أطباء سوريون تورّطوا في التعذيب وزوّروا شهادات وفاة خلال حكم الأسد
استمع إلى الملخص
- تحدث الطبيب محمد الحاج علي عن انقسام الأطباء بين من رفض المشاركة في الجرائم ومن ساهم في التغطية عليها، مشيراً إلى أن هذه الممارسات جزء من منظومة إجرامية.
- استند التقرير إلى أرشيف واسع من الصور والوثائق، مشيراً إلى دور المؤسسات الطبية في بناء الرواية الرسمية للوفاة داخل المعتقلات السورية.
أعاد تقرير حديث نشرته صحيفة "التايمز" البريطانية يوم الخميس الماضي فتح ملف ظلّ سنوات طويلة بعيداً عن الضجيج، ويتعلق الأمر بالدور الذي لعبته المستشفيات العسكرية في الاعتقالات الجماعية وقتل المدنيين. تظهر الوثائق التي تم الحصول عليها من فرع للمخابرات السورية في العاصمة دمشق أن أطباء وقّعوا على شهادات وفاة تحمل روايات مضلِّلة أو أخفوا أدلة، وأن بعضهم يعيش اليوم في أوروبا ويمارس عمله داخل مؤسسات صحية مدنية، دون ذكر أسمائهم أو تحديد الدول التي يقيمون فيها.
وفق ما جاء في التقرير، فإن أكثر من 150 ألف شخص جرى اعتقالهم أو إخفاؤهم قسراً في سجون نظام الأسد خلال الحرب التي امتدت 14 عاماً، بحسب الشبكة السورية لحقوق الإنسان. وعندما انتهى عهد الإرهاب والخوف الذي فرضه النظام، تدافع السوريون إلى مراكز الاحتجاز بحثاً عن أحبائهم المفقودين. وبينما تمكن البعض من العثور على الناجين، لا يزال آلاف آخرون في عداد المفقودين.
وتشير الوثائق إلى أن هذه الملفات تحتوي على صور لأكثر من 10 آلاف شخص قُتلوا داخل السجون، ما يسلط الضوء على محاولات النظام إخفاء جرائمه وراء شبكة معقدة من البيروقراطية. ووفق ما ورد في التقرير، التقط مصورون تابعون للشرطة العسكرية صوراً لجثث القتلى داخل السجون، وقد حصلت وكالة NDR الألمانية على هذه الصور وشاركت "التايمز" البريطانية بها.
في محاولة لفهم السياق الذي سمح بتورّط بعض الأطباء في جرائم نظام بشار الأسد، تحدّث "العربي الجديد" مع الطبيب السوري البريطاني محمد الحاج علي ورئيس الشبكة السورية البريطانية (SCANUK)، الذي أوضح الدور الذي لعبه الأطباء في منظومة القمع السورية والبنية التي حكمت البلاد عقوداً. يقول الحاج علي: "كل من اختار الوقوف مع المجرم حتى اللحظة الأخيرة. النظام صنع انعزالية عميقة، ربط الناس بخوف دائم من الآخر. وعندما يعيش الإنسان داخل هذه العزلة، يصبح أسير أوهام حقيقية: يخاف من المختلف عنه ويصدّق أي رواية تُقال له، فتتحول الكذبة مع الوقت إلى حقيقة تُربّى الأجيال عليها".
استناداً إلى الشهادات التي اطلعت عليها صحيفة "التايمز"، فإن بعض الأطباء الذين يمارسون المهنة حالياً في أوروبا ساعدوا في إصدار شهادات الوفاة
يضيف: "كثير من الأطباء الذين أعرفهم اختاروا الانحياز للناس ورفضوا المشاركة في منظومة الانتهاكات. منهم من انشقّ مبكراً ومنهم من خدم ملايين السوريين في مخيمات النزوح ودول الجوار. القرار لم يكن سهلاً؛ لكل طبيب ظرفه وقدرته على اتخاذ موقف. أنا نفسي رفضت دعوة للتعاون مع النظام عام 2011 وابتعدت عن البلد حتى سقوطه".
Syrian doctors complicit in Assad’s torture now working in Europe https://t.co/Gev3njIyxk
— The Times and The Sunday Times (@thetimes) December 4, 2025
ويتابع: "في المقابل، هناك من شارك في التغطية على الجرائم وفي تزوير شهادات الوفاة وفي صياغة تقارير تُخفي الحقيقة، بعضهم شارك بشكل مباشر في تعذيب المعتقلين. هؤلاء كانوا جزءاً من منظومة الإجرام في سورية. بعضهم اضطرّ لذلك تحت التهديد، لكنّ آخرين فعلوه برغبة أو بغرض المصلحة".
يروي الحاج علي قصة شاب من قرية برمانة المشايخ في ريف طرطوس، كان يدرس الطب في جامعة حلب وكان حاقداً على طالب زميله، بعدما رفضت طالبة طب حلبية عرض الأول للزواج بها وارتبطت بالثاني (نتحفظ عن ذكر الأسماء). يضيف الطبيب: "تمّ إلصاق تهمة الإخوان بالثاني الذي تخرج وبدأ مشواره في اختصاص الجراحة العامة. ونُقل مباشرة إلى سجن تدمر. بينما تخرّج الأول طبيباً عسكرياً وانتقل إلى سجن تدمر أيضاً. هنا تصل القصة إلى ذروتها حيث وجد الطبيبان نفسهما بعضهما أمام بعض. فاستغلّ الأول سلطته وراح يعذّب الثاني بأساليب مروّعة، جعلت المعتقلين الآخرين يتمنّون له الموت رحمةً به".
ويأسف الحاج علي لأنّ الطبيب الأول: "ما زال موجوداً في سورية. له مكانة اجتماعية، ويُنظر إليه على أنه طبيب من ظروف الحرب. لكن كل من عرف تلك القصة يدرك عقلية الإجرام التي تربّى عليها".
ويؤكّد الحاج علي أن هذه المأساة ليست استثناءً بل جزء من نمط ممتد: "هي منظومة إجرام حقيقية. شارك فيها العسكري ورجل المخابرات والاقتصادي والإعلامي والطبيب والأستاذ الجامعي. كلٌّ أدى دوره بطريقته، وجميعهم شركاء في الجريمة". ويقول إنّ ذلك يتجلّى ذلك في اختفاء العديد من هذه الشخصيات بعد سقوط النظام: "أعرف شخصياً أطباء غطّوا على جرائم ثم اختفوا بالكامل. لا أحد يعرف أسماءهم الحقيقية الآن ولا أماكن وجودهم. حتى رئيس الطب الشرعي في سورية خلال سنوات النظام اختفى تماماً بعد سقوطه. من السهل جداً أن يغيّر هؤلاء أسماءهم وهوياتهم ويغادروا دون أثر".
وعن سبب وصول وثائق الأرشيف السوري إلى الصحافة الغربية قبل العربية، يوضح الحاج علي أنّ: "الإعلام الغربي يمتلك أدوات وشبكات وصول مختلفة. أما في العالم العربي، فقصص التعذيب والمعتقلات تكاد تفقد حساسيتها لامتدادها لعشرات السنين. علاوة على العامل الإقليمي. فسقوط النظام السوري لم يحدث في فراغ، بل تزامن مع الإبادة في غزّة ومع اشتباكات جنوب لبنان ومع حروب أخرى في المنطقة. كان عاماً مزدحماً بالأحداث، وهذا أثّر على قدرة الميديا العربية على منح الحدث السوري مساحته الكاملة".
ويلفت الحاج علي إلى أنّ الملف السوري مُثقل بالشواهد. في كل زاوية توجد قصة وفي كل مؤسسة بصمة. لكن ما تكشفه الصحافة الغربية اليوم هو طبقة جديدة من الأرشيف، تسمح بإعادة النظر في الدور الذي لعبته المؤسسات، ومنها المؤسسات الطبية، في صناعة رواية الموت داخل سورية. وما لم يُكشَف بعد أكبر بكثير".
أرشيف منسوب للنظام
بالعودة إلى تقرير التايمز، فقد اعتمد على أرشيف واسع حصل عليه تلفزيون الشمال الألماني (NDR)، يضم أكثر من عشرة آلاف صورة لمعتقلين قضوا في الفروع الأمنية أو داخل المستشفيات العسكرية في محيط دمشق، مثل مستشفى تشرين ومستشفى حرستا. وتبدو في هذه الصور أجساد هزيلة تحمل آثار التعذيب والتجويع، صُوّرت على عجل فوق بلاط المشرحة أو داخل شاحنات مغلقة، في إطار بروتوكول كانت تتبعه الشرطة العسكرية لتوثيق تنفيذ الأوامر.
من بين الأشخاص الذين التقطت صورهم وفق التقرير، مازن الحمادة، ناشط سوري فرّ إلى أوروبا وأصبح معروفاً لرواية تجربته في التعذيب داخل أحد السجون. وعاد إلى سورية من برلين عام 2020 بعد تهديد الأجهزة الاستخباراتية السورية لعائلته، وتوفي أثناء الاحتجاز قبل عدة أشهر من سقوط نظام الأسد. وفي عام 2016 وحده، أظهرت الوثائق تصوير 3 آلاف و166 ضحية، بما في ذلك ما يصل إلى 177 حالة في يوم واحد، وقد استمر التوثيق إلى غاية الأيام الأخيرة من عمر النظام، وهو ما يبيّن، بحسب التقرير، كيف واصل المسؤولون تعذيب المعتقلين على نطاق واسع حتى بعد نشر صور "قيصر" عام 2015، وهو الاسم الحركي لفريد المذهن، الرئيس السابق لقسم الأدلة الجنائية في الشرطة العسكرية، كما كشف عنه لاحقاً.
وتوضح التايمز أن تلك الصور كانت تُدمج في شهادات وفاة رسمية تُسجّل الأسباب تحت بنود عامة مثل "توقف القلب" أو "قصور في التنفس". ومع تتبّع الوثائق، يظهر أن عدداً من الأطباء الذين شاركوا في هذه العملية انتقلوا لاحقاً إلى أوروبا، حيث يعملون اليوم ضمن أنظمة صحية مدنية، من دون تدقيق كافٍ في خلفياتهم المهنية داخل سورية.
واستناداً إلى الشهادات التي اطلعت عليها صحيفة "التايمز"، فإن بعض الأطباء الذين يمارسون المهنة حالياً في أوروبا ساعدوا في إصدار شهادات الوفاة. وتكشف إحدى الوثائق، الموقعة من طبيب ممارس في ألمانيا، وفاة ستة سجناء معاً نقلوا إلى المستشفى، دون ذكر اسم أي منهم. وجاء في الوثيقة: "وصل المعتقلون إلى قسم الطوارئ في 21 نوفمبر/تشرين الثاني 2013 إثر سكتة قلبية، ولم تكلَل محاولات إنعاشهم بالنجاح". وأشار تقرير للأمم المتحدة، نُشر العام الماضي، إلى أن شهادات الوفاة التي أصدرتها سلطات السجن ووزعتها على عائلات الضحايا احتوت على معلومات مضللة بهدف إخفاء الأسباب الحقيقية للوفاة.
كما زعم بعض المعتقلين السابقين أن أطباء شاركوا في تعذيبهم. لكن لم يجرَ التحقق من ذلك، ولا يُعرف ما إذا كان النظام قد أرغمهم على القيام بذلك. ولأسباب قانونية لم تذكر "التايمز" أسماء الأطباء الذين وقعوا على شهادات الوفاة.
وفي يونيو/حزيران الماضي، دانت محكمة ألمانية طبيباً سورياً، هو علاء موسى، بتهمة تعذيب وقتل معتقلين في مستشفى عسكري وفي أحد مقارّ الاستخبارات العسكرية. وقد حُكم عليه بالسجن مدى الحياة لارتكابه جرائم ضد الإنسانية، من بينها إضرام النار في السجناء وإجراء عمليات جراحية من دون تخدير. وقال أحد الأطباء الذين عملوا في مستشفى حرستا، وطلب عدم الكشف عن اسمه، إنه شاهد حالات تعذيب وسوء معاملة مروّعة. فقد كان الجنود يدخلون عنابر المرضى ليطفئوا سجائرهم في أجساد المعتقلين، ويصبّوا ماءً ملوثاً من دورة المياه في جروحهم، ويُمارسوا عليهم مختلف أشكال العنف، وفق ما ورد في تقرير "التايمز".
هذه المواد تتقاطع مع ما كشفه المصوّر العسكري المعروف سابقاً باسم "قيصر"، الذي سرّب عام 2014 أكثر من 55 ألف صورة لضحايا التعذيب قبل أن يعلن هذا العام هويته الحقيقية: فريد المذهن، الرئيس السابق لقسم الأدلة الجنائية في الشرطة العسكرية. وقال المذهن إن التصوير لم يكن إجراءً تقنياً، بل جزءاً من سلسلة إدارية تُخفي الأسباب الحقيقية للوفاة.
بين الصحافة الغربية والعربية
تزامن نشر التايمز مع تحقيق موسّع لصحيفة "واشنطن بوست" في اليوم نفسه (4 ديسمبر/كانون الأول 2025)، قدّم قراءة أوسع للأرشيف الأمني السوري، واصفاً إياه بـ"السجل البيروقراطي للموت". كما سبق لقناة ITV البريطانية أن بثّت، في أكتوبر/تشرين الأول 2023، تحقيقاً استقصائياً تضمّن شهادات ناجين تحدّثوا عن دور طواقم طبية في منشآت احتجاز تابعة للنظام. وعلى مدى العقد الماضي، وثّقت منظمة هيومن رايتس ووتش العلاقة بين الأجهزة الأمنية والمستشفيات العسكرية اعتماداً على مواد "صور قيصر". واستند المركز الأوروبي للحقوق الدستورية وحقوق الإنسان (ECCHR) لاحقاً إلى هذه الأدلة في دعاوى قضائية رفعت أمام محاكم ألمانية وفرنسية.
كما وثّقت الشبكة السورية لحقوق الإنسان (SNHR)، في تقارير متتابعة منذ 2013، استخدام شهادات الوفاة أداةً لإخفاء الانتهاكات، مشيرة في تقريرها الصادر في 25 يناير/كانون الثاني 2022 إلى دور بعض الأطباء في تثبيت روايات رسمية تُغيّب الأسباب الحقيقية للوفاة.
تُظهر هذه الوثائق والتغطيات المتعددة، من الصحافة الغربية إلى المنظمات الحقوقية، مروراً بما نشرته بعض وسائل الإعلام العربية، اتساع طبقة الأرشيف السوري التي بدأت تتكشف تباعاً منذ سقوط النظام. وتقدّم صورة أعمق للدور الذي لعبته المؤسسات الطبية في بناء الرواية الرسمية للوفاة داخل المعتقلات، وهي رواية لا تزال ظلالها حاضرة في حياة السوريين اليوم.