كفر مالك... سلة زراعية أصبحت قاحلة بسبب الاستيطان والحصار

02 سبتمبر 2026   |  آخر تحديث: 04:06 (توقيت القدس)
آليات للاحتلال في كفر مالك، 28 يناير 2026 (عصام ريماوي/الأناضول)
+ الخط -
اظهر الملخص
- الموقع الجغرافي وأهمية عين سامية: تقع كفر مالك شرقي رام الله وتشتهر بعين سامية، المصدر المائي الوحيد في المنطقة، مما جعلها سلة غذائية تاريخية. ومع ذلك، تتعرض لاعتداءات مستمرة من المستوطنين بسبب موقعها الاستراتيجي.

- التحديات والاعتداءات الاستيطانية: تواجه القرية حصارًا من البؤر الاستيطانية، مما أدى إلى فقدان 50 أسرة لمصدر رزقها وتهجير التجمعات البدوية، بالإضافة إلى تدمير البنية التحتية.

- الصمود والمقاومة: يصر أهالي كفر مالك على الصمود رغم التحديات، حيث قاموا بشق طرق جديدة وحماية منازلهم، مؤكدين على أهمية الدفاع عن أرضهم.

كفر مالك قرية فلسطينية ارتبطت بقصة عين مياه في منطقة سامية التاريخية، أعطتها لقب السلة الغذائية شرقيّ رام الله وسط الضفة الغربية، وجعلت القرية مصدر مياه استراتيجياً، بل مصدر المياه الفلسطيني الوحيد في محافظة رام الله والبيرة، فضلاً عن موقعها الجغرافي الاستراتيجي المتصل مع الأغوار الفلسطينية. لكن بسبب موقعها الجغرافي ذاك، وعين المياه الاستراتيجية، تواجه كفر مالك كباقي القرى الشرقية لرام الله عدواناً متواصلاً، وخصوصاً من المستوطنين، إثر تمدد البؤر الاستيطانية التي تحاول خنق القرية، البالغة مساحتها 56 ألف دونم (56 كيلومتراً مربعاً). وتشكل كفر مالك موطناً لقرابة 3500 نسمة حسب تقديرات جهاز الإحصاء المركزي الفلسطيني لعام 2026، لكن الأهالي باتوا محرومين الوصول إلى معظم أراضيهم، ليتحول المشهد من وفرة زراعية ورعوية ووفرة مياه، إلى حصار يلتهم الأرض. لا يستطيع أهالي كفر مالك الوصول إلى أكثر من ستة آلاف دونم (ستة كيلومترات مربعة) بسبب انتشار الاستيطان الرعوي وتهجير الاحتلال للبدو، وتعاني من الاعتداءات المتكررة من المستوطنين. واستشهد من القرية أربعة أشخاص بعد حرب الإبادة الإسرائيلية في غزة في أكتوبر/ تشرين الأول 2023، ثلاثة منهم خلال تصديهم لهجوم المستوطنين في 25 يونيو/ حزيران 2025، وهم: مرشد حمايل (35 عاماً)، ولطفي بعيرات (18 عاماً)، ومحمد الناجي (19 عاماً)، إضافة إلى الطفل عمار حمايل (13 عاماً)، بطل المواي تاي الذي استشهد برصاص قوات الاحتلال قرب الشارع الالتفافي (الاستيطاني).

كفر مالك وعين سامية

ولا يقتصر الحصار الذي يُعاني منه أهالي كفر مالك على الأراضي الزراعية، فالمساحة المتاحة للبناء محددة وفقاً للمخطط الهيكلي المعتمد قرابة 2800 دونم (2.8 كيلومتر مربع)، أي إن سلطات الاحتلال تمنع البناء خارجها، ورغم ذلك فإن قرابة 1500 دونم (1.5 كيلومتر مربع) من الأراضي المصنفة "ب" وفق اتفاق أوسلو، الموقع في عام 1993، وجزء منها ضمن المخطط الهيكلي يحرم الأهالي الوصول إليها كذلك حتى لقطاف الزيتون. ويصعب الحديث عن كفر مالك من دون استحضار رائحة أرضها ومحاصيلها المميزة والوفيرة نتيجة وفرة مياه عين سامية، ويصف الأهالي السهول هناك بأنها كانت تنبض بالحياة.


