ما دلالات إلغاء رئيس الحكومة الإسبانية زيارته لسبتة المحتلة؟
استمع إلى الملخص
- يعتبر ملف سبتة ومليلية معقدًا في العلاقات المغربية الإسبانية، حيث يرفض المغرب الاعتراف بالسيادة الإسبانية عليهما ويسعى لفتح حوار بشأنهما.
- إلغاء الزيارة قد يكون لتجنب الجدل في لحظة سياسية دقيقة، ويعكس حرص إسبانيا على الحفاظ على علاقات متميزة مع المغرب بعد تحسن العلاقات بين البلدين.
فتح إلغاء رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز زيارته التي كانت منتظرة الخميس لمدينة سبتة المحتلة باب الأسئلة عن دلالات القرار، ولا سيما في ظل حساسية ملف مدينتي سبتة ومليلية المحتلتين في علاقات مدريد والرباط. وفي وقت كان يُنتظر فيه أن يحل رئيس الحكومة الإسبانية بمدينة سبتة الخميس، من أجل الإشراف على المحطة البحرية الجديدة، أحد أبرز المشاريع الاستثمارية في المدينة، كان مثيراً للانتباه قرار إلغاء زيارته في آخر لحظة بسبب ما قيل إنها "انشغالات سياسية داخلية".
ويبقى ملف سبتة ومليلية من الملفات المعقدة والمتداخلة في علاقات الرباط ومدريد، إذ تُقابل دعوات المغرب المتكررة لاسترجاع المدينتين بجمودٍ إسباني وغيابٍ لأي رغبة واضحة في الحوار. ومنذ استقلاله في عام 1956، رفض المغرب الاعتراف بشرعية السيادة الإسبانية على المدينتين، معتبراً أنهما جزء من أراضيه، وسعى مراراً لفتح حوار مع إسبانيا حول هذا الملف. وفي وقت ينتهج فيه المغرب سياسة النفس الطويل، يرى مراقبون أن التحولات الدولية وتبدل موازين القوى قد تفتح الباب أمام نقاش جديد بشأن مستقبل المدينتين المحتلتين.
في الإطار، قال الباحث في العلاقات الدولية، محمد صابر، في تصريح لـ"العربي الجديد"، إن قرار إلغاء زيارة سانشيز لسبتة خلّف ردود أفعال عدة داخل إسبانيا وخارجها، معتبراً أن تبرير رئاسة الحكومة الأمر بلقاء رئيس الوزراء بالكونغرس "يبدو غير مقنع، وإن كانت نقطة الاجتماع مع الكونغرس ذات أهمية أكبر ولها أثر في سير السلطة التشريعية بإسبانيا. غير أنه كان بالإمكان حضوره إلى الموعدين".
وأوضح صابر أنه في تاريخ رؤساء الحكومات المركزية بمدريد لم تكن زيارات كثيرة لمدينتي سبتة ومليلية، حيث تتمتع هذه الجهة بنظام الحكم الذاتي، لافتاً إلى أن السلطة التنفيذية بمدريد دائماً ما تشهد عدم القيام بأي زيارات رسمية طوال الأربعين سنة التي مضت، ما عدا في مناسبات قليلة أو في تلك التي شهدت أحداثاً مهمة، مثل ما كان عليه الحال سنة 2021 وكذلك سنة 2022 بسبب موجة الهجرة الكبرى التي شهدتها الحدود المغربية الإسبانية، وما رافق ذلك من توتر للعلاقات بين البلدين.
وربط الباحث المغربي بين إلغاء زيارة سانشيز وحدوث تغييرات جذرية طرأت على الأجندة السياسية للحكومة الإسبانية في شخص ممثلها ورئيسها. و"هي أجندة تتغير وفق تغير السياق السياسي والدبلوماسي الوطني والإقليمي والدولي، باعتبار أن هذه الجهة لا تخضع في حكمها للسلطة المركزية بمدريد بشكل كلي". وقال إن "هناك دائماً نقاشات تحاول إعادة طرح ملف سبتة ومليلية على الطاولة الدولية لإعادة النظر في ما يتعلق بالسيادة لهذه الجهة".
وفي قراءته لقرار إلغاء زيارة رئيس الحكومة الإسبانية لمدينة سبتة المحتلة، الخميس، رأى رئيس المركز المغاربي للأبحاث والدراسات الاستراتيجية، نبيل الأندلوسي، أنه "لم يكن حدثاً عادياً أو عابراً". وأوضح الأندلوسي، في حديث مع "العربي الجديد"، أن قرار الإلغاء المفاجئ للزيارة "أعاد إلى الواجهة أسئلة عميقة تتجاوز حدود البروتوكول إلى عمق السياسة والدبلوماسية".
ولفت إلى أن "وضع هذه المدينة المحتلة يحمل تاريخاً معقداً وثقلاً سياسياً لا يمكن عزله عن العلاقات الثنائية بين مدريد والرباط. وبالتالي، إن أي خطوة رسمية تتخذ بشأنها، سواء كانت زيارة أو إلغاء، تُقرأ بالضرورة في سياق العلاقة بين البلدين". وقال إن "إلغاء الزيارة في هذا التوقيت، وفي ظل غياب أي تصريح رسمي، يمكن قراءته في سياق تجنب أي تأويل مغربي قد يعتبر الحدث استفزازاً للرباط في لحظة حساسة إقليمياً، مع إمكانية وجود تدخل مغربي في هذا الاتجاه لإلغاء الزيارة".
وأشار رئيس المركز المغاربي للأبحاث والدراسات الاستراتيجية إلى أنه "في ظل التقارب الذي تشهده العلاقات المغربية الإسبانية التي تمر بمرحلة متميزة وتعززت بشكل قوي، يمكن قراءة هذا القرار بأنه تفادٍ لأي شكل من أشكال التأثير بمسار هذه العلاقات أو توتيرها، خصوصاً أن سياق الزيارة في هذا التاريخ بالضبط سيكون له حساسية، حيث يعرف المغرب احتفالات بالمسيرة الخضراء ويمكن أن يشوش على الانتصار الدبلوماسي المغربي بصدور قرار مجلس الأمن 2797".
وذهب الأندلوسي إلى أن التراجع عن الزيارة قد يكون "بهدف تجنب إثارة الجدل في لحظة سياسية دقيقة، حيث تواجه الحكومة الإسبانية انتقادات حول ملفات الهجرة والأمن والتوازنات الاقتصادية في مدينتي سبتة ومليلية". ولفت إلى أنه "رغم أن اليمين الإسباني سارع لاستثمار الحدث، معتبراً أن الإلغاء تعبير عن ضعف في الدفاع عن السيادة الوطنية، فإن الإلغاء يعتبر مؤشراً على حرص الحكومة الإسبانية على الحفاظ على علاقات متميزة مع الرباط، وتحييد ملف المدينتين المحتلتين والجزر على الأقل في هذه المرحلة".
وكانت العلاقات بين المغرب وإسبانيا قد اتخذت منحىً غير مسبوق في تاريخ العلاقات بين الجارين، بعد توجيه سانشيز رسالة إلى ملك المغرب محمد السادس في 18 مارس/ آذار 2022 تعهد فيها ببناء علاقة جديدة مع المغرب مبنية على الثقة والشفافية والتواصل والاحترام المتبادل والامتناع عن أي عمل أحادي الجانب، مشدداً على أن بلاده "ستعمل بشفافية مطلقة تتوافق مع صديق وحليف عظيم، كذلك ستفي دائماً بالتزاماتها ووعودها".
ومكنت الخطوة الإسبانية من طيّ صفحة أزمة دبلوماسية حادة وعام من القطيعة بين الطرفين، على خلفية استقبال إسبانيا، في 24 إبريل/ نيسان 2021، زعيم جبهة البوليساريو الانفصالية إبراهيم غالي. فيما رسمت المباحثات التي جمعت الملك محمد السادس، في الثامن من إبريل/ نيسان 2022، ورئيس الحكومة الإسبانية، تفاصيل "خريطة طريق" لإنهاء القطيعة الدبلوماسية، وهي الخريطة التي وصفها البيان المشترك الذي صدر عقب انتهاء المباحثات بـ"الدائمة والطموحة التي تتضمن معالجة المواضيع ذات الاهتمام المشترك بروح من الثقة والتشاور، بعيداً عن الأعمال الأحادية أو الأمر الواقع".