- سحبت وزارة الشؤون الاجتماعية 62 ألف بطاقة علاج مجاني منذ 2023، مما أثار قلق العائلات المتضررة، مثل حالة هندة الناصري، ويعكس تعقيدات النظام الإداري.
- رغم تغطية 80% من التونسيين صحياً، تزايدت الانتقادات بسبب الإسناد العشوائي، مما يبرز الحاجة لتحسين نظام الاستهداف واستكمال مشروع السجل الاجتماعي الموحد.
أربك سحب بطاقات العلاج المجانية والمنح الاجتماعية في تونس عائلات فقيرة، وطرح أسئلة حول العدالة الصحية والحماية وحدود شفافيتها.
تعيش مئات العائلات الفقيرة في تونس على وقع صدمة سحب بطاقات العلاج المجاني والمنح الاجتماعية منها من دون سابق إعلام أو توضيح رسمي، ما يعيد الجدل في شأن عدالة منظومة العدالة الصحية والحماية الاجتماعية وحدود شفافيتها. وطالب البرلمان الحكومة بتفسيرات عاجلة لمعايير هذا الإجراء وتداعياته على الفئات الهشة.
وكشفت وزارة الشؤون الاجتماعية أخيراً أنها سحبت منذ عام 2023، بعد إجراء مراجعة، نحو 62 ألف بطاقة علاج مجاني، في إطار عمليات "تحيين قواعد البيانات وتأكيد الاستحقاق". ورغم تبريره تقنياً، أربك الإجراء العائلات المعنية في تونس في ظل غياب إشعارات مسبقة أو آليات واضحة لتقديم طعن سريع.
تخبر هندة الناصري (51 سنة) التي تعيل أسرة تضم 5 أفراد "العربي الجديد" أنها كانت تنتفع مع بناتها، وهن في سن الدراسة، من بطاقات العلاج المجانية والمنحة الاجتماعية التي حصلن عليها استناداً إلى بحث أجرته مصالح الشؤون الاجتماعية وأثبت أحقية إدراجهن ضمن برنامج الأمان الاجتماعي للعائلات الفقيرة والمعدمة. وتؤكد أنها فؤجئت منذ أشهر بحرمانها من العلاج المجاني في المستشفيات الحكومية رغم أنها مصابة بأمراض مزمنة وحاجتها إلى أدوية مستمرة ومتابعة طبية طويلة المدى، وحاولت مرات معالجة الوضع لكن مصالح الشؤون الاجتماعية أبلغتها أنها لم تعد مدرجة ضمