدة الحرب الخاصة بالطائرات المسيّرة التابعة لوزارة الدفاع الروسية "روبيكون"، تستخدم محطات ستارلينك لتوسيع نطاق طائرات بي إم ـ 35 الهجومية من دون طيار وطائرات مولنيا-2 الرخيصة ذات الأجنحة الثابتة والمزودة بتقنية الرؤية من منظور الشخص الأول (FPV)، لتنفيذ ضربات جوية متوسطة المدى ضد الخطوط الخلفية الأوكرانية بدءاً من أواخر ديسمبر الماضي. وتزامناً مع تصريحات ماسك، تداول مدونون روس على قنوات "زد" الداعمة للحرب أنباء عن أن مشغلي الطائرات المسيرة الروسية واجهوا انقطاعاً في إشارة ستارلينك عند تحليق طائراتهم بسرعات تتراوح بين 75 و90 كيلومتراً في الساعة. وأشار المدونون إلى أن هذه القيود أثرت على طائرات شاهد ومولنيا وبي إم ـ 35 الهجومية، وتسببت في اضطرابات كبيرة للطائرات المسيرة الروسية المزودة بخدمة ستارلينك.
وبدا أن الاتصالات بين العسكريين الأوكرانيين وشركة "سبيس إكس" أثمرت اتفاقات وترتيبات تحدّ من قدرة روسيا على استخدام عشرات الآلاف من محطات ستارلينك، حصلت عليها عن طريق التهريب من بلدان مثل اليونان وسنغافورة وصربيا وغيرها منذ بداية 2023. وفي الرابع من فبراير الحالي، أفاد مدونون عسكريون روس موالون للكرملين بأنّ قوات الخطوط الأمامية الروسية فقدت إمكانية الوصول إلى الإنترنت الفضائي عبر ستارلينك. ومن الواضح أن قطع الخدمات عن محطات ستارلينك تستخدمها روسيا جاء تتويجاً لمباحثات تقنية طويلة لايجاد أنجع السبل لتعطل عمل المحطات المهرّبة إلى روسيا في داخل أوكرانيا، من دون إعاقة عمل الجيش الأوكراني في الأراضي التي تحتلها روسيا من أوكرانيا، خصوصاً مع وجود محطات غير مرخصة أيضاً يستخدمها الأوكرانيون في الاتصالات المدنية وحتى العسكرية.
واتخذت أوكرانيا إجراءات لتحديد محطات ستارلينك التي يستخدمها الجيش الأوكراني، وأعلن وزير الدفاع الأوكراني ميخايلو فيدوروف، في الثاني من فبراير الحالي، أن الحكومة الأوكرانية اعتمدت قراراً يقضي بالسماح فقط لمحطات ستارلينك المسجلة والموثقة رسمياً بالعمل في أوكرانيا، وفصل جميع المحطات الأخرى. وأوضح فيدوروف أن الطائرات الروسية المسيرة المزودة بمحطات ستارلينك تحلّق على ارتفاعات منخفضة، متجاوزة الدفاعات الإلكترونية الأوكرانية، ويمكن التحكم بها في الوقت الفعلي من مسافات بعيدة. وأشار فيدوروف إلى أن الجيش الأوكراني سيسجل محطات ستارلينك الخاصة به، وأن الإجراءات التي تسمح فقط بتشغيل محطات ستارلينك المصرح بها في أوكرانيا ستحرم القوات الروسية من المزايا التكنولوجية، وتحمي البنية التحتية للطاقة في أوكرانيا. ولم يحدد فيدوروف إطاراً زمنياً تقديرياً للمدة التي سيتعين على الأوكرانيين خلالها تسجيل محطات ستارلينك الخاصة بهم والتحقق منها.
وفي العامين الأولين من الحرب، طوّر الجيش الأوكراني نظاماً متكاملاً للاتصالات والتحكم باستخدام عشرات آلاف محطات ستارلينك التي تبرعت بها شركة "سبيس إكس". وشمل ذلك شبكات لتبادل المعلومات، وقيادة وتحكم القوات، ومنذ مطلع عام 2023، نظام تحكم للطائرات المسيّرة البحرية والجوية بعيدة المدى. وتجب الإشارة إلى أن ستارلينك لا تعمل في الأراضي الروسية، ما يعني أن أوكرانيا لا تستخدمها لتوجيه المسيرات بعيدة المدى في العمق الروسي. واستخدمت القوات الروسية في الخطوط الأمامية ستارلينك لبث لقطات من الطائرات المسيّرة مباشرة إلى مراكز القيادة الخلفية، ومن ضمنها مقار الوحدات الواقعة بعيداً خلف الجبهة. وغالباً ما تُنقل هذه البيانات عبر منصة "ديسكورد"، وهي منصة تواصل مخصّصة للاعبين حظرتها روسيا رسمياً عام 2024. وأتاحت اتصالات ستارلينك الالتفاف على إجراءات التشويش الرسمية، وأصبح النقل المباشر من الطائرات المسيّرة إلى مقار القيادة أساساً لتكتيكات الاستطلاع والهجوم الروسية. وكان قادة مجموعات الاقتحام يراقبون اللقطات الحية ويوجهون الجنود الأفراد في الوقت الفعلي، عبر أجهزة اللاسلكي أو الرسائل الفورية المرسلة عبر منصة تليغرام، كما في ألعاب الفيديو.
ومع عجز الروس عن القضاء بشكل كامل على الدفاعات الجوية الأوكرانية في بداية الحرب والمساعدات الغربية، حُرم الجيش الروسي من استخدام الطائرات بحرية فوق أراضي أوكرانيا. وطور الروس قنابل انزلاقية موجهة بنظام غلوناس الروسي لتحديد المواقع. ومكّنت هذه القنابل الموجّهة الطائرات الروسية فعلياً من منع تركّز القوات الأوكرانية على طول خط الجبهة. وفي الوقت نفسه، استخدمت روسيا صواريخ إسكندر الباليستية لضرب أهداف ثابتة في العمق. في المقابل، كان الجيش الروسي يفتقر، حتى وقت قريب، إلى الوسائل اللازمة لضرب الأهداف المتحركة، لا سيما تلك "منخفضة القيمة" نسبياً التي لا تبرر كلفة استخدام صواريخ باهظة الثمن. وأتاح ذلك للجيش الأوكراني نقل وإمداد ألوية كاملة على الخطوط الأمامية عبر الطرق والسكك الحديدية. وحاولت القوات الروسية استئناف الضربات خلف خطوط الجبهة الأوكرانية باستخدام طائرات لانسيت المسيّرة باهظة الثمن، ومسيرات غيران ـ 2 الهجومية الأقوى بكثير، والمزوّدة بأجهزة مودم محمولة وبطاقات SIM أوكرانية. وردّت أوكرانيا على ذلك بتصفية حركة الاتصالات الخلوية لرصد وتعطيل بطاقات SIM التي تتحرك بسرعات عالية.
وأخيراً، في خريف عام 2025، طوّرت وحدة الحرب بالطائرات المسيّرة التابعة لوزارة الدفاع الروسية، المعروفة باسم "روبيكون"، حلاً جديداً تمثل في الإنتاج المكثف لمسيرات "مولنيا ـ 2" منخفضة الكلفة ذات الأجنحة الثابتة، بعد تزويدها بهوائيات ستارلينك ومحركات وبطاريات إضافية. وأتاح ذلك لها مطاردة أهداف على عمق يتراوح بين 20 و80 كيلومتراً خلف الخطوط الأوكرانية. نقطة التحول في البحث عن طرق حظر محطات ستارلينك التي يستخدمها الروس بدأت حين شرعت روسيا باستخدام طائرات غيران المسيّرة المزوّدة بهوائيات ستارلينك لضرب أهداف عسكرية وبنى تحتية للنقل، بما في ذلك القاطرات والقطارات، في العمق القريب.
ستارلينك لا تعمل في الأراضي الروسية
وخلال الأسابيع الأخيرة، نُشرت طائرات مسيّرة مجهّزة بستارلينك في هجمات واسعة على طريق دنيبرو ـ بوكروفسك السريع، الشريان الأساسي لإمداد القوات الأوكرانية في دونباس (يضمّ إقليمي لوغانسك ودونيتسك)، واستُخدمت في محاولات ضرب طائرات أوكرانية في المطارات، وأصابت إحداها نموذجاً تمويهياً لطائرة إف 16. وفي ظل هذه التطورات، توجّه فيدوروف بطلب مساعدة إلى شركة "سبيس إكس" التابعة لماسك. وبالتوازي مع حصر محطات ستارلينك التي يستخدمها الأوكرانيون، فرضت "سبيس إكس" حداً للسرعة على محطات ستارلينك في أوكرانيا، فإذا تجاوز الجهاز سرعة 90 كيلومتراً في الساعة لمدة دقيقتين، يعاد تشغيله تلقائياً. ويؤدي ذلك فعلياً إلى منع استخدام ستارلينك على المسيّرات الهجومية الروسية عالية السرعة. وبعد حظر محطات ستارلينك التي يستخدمها الجيش الروسي، حُرمت القوات الروسية من القدرة على تنفيذ مهام الاستطلاع والضربات، وأعاقت التواصل بين المجموعات، ما انعكس سلباً على العمليات الهجومية الروسية.
تقدم روسي بطيء
وحسب تقرير معهد دراسات الحرب أمس الاثنين، تباطأ تقدم القوات الروسية في الفترة ما بين مطلع الشهر الحالي ومنتصفه إلى 203 كيلومترات مربعة فقط، من ضمنها 73 كيلومتراً فقط في الأسبوع الأخير. وللمقارنة، سيطرت القوات الروسية على 141 كيلومتراً في الأسبوع الممتد من 25 إلى 31 يناير/كانون الثاني الماضي. وذكر المراقب العسكري الأوكراني كوستيانتين ماشوفيتس، في قناته على "تليغرام"، أول من أمس الأحد، أن وتيرة التقدم الروسي في اتجاهي أوليكساندريفكا وهوليايبولي بدأت تتباطأ منذ الثامن من فبراير الحالي تقريباً، وتوقفت إلى حد كبير منذ ذلك الحين. وقدّر ماشوفيتس أن القوات الأوكرانية تمكنت من الحد بشكل ملحوظ من التقدم الروسي في قطاعات ضيقة قليلة من اتجاهي أوليكساندريفكا وهوليايبولي، ما أدى إلى تراجع القوات الروسية مسافة تتراوح بين 9 و9.5 كيلومترات في بعض المناطق.
ومن المستبعد أن يؤدي حظر عمل محطات ستارلينك التي يستخدمها الجيش الروسي إلى تغييرات جذرية في مسار الحرب لصالح أوكرانيا، خصوصاً أن الروس سيجدون وسائل جديدة وإن أقل كفاءة لشن هجماتهم، إضافة إلى تفوقهم في مجال الصواريخ بعيدة المدى. وفي المقابل، من المؤكد أن التقدم الروسي على الأرض سيتباطأ ويزيد من كلفة الحرب البشرية والاقتصادية، ويطيل فترة الاستنزاف.