ماجد معدي: نحو 50 أسرة فقدت مصدر رزقها الأساسي بالزراعة إثر انتشار خمسة بؤر استيطانية على أراضي القرية وحولها

في السياق، لم يتردد الناشط المجتمعي منتصر المالكي، في الإجابة عن سؤال ما الذي تشتهر به كفر مالك بالقول: "عين سامية". ويقول المالكي في حديثٍ لـ"العربي الجديد"، إنها ليست مجرد عين مياه، بل منطقة تاريخية كانت مأهولة بالسكان في القدم، وفيها العديد من المعالم التاريخية، لكنها أيضاً منطقة زراعية بامتياز، فالسهل هناك يتميز بخصوبته العالية، فيما تحتفظ بلدتها القديمة بعدد كبير من البيوت القديمة. وحتى وقت قريب، أي قبل عام 2023 وانتشار البؤرة الاستيطانية، كانت منطقة السهل في عين سامية تشتهر بزراعة الزعتر والبابونج، وكانت الزراعة على شكل مشاريع استثمارية، حيث استحدثت زراعة العنب والأفوكادو والجوافة، وتشتهر كفر مالك بأشجار الزيتون، وبالمزروعات الحقلية كالقمح والحمص والعدس، فيما كانت كما يقول المالكي تشتهر بزراعة البصل، كما كانت تقصّ عليه والدته وجدته.

كل ذلك أصبح من الماضي، لسبب واحد، هو الاستيطان، بحسب نائب رئيس المجلس القروي ماجد معدي، الذي يقول في حديثٍ لـ"العربي الجديد"، إن نحو 50 أسرة فقدت مصدر رزقها الأساسي بالزراعة إثر انتشار خمس بؤر استيطانية على أراضي القرية وحولها، أدت إلى السيطرة الفعلية على قرابة 50 ألف دونم (50 كيلومتراً مربعاً)، وكلها بعد عام 2023، حيث كانت في السابق تقام أجزاء من مستوطنة "كوخاف هشاحر" على أراضي كفر مالك، فيما يصل الأهالي إلى معظم أراضيهم الممتدة نحو الأغوار. وتعتبر آبار عين سامية التي تدار من مصلحة مياه محافظة القدس، مصدر المياه لـ19 تجمعاً فلسطينياً شمال رام الله وشرقها، وتغذي قرابة 100 ألف فلسطيني، وهي تمثل ما نسبته 17% من الكميات اليومية الموردة من المصلحة، فيما تعد شركة ميكوروت الإسرائيلية مصدر المياه لباقي المناطق التي تزودها المصلحة. كذلك تشتهر كفر مالك بتل العاصور الذي يعلو 1016 متراً عن سطح البحر، وهو ثاني أعلى قمة في الضفة الغربية، بعد جبل النبي يونس في حلحول بمحافظة الخليل، الذي يرتفع 1030 متراً. وتل العاصور مشترك مع قرى دير جرير والمزرعة الشرقية وسلواد، لكنه، لموقعه الاستراتيجي، محتل ومقام عليه قاعدة عسكرية إسرائيلية، فيها محطات رادارات للإنذار المبكر، ونشر المستوطنون فيه أخيراً عدة بؤر استيطانية.

عماد الاقتصاد في كفر مالك على مدار سنين، هو الموظفون، والزراعة، وبعض المشاريع التجارية والصناعية كمناشير الحجر، وحركة المغتربين، والثروة الحيوانية. لكن الزراعة توقفت بشكل شبه كامل، والمشاريع التجارية تأثرت بسبب إغلاق الطرق الرئيسية، ونسبة قدوم المغتربين تراجعت، وتربية المواشي في تراجع مستمر.

في السياق، يقول معدي إن معظم المغتربين من كفر مالك موجودون في أميركا الجنوبية وليس الولايات المتحدة، كما هو الحال في عدد من قرى شرق رام الله، وإثر العراقيل الإسرائيلية أخيراً، فإن من لا يحمل بطاقة هوية فلسطينية ويحمل جوازاً من دولة أميركية جنوبية فقط، أصبح يلاقي صعوبة بالوصول إلى فلسطين، بعكس من يحمل جواز السفر الأميركي. ولم يقتصر تأثر الاستيطان ودعم جيش الاحتلال له على تدمير الزراعة، بسبب طبيعة كفر مالك الجغرافية، التي تُعدّ نقطة عبور للكثيرين من خارجها، فهي تصل بين ما يُعرف بشارع ألون من الجهة الشرقية، وقرى شرق رام الله عبر مدخلها المؤدي إلى دير جرير. وقد أغلق الاحتلال المدخلين بشكل كامل بعد حرب الإبادة، ما أثّر بشكل كبير على القرية. ويعطي الناشط المالكي مثالاً، إغلاق محطة الوقود الوحيدة في القرية نتيجة لقربها من المدخل الرئيسي المغلق، وتراجع حركة المركبات.

منذ حرب الإبادة وحتى منتصف عام 2025، اضطر الأهالي إلى سلوك طريق طويل، فبدلاً من بضع دقائق بين دير جرير وكفر مالك، أصبح عليهم الوصول عبر المزرعة الشرقية وخربة أبو فلاح ليزيد الوقت لأكثر من نصف ساعة إلى 40 دقيقة. وبسبب ذلك شق الأهالي على نفقتهم طريقاً جديداً بين المزرعة الشرقية وكفر مالك لتقصير المسافة، ورغم أنه في أراضٍ مصنفة "ب" وفق اتفاق أوسلو

، جرفت جرافات الاحتلال الأسفلت في مقاطع منه، وهددت بعدم إعادة تعبيده، ولذا يستخدمه الأهالي بمقاطع غير معبدة.


منتصر المالكي: المنازل أشبه بسجون فقد أحاطها الأهالي بأسلاك شائكة وبوابات حديدية في محاولة للحفاظ على أنفسهم وعلى أبنائهم وأسرهم

وهجّر المستوطنون عبر هجماتهم العنيفة ثلاثة تجمعات بدوية من أراضي كفر مالك، تجمعان هُجّرا عام 2023 قبل حرب الإبادة، وثالث بعد اشتداد الاعتداءات وانتشار البؤر بعد الحرب، ما أفضى إلى تراجع في القدرة على الوصول إلى الأراضي الرعوية في ظل سيطرة المستوطنين عليها. وهو ما أدى تلقائياً إلى تراجع أعداد المواشي في القرية، بسبب انتقال البدو، مربي المواشي، إلى مناطق أخرى، وأيضاً بسبب عدم القدرة على الرعي من المزارعين من القرية. وكانت تلك الهجمات المتكررة على البدو وصولاً إلى تهجيرهم، بمثابة خطوة تمهيدية من أجل نشر البؤر الاستيطانية في مساحات شاسعة بعد تفريغها، وخطوة تمهيدية لنقل الهجمات إلى داخل القرية.

هجمات المستوطنين على كفر مالك

وتتعرض كفر مالك لهجمات استيطانية متكررة، تستهدف أساسًا آبار عين سامية، بقطع خطوط الكهرباء والإنترنت حيث يجري التحكم بضخ المياه إلكترونياً، وكذلك تخريب خطوط المياه، والاعتداء على الموظفين، وبسبب وجود الآبار على جانبي ما يُسمى "شارع ألون" الاستيطاني، فإن الوصول إلى القسم الشرقي منها، يحتاج 37 كيلومتراً بدلاً من 400 متر. ويعتقد الأهالي أن السيطرة على الآبار هو الهدف النهائي للمستوطنين والاحتلال. وتأخذ الاعتداءات أنماطاً مختلفة، منها إفلات الأغنام والأبقار في الأراضي الزراعية وتخريبها، وقلع الأشجار باستخدام آليات المستوطنين، ولكن أيضاً بقرار عسكري من جيش الاحتلال كما حصل في يناير/ كانون الثاني الماضي، من تجريف قرابة 35 دونماً (3.5 كيلومترات) بادعاءات أمنية، ويركز المستوطنون كذلك على سرقة الأغنام والهجوم على المنازل في أطراف القرية.

تلك المنازل أصبحت كما يصفها المالكي أشبه بسجون، فقد أحاطها الأهالي بأسلاك شائكة وبوابات حديدية في محاولة للحفاظ على أنفسهم وعلى أبنائهم وأسرهم، فكفر مالك قدمت أربعة شهداء منذ حرب الإبادة، منهم ثلاثة خلال الهجمات الاستيطانية، ارتقوا مباشرةً خلال اعتداءات المستوطنين. رغم كل ذلك، يواجه الناس كل ما يمرون به عبر الصمود والبقاء في بيوتهم وأراضيهم التي لا يزالون يستطيعون الوصول إليها. يقول نائب رئيس المجلس القروي ماجد معدي في السياق: "حال ابن كفر مالك يقول: أنا ميت ميت، لكن لن أخرج من أرضي، وأموت فيها وأدافع عنها".