استمع إلى الملخص
- تواجه اليابان تحديات في الحصول على دعم واشنطن لتوجهاتها الدفاعية الجديدة، وتسعى تاكايتشي لتحقيق توازن بين تعزيز القدرات العسكرية والحفاظ على الدعم الأميركي، خاصة مع النفوذ المتزايد لروسيا والصين.
- النزاعات التاريخية مع روسيا حول جزر كوريل تعيق تحسين العلاقات الثنائية، وتعمل اليابان على إعادة التفكير في استراتيجيتها الإقليمية لتحقيق استقلال عسكري مع استمرار الدعم الأميركي.
تسعى رئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي إلى الحصول على ضوء أخضر من واشنطن لطي صفحة مبدأ يوشيدا ضمن توجه طوكيو الدفاعي الجديد وزيادة العسكرة لمواجهة تحديات إضافية في شرق آسيا، فرضتها الأوضاع المتوترة مع الصين بسبب تايوان، والتعاون العسكري المتنامي بين كوريا الشمالية وروسيا. ورغم العلاقات الطيبة بين تاكايتشي والرئيس الأميركي دونالد ترامب، من المنتظر أن يخيّم رفض اليابان المساعدة في فتح مضيق هرمز على القمة الثنائية في البيت الأبيض، اليوم الخميس. وذكرت تاكايتشي، أمس الأربعاء، أن بلادها "لا تخطط في هذه المرحلة" لإرسال قوات الدفاع الذاتي إلى مضيق هرمز. وأوضحت في اجتماع للجنة الميزانية بمجلس المستشارين، أنه "سندرس الإجراءات الضرورية في إطار القانون"، حسب وكالة جي.جي.برس اليابانية للأنباء. وأضافت: "ندرس ما يمكننا فعله، بما في ذلك من منظور قانوني "لضمان سلامة الملاحة البحرية في المضيق". ورداً على سؤال حول طلب ترامب الأخير من اليابان ودول أخرى إرسال سفن حربية إلى مضيق هرمز، قالت تاكايتشي: "سأبلغ (ترامب) بما يمكننا فعله وما لا يمكننا فعله بموجب القانون الياباني". وسبق لتاكايتشي أن أفادت الاثنين الماضي بأنه "لم نتخذ أي قرارات بعد بشأن إرسال السفن الحربية. ونحن ندرس حالياً ما يمكن لليابان فعله بشكل مستقل في إطارنا القانوني".
خلافات أميركا مع "ناتو"
وفيما تقلل الخلافات المتصاعدة بين الولايات المتحدة وحلفائها في حلف شمال الأطلسي "ناتو" وخارجه على خلفية الحرب على إيران، من فرص نجاح تاكايتشي في مهمتها، فإن قرار ترامب يعتمد على نظرته لمستقبل العلاقات مع كل من روسيا والصين وطرق حل أزمة أوكرانيا والأوضاع حول جزيرة تايوان، وتأثير الحرب على إيران على قدرة الجيش الأميركي في تحقيق احتواء مزدوج لقدرات روسيا والصين العسكرية المتصاعدة، وموازنة الربح والخسارة من الاعتماد على يابان متحررة من القيود على العسكرة في هذا الإطار.
تحتفظ الولايات المتحدة بنحو 53 ألف جندي في اليابان بموجب اتفاقية أمنية وقعت في 1951
وتدخل تاكايتشي المكتب البيضوي مسلحة بأكبر تفويض شعبي في تاريخ البلاد في الانتخابات التشريعية التي أُجريت في الثامن من فبراير/شباط الماضي، ما يمنحها القدرة على تعديل الدستور السلمي لليابان المقر في عام 1947 بضغط من الولايات المتحدة، القوة المحتلة لليابان. ومن المعروف أن الولايات المتحدة احتلت اليابان بين عامي 1945 و1952 بعد استسلامها في الحرب العالمية الثانية (1939 ـ 1945)، وحينها تم نزع الأسلحة اليابانية، وحل الجيش الإمبراطوري، وتفكيك أجهزة الاستخبارات الداخلية والخارجية، وحرمت اليابان من القدرة على شن حروب، واستبدلت العقيدة العسكرية في المدارس بتعليم الديمقراطية. وكانت هذه الإجراءات ضمن ما اصطلح على تسميته مبدأ يوشيدا نسبة إلى رئيس الوزراء شيغيرو يوشيدا. وضمن هذا المبدأ أعطت اليابان الأولوية للنهوض الاقتصادي بينما ضمنت الولايات المتحدة أمنها. أيد معظم اليابانيين التوجه السلمي الجديد، في ظل استمرار الاستياء من القيادة العسكرية في زمن الحرب.
وتحتفظ الولايات المتحدة بنحو 53 ألف جندي في اليابان بموجب اتفاقية أمنية وقعت في 1951، وظلت بعد انتهاء الاحتلال الأميركي. ومع حصول حزبها، الليبرالي الديمقراطي، على أغلبية الثلثين في الانتخابات الأخيرة، باتت تاكايتشي، في وضع يسمح لها بتغييرات جذرية لتعديل تسوية ما بعد الحرب العالمية الثانية، تشمل إنشاء وكالة استخبارات، وسن تشريعات لمكافحة التجسس، وزيادة الإنفاق الدفاعي بهدف بناء أحد أكثر الجيوش تطوراً في العالم. ومنذ صعودها في العام الماضي، شددت تاكايتشي على حق بلادها في الاحتفاظ بجيش واستخدام القوة للدفاع عن مصالحها الوطنية. ورغم الآراء السلمية تقليدياً لليابانيين، ازداد التأييد الشعبي لتعديل مبدأ يوشيدا لمواجهة صعود الصين ومخاوف من تزايد قوة كوريا الشمالية، بعد تجارب جيشها في أوكرانيا مع الجيش الروسي وإمكانية حصول بيونغ يانغ على تقنيات روسية متقدمة، وتوفير حماية لها بمقتضى معاهدة الشراكة الاستراتيجة بين روسيا وكوريا الشمالية والمتضمنة بنداً للدفاع المشترك.
وتتبنى تاكايتشي أفكار ملهمها رئيس الوزراء الراحل شينزو آبي، المرتكزة على ضرورة بقاء اليابان على طاولة السياسة بين القوى العظمى، واستعادة كرامتها الوطنية، وأن تصبح البلاد أكثر قدرة على ردع العدوان، وأكثر فاعلية في المساهمة في الاستقرار الإقليمي. وفي حين أخفق آبي في تحقيق أفكاره، تأمل تاكايتشي في أن تساعدها الظروف الدولية في بناء يابان أكثر ثقة وحزماً في عالم سمته الاضطرابات المتواصلة وتغير التحالفات. ومع ازدهار اليابان الاقتصادي في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي تراجع اهتمام اليابانيين بإعادة تسليح بلادهم. وبعد فوز تاكايتشي الساحق في الانتخابات وانسحاب حزب كوميتو بعد 26 عاماً من الائتلاف، باتت في وضع أفضل لكسب موافقة البرلمان على إطاحة مبدأ يوشيدا وتعديل الدستور. ويتطلب التعديل موافقة ثلثي أعضاء مجلسي البرلمان، بالإضافة إلى أغلبية الأصوات في استفتاء وطني. وتشير استطلاعات الرأي إلى تزايد التأييد لتعديل المادة التاسعة من الدستور، والتي تحظر على اليابان خوض الحرب وتقيد قدرتها على الاحتفاظ بجيش. وحققت تاكايتشي، أول امرأة تتولى منصب رئيسة الوزراء في اليابان، فوزاً تاريخياً في انتخابات الشهر الماضي، بعدما حصد حزبها، الليبرالي الديمقراطي، على 316 مقعداً من أصل 465 في مجلس النواب، أي نحو 68%، متخطية عتبة الثلثين.
وشهدت استراتيجية الدفاع اليابانية تحولاً جذرياً في عام 2022، عقب الحرب الروسية على أوكرانيا وإطلاق الصين صواريخ فوق تايوان سقطت بالقرب من الجزر اليابانية. وتم تخصيص أموال لصواريخ "الرد" (مصطلح أطلقته طوكيو اختصاراً لقدرات الهجوم المضاد) القادرة على ضرب الصين أو كوريا الشمالية في حال تعرض اليابان لهجوم. وفي أكبر عملية حشد عسكري لها منذ عقود، وهو الأول من نوعه منذ إقرار مبدأ يوشيدا في خمسينيات القرن الماضي، سارعت اليابان إلى نشر بطاريات صواريخ وأبراج رادار ومواقع تخزين ذخيرة في عدد من الجزر. وقررت الحكومة رفع الإنفاق العسكري تدريجياً ليصل إلى 2% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول مارس/آذار 2028، بعدما كان سقفاً غير رسمي بنحو 1%. لكن تاكايتشي حققت هدف الـ2%، بعد زيادة ميزانية الدفاع إلى أكثر من تسعة تريليونات ين (نحو 58 مليار دولار) في مارس الحالي. وتدرس خيارات أخرى لضمان تجهيز الجيش للحرب الحديثة، بما في ذلك إمكانية امتلاك غواصات تعمل بالطاقة النووية. كما تخطط الحكومة اليابانية لسن قوانين تعزز الصناعات الدفاعية، وتأمين سلاسل التوريد، وحماية البنية التحتية الحيوية، والاستثمار في التقنيات المتقدمة كالذكاء الاصطناعي. وتسعى تاكايتشي إلى إنشاء مكتب استخبارات وطني بحلول الصيف المقبل، ووكالة استخبارات خارجية على غرار وكالة المخابرات المركزية الأميركية "سي آي آيه" أو جهاز الاستخبارات البريطاني "أم آي 6" بحلول الصيف.
وقالت تاكايتشي في نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي إن استخدام الصين القوة ضد تايوان قد يشكل "وضعاً يهدد البقاء"، مما يعني ضمناً أن اليابان قد تتجاوز مبدأ يوشيدا وتنشر قواتها للدفاع الذاتي. وحينها أثارت تاكايتشي ردة فعل عنيفة من الصين. ودانت صحيفة الشعب اليومية، الناطقة الرسمية باسم الحزب الشيوعي الصيني، ما اعتبرته تدخلاً في الشؤون الداخلية للصين. وذكرت الصحيفة أن تعليق تاكايتشي "يبدو أنه يهدف إلى تبرير التوسع العسكري الياباني، ويحمل إشارة خطيرة لاحتمال عودة النزعات العسكرية في السياسة اليابانية". وأبدت روسيا توجسها في نويات رئيس الوزراء اليابانية الجديدة، وفي مؤتمره الصحافي السنوي في يناير/ كانون الثاني الماضي، أعرب وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف عن "قلقه من ظهور بعض التوجهات غير الصحية في اليابان، إلى جانب ألمانيا، والتي ترتبط برغبة بعض القوى السياسية في العودة إلى عسكرة المجتمع".
واتهم لافروف حكومة تاكايتشي بالسعي لتغيير دستور البلاد السلمي وإطاحة مبدأ يوشيدا وبناء قدرات عسكرية هجومية. كما زعم أن القيادة اليابانية تناقش مراجعة وضع البلاد بوصفها دولة غير نووية. علاوة على ذلك، دان لافروف اليابان لقيامها بأنشطة عسكرية مشتركة مع أعضاء حلف شمال الأطلسي (ناتو) بالقرب من حدود روسيا. وانتقد بشدة قرار اليابان السماح بنشر صواريخ تايفون (لا صلة لها بطائرات تايفون البريطانية) الأميركية متوسطة المدى أرض-أرض على أراضيها.
وارتبط تاريخ اليابان قبل إقرار مبدأ يوشيدا بحروب مع جيرانها في الصين وكوريا في القرون الماضية. ورغم تحسن العلاقات مع كوريا الجنوبية، فإن هواجس الماضي تلقي بظلالها على العلاقات. وتبقى المشكلة الأخطر والأهم مع روسيا، المتعلقة بملكية الأراضي الشمالية، كما تُعرف في اليابان، والتي يطلق عليها الروس جزر كوريل. وهي الجزر الأربع الجنوبية إيتوروب وكوناشير وشيكوتان وهابوماي في الأرخبيل البركاني الممتد على نحو 1300 كيلومتر بين هوكايدو الشمالية في اليابان وشبه جزيرة كامشاتكا في روسيا. وتخضع الجزر للسيطرة الروسية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وأتبعتها موسكو إدارياً لمقاطعة ساخالين في أقصى شرق روسيا. وكانت الجزر الأربع جزءاً من اليابان بموجب اتفاقية شيمودا عام 1855 بين الإمبراطوريتين اليابانية والروسية. وتصرّ اليابان على أن الاتحاد السوفييتي استولى عليها بشكل غير قانوني بعد إعلان استسلامها في 15 أغسطس/آب 1945. في المقابل، تقول روسيا إن اتفاقيات الحرب العالمية الثانية، خصوصاً اتفاقية يالطا في عام 1945، تمنحها الحق في جزر كوريل مقابل انضمامها للقتال ضد اليابان، وأن نتيجة الحرب حسمت الأمر. وطالبت طوكيو طويلاً بالاعتراف بسيادتها على جميع الجزر الأربع قبل توقيع أي معاهدة سلام مع روسيا. وبعد مرور أكثر من ثمانية عقود على الحرب، لم تنه الدولتان رسمياً حالة العداء. تجنب العديد من الدول اتخاذ موقف صريح في المسألة، لكن قوى بارزة مثل الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي تؤيد موقف اليابان بأن جزر كوريل الجنوبية "محتلة" من جانب روسيا وتجب إعادتها.
ارتبط تاريخ اليابان قبل إقرار مبدأ يوشيدا بحروب مع جيرانها
التخلي عن مبدأ يوشيدا
وسعى رئيس الوزراء السابق شينزو آبي منذ 2012، إلى التوصل إلى حل سلمي مع روسيا. والتقى آبي والرئيس الروسي فلاديمير بوتين عدة مرات لمناقشة القضية، واستطاعا بناء علاقات شخصية متينة. وفي خريف 2018، قال آبي لبوتين إن اليابان لن تسمح بنشر القوات الأميركية على جزر كوريل إذا تم تسليمها لليابان، متناولاً أحد المخاوف الرئيسية لروسيا بالنظر إلى الوجود العسكري الأميركي المكثف في اليابان منذ الحرب العالمية الثانية. وجرب آبي كل شيء لمحاولة تحقيق اختراق مع روسيا، لكن جهوده فشلت. وبحلول عام 2019، توقفت المفاوضات عملياً. وفي 2020 عدّلت روسيا دستورها ليصبح واضحاً أنه سيكون من غير القانوني التخلي عن أي من أراضيها. ورغم أن التعديلات مركزة على الأراضي التي ضمتها موسكو من أوكرانيا، فإنها تنطبق أيضاً على جزر كوريل، ما شكل صفعة قوية لنهج آبي.
بعد حرب روسيا على أوكرانيا في 2022، تبنى الكرملين موقفاً أكثر صرامة بشأن نزاع جزر كوريل. وقال المتحدث باسم الكرملين دميتري بيسكوف، في 10 نوفمبر الماضي: "لا ينبغي أن يكون هناك أي شك" بشأن من له الحق الشرعي في الجزر الجنوبية. وقال مسؤولون روس آخرون، إن استئناف المفاوضات الإقليمية والزيارات الإنسانية للمواطنين اليابانيين لقبور أجدادهم في الجزر يعتمد على تخلي اليابان عن "مسارها المعادي لروسيا"، أي العقوبات. ومن الواضح أن تعزيز روسيا علاقاتها مع الصين وكوريا الشمالية يجبر اليابان على إعادة التفكير في استراتيجيتها الإقليمية، وهو تحول سيكون من الصعب التراجع عنه. وتحركت اليابان بسرعة واضحة لتعزيز قدراتها العسكرية منذ أكتوبر/تشرين الأول الماضي، حين فازت تاكايتشي للمرة الأولى برئاسة الوزراء في البلاد، والأرجح أن "السيدة الحديدية" كما ترغب بأن يطلق عليها، تراهن على عقد صفقة مع ترامب للحصول على "استقلال عسكري" مع بقاء الدعم الأميركي، مقابل تقديم خدمات في مجال الاقتصاد، والأهم المساعدة في ردع روسيا والصين. وفي المقابل، لا توجد ضمانة في أن يساعد ترامب بآرائه المتقلبة تاكايتشي على تنفيذ مخططاتها العسكرية، والتي ستغير منظومة الأمن الإقليمي في شرق آسيا وتطيح مبدأ يوشيدا على الجهة المقابلة للشواطئ الأميركية، على محيط تزداد المؤشرات إلى أنه لن يكون "هادئاً" في السنوات المقبلة.