"كوليج دو فرانس" وغيرها... رضوخ للصهيونية

14 نوفمبر 2025   |  آخر تحديث: 04:06 (توقيت القدس)
عزمي بشارة في افتتاح مؤتمر "فلسطين وأوروبا"، باريس، 13 نوفمبر 2025 (العربي الجديد)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- إلغاء مؤتمر "فلسطين وأوروبا" في باريس يعكس استمرار الخضوع للضغوط الصهيونية، حيث تتراجع الجامعات العريقة أمام الضغط الإعلامي وجماعات الضغط، مما يهدد حرية الفكر والنقاش حول القضايا الفلسطينية.

- في الولايات المتحدة، يتعزز شعار "إسرائيل أولاً" في الجامعات المرموقة، حيث يُقمع النقد للاحتلال ويُتهم بمعاداة السامية، مما يثير تساؤلات حول تمويل الضرائب لجرائم تُرتكب باسم الصهيونية.

- في أوروبا، يتكرر القمع ضد النقاش الحر، مما يوسع الوعي الشعبي الرافض للهيمنة الأخلاقية الزائفة، ويثير تساؤلات حول معاداة الإنسانية بتجاهل معاناة الفلسطينيين.

قرار "كوليج دو فرانس" في باريس إلغاء مؤتمر أكاديمي بعنوان "فلسطين وأوروبا: ثقل الماضي والديناميات المعاصرة"، من تنظيم مشترك مع المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، يعيد التذكير بأن الخضوع للابتزاز الصهيوني لا يزال حيّاً في قلب قادة المؤسسات التي طالما ادّعت الدفاع عن حرية الفكر. فبينما أنتجت غزة بآلامها ودمارها ووعيها الشعبي واقعاً أوروبياً جديداً لم يعد يخشى طرح الأسئلة المحرّمة، لا تزال بعض الجامعات العريقة تتراجع أمام ضغط صحافي مؤدلج وجماعات ضغط صهيونية ترى في النقاش الحر حول فلسطين تهديداً لأسطورتها.

في المقابل، تمضي أميركا الترامبية في تثبيت شعار "إسرائيل أولاً"، حتى داخل جامعاتها المرموقة، ككولومبيا وهارفارد، وسواهما، حيث يُقمع الصوت المعارض ويُتهم كل نقد للاحتلال بأنه "معاداة للسامية". لقد تحول هذا الشعار إلى سلاح تمويلي-سياسي وأيديولوجي لإسكات الأسئلة، بينما يتساءل شباب أميركيون، من اليمين واليسار معاً، عن سبب تمويل ضرائبهم جرائم حروبٍ تُخاض باسم الصهيونية على حساب مصالح بلادهم.

أما في أوروبا، فالمشهد لا يختلف كثيراً: من برلين إلى باريس، يتكرر القمع ذاته. تُغلق قاعات، وتُلغى مؤتمرات، ويُرهّب أكاديميون وإعلاميون لأنهم يطرحون سؤالاً بسيطاً: كيف أصبح انتقاد السياسات الصهيونية جريمة فكرية؟ وكيف تواطأت نخبة الغرب المتأسرلة مع خطابٍ يُساوي بين المقاومة والإرهاب، وبين الدفاع عن الحق والعداء للسامية؟

لقد بات واضحاً أن الحملة على حرية النقاش في القضايا الفلسطينية ليست سوى وجهٍ جديد من الخوف الأوروبي من سقوط السردية الصهيونية بين شعوب القارة. ومع كل خطوة قمع، تتسع مساحة الوعي الشعبي والإعلامي الرافض لهذه الهيمنة الأخلاقية الزائفة.

باريس التي تباهت طويلاً بأنها عاصمة الأنوار والحريات، تُخاطر اليوم بفقدان رمزيتها الفكرية وهي تُغلق أبواب النقاش أمام واحدة من أعقد قضايا الاستعمار والعدالة في عصرنا. وحتى داخل الأوساط اليهودية الغربية نفسها، يُرفض القول إن حرية الرأي بمثابة تحريض عليهم، معتبرين جرائم الصهيونية هي الأخطر بحقهم، وبدأ بينهم سؤالٌ جديد يطفو: "إذا كان انتقاد إسرائيل/الصهيونية يُعد معاداة للسامية، أوَليس تجاهل معاناة الفلسطينيين شكلاً من أشكال معاداة الإنسانية؟".
إن ما يحدث من باريس إلى نيويورك ليس سوى قمع مقنّع باسم القيم. لكنه، مهما تمدد لن يوقف الأسئلة، ولن يحجب حقيقة أن الحرية الأكاديمية ليست امتيازاً يُمنح، بل حقّ لا يُصادر.

المساهمون