آمال المصريين في العام الجديد: الأيام تتشابه والأحلام تصغر

03 يناير 2026   |  آخر تحديث: 00:30 (توقيت القدس)
موسيقى تراثية على ضفاف النيل شمالي القاهرة، 21 إبريل 2025 (خالد دسوقي/ فرانس برس)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- يعبر المصريون عن أمنياتهم للعام الجديد بتواضع، متأثرين بالضغوط الاقتصادية، حيث يتمنون حياة كريمة واستقرار الأسعار وتحقيق النجاح الأكاديمي للأبناء، بينما يفكر البعض في الهجرة بحثًا عن فرص أفضل.

- يواجه المصريون تحديات اقتصادية كبيرة، حيث يتمنى الكثيرون أن يكفيهم الراتب حتى نهاية الشهر دون الحاجة للاستدانة، بينما يسعى الشباب للحصول على فرص عمل لائقة أو التفكير في الهجرة كحل بديل.

- يتوقع بعض الأكاديميين أن يبدأ تعافي الاقتصاد المصري في عام 2026، مستندين إلى مؤشرات مثل تراجع التضخم واستقرار سعر الصرف، مع دور محوري للسياحة وزيادة تدفقات الاستثمار الأجنبي.

لا تكتفي مصر باستقبال العام الجديد بعدٍّ تنازلي واحتفالٍ عابر، أسوة بغيرها من الدول العربية، فهو لحظة مكثفة تختلط فيها مشاعر الرغبة بالأمل، والقلق بالرجاء. وإذ يتوقف المصريون عند تلك المناسبة، ولو لدقائق، لإعادة ترتيب أحلامهم، أو على الأقل مراجعتها، تبدو الأمنيات أكثر تواضعاً، لكنها أكثر صدقاً، في بلد أنهكته الضغوط الاقتصادية، وتكاثفت فيه الامتحانات اليومية من غلاء معيشة ومسؤوليات. 

في الشوارع والمنازل وداخل مركبات النقل، يتحدث المصريون عن العام الجديد بنبرة تكاد تكون واحدة، مفادها رغبة توّاقة إلى عام أكثر هدوءاً في الأخبار والأسعار، وفي الإيقاع العام للحياة. وعلى الرغم من صعوبة الواقع، لا تزال فكرة البداية الجديدة قادرة على تحريك شيء دافئ في الداخل، حتى لو كان الأمل ضعيفاً.

تقول منى عثمان، ربة منزل وأم لولدين، لـ"العربي الجديد" إنّ زوجها يعمل في شركة مقاولات بالسعودية، وتتمنى في العام الجديد أن تنخفض الأسعار بعد أن أثقلت كاهل الأسرة. وتضيف: "نحلم بأن نعيش حياة كريمة، وأن نجتمع بزوجي، وتنتهي سنوات الغربة التي أنهكتنا". وتؤكد أنها تسعى لتأمين مستقبل ولدَيها، أيمن وأمنية، رغم صعوبة الظروف، متمنية أن يحقق ابنها معدلاً مرتفعاً في الشهادة الإعدادية، وأن يكون العام الجديد عاماً سعيداً على أسرتها.

ويلفت الموظف في الإصلاح الزراعي عمرو مختار إلى أنه لم يعد يهتم بفكرة استقبال عام جديد أو وداع عام مضى، موضحاً لـ"العربي الجديد" أن الأيام تتشابه، ولم تعد لديه طموحات كما كانت الحال خلال فترة الجامعة وقبل الزواج. ويرى أن ضغوط الحياة ومسؤولياتها جعلت الوقت المخصص للترفيه أو الخروج شبه معدوم، ويضيف: "صارت الحياة كئيبة، كل منا منشغل بهمومه، ولا نكاد نعيش أيامنا، ولا نرجو سوى تيسير الحال".

وتوضح أنجي منصور صليب، وهي موظفة بالمحكمة، أن أمنياتها للعام الجديد تتمحور حول نجاح ولدَيها، ماريان ومينا. وتقول لـ"العربي الجديد": "أتمنى أن تحقق ماريان حلمها في أن تصبح مذيعة ناجحة. كما أتمنى لابني مينا أن يجتاز الثانوية العامة التي ترهق أعصابنا، وأن يلتحق بكلية الطب كما يرغب". وتأمل في أن تصبح البلاد بحال أفضل، وأن يعمّ الفرح.

ويقول الطبيب المتخصص في اضطرابات المخ والجهاز العصبي لدى الأطفال، أحمد أباظة، إنّ أمنياته تتنوع بين المهنية والشخصية. ويضيف الوالد لطفلين: "أتمنى أن أساعد أكبر عدد من المرضى، وأن أرى تحسناً حقيقياً في الحالات الصعبة. كما أطمح إلى تحقيق التوازن بين عملي الطويل في المستشفى والعيادة ووقتي مع أسرتي". ويتحدث عن رغبته في استكمال الأبحاث والدورات التي تطوّر مهاراته. وإذ يتمنى أن يكبر طفلاه، معز ومعاذ، بصحة وسعادة، يعبّر عن حاجته إلى ممارسة الرياضة والعودة إلى هواية الرسم التي يفتقدها بسبب ضيق الوقت. 

وتقول منى صابر (23 عاماً)، الطالبة في كلية التجارة: "أتمنى أن يمرّ العام الجديد من دون توتر، إذ أشعر طوال الوقت أنني متأخرة عن الدراسة والعمل وكل شيء. وأطمح أن أنهي امتحاناتي وأسافر يومين إلى الإسكندرية، حتى من دون مصيف، للترفيه وتغيير الأجواء فقط". 

يتوق المصريون إلى الراحة النفسية، القناطر الخيرية، 21 إبريل 2025 (خالد دسوقي/ فرانس برس)
يتوق المصريون إلى الراحة النفسية، القناطر الخيرية، 21 إبريل 2025 (خالد دسوقي/ فرانس برس)

فقد صارت الإجازة في خيال كثيرين رمزاً للراحة المؤجلة، وللحياة التي لا تُعاش إلا في الفواصل القصيرة بين الأزمات. ولم تعد مجرد رحلة للترفيه بقدر ما هي محاولة للنجاة بالنفس. وعلى الجانب الآخر، تبدو الأمنيات المادية أكثر مباشرة، وربما أكثر قسوة.

يضحك محمود عبد الرحمن (35 عاماً)، وهو موظف في شركة خاصة وأب لطفلين، بمرارة حين يُسأل عن أمنيته، ويقول: "لم أتوقف عن الحلم، لكن الأحلام صغرت. كل أملي أن يكفينا الراتب حتى آخر الشهر، وألا أضطر إلى الاستدانة. وعندما يطلب ابني أي شيء لا أضطر إلى حساب الكلفة خمس مرات، قبل الرد عليه". 

وتقول سعاد محمد (58 عاماً)، وهي ربّة منزل: "أتمنى أن تستقر الأسعار، وأن نحظى ببعض الرحمة، وأن يكون العام الجديد أعدل. لقد كبرنا على التعب، وأولادنا ما زالوا في بداية حياتهم". لا تتحدث سعاد عن نفسها فقط، بل عن جيل كامل تحمّل الكثير، ويخشى أن يرى أبناءه يواجهون الصعوبات ذاتها، وربما أكثر.

وفي المقابل، لدى الشباب أمنيات مرتبطة بالعمل والهجرة، كأن المستقبل بات مشروطاً بمغادرة البلاد. ويقول كريم عوض (27 عاماً)، وهو مهندس تخرّج حديثاً: "أتمنى أن أحظى بفرصة عمل لائقة في مصر، وإن لم تتيسّر الأمور، فسوف أفكر حتماً في السفر، ليس بهدف الرفاهية، إنما من أجل بدء حياة طبيعية". 

ولا تغيب أمنيات الاستقرار الاجتماعي عن المشهد، إذ تقول الموظفة في مجال التسويق نهى حمودة (31 عاماً): "أرغب في الزواج من دون الشعور بأنه مشروع مستحيل، إن لناحية الأسعار والكلفة أو المتطلبات التي تؤخر الزفاف". فقد صار الزواج عند كثيرين أمنية مؤجلة، مرتبطة بتحسن الظروف، لا بتقدّم العمر فقط.

ومع دخول العام الجديد، لا يطلب المصريون المعجزات، إنما ينشدون فرصة عادلة فقط، ومساحة لالتقاط الأنفاس، وأملاً ولو صغيراً، بألا يكون عام 2026 أثقل من سابقه.

وعلى الرغم من أن كثيرين يتعطشون إلى إجازة أو حتى "تغيير جو"، يصطدم هذا الحلم غالباً بالقدرة المادية. الإجازة لم تعد مسألة سفر بقدر ما أصبحت رمزاً للراحة النفسية، للانفصال المؤقت عن ضغط الامتحانات والعمل والمشكلات اليومية.

يحاول بعض الأكاديميين قراءة هذه التناقضات، ويرى الباحث الاقتصادي والمحاضر، معتز عسال، أن عام 2026 قد يكون عام التعافي المستقر للاقتصاد المصري، مستنداً إلى مؤشرات تتعلق بتراجع التضخم، واستقرار سعر الصرف، وتعاف محتمل لإيرادات قناة السويس مع تحسن الأوضاع الجيوسياسية. ويشير إلى أن السياحة قد تلعب دوراً محورياً، مع الوصول إلى 20 مليون سائح، إلى جانب تحسن متوقع في تدفقات الاستثمار الأجنبي. ويُقرّ عسال بأن هذه التحولات تتطلب وقتاً كي تنعكس على الحياة اليومية للمصريين. فالأمنيات لا تُقاس بالأرقام، بل بالإحساس العام بالطمأنينة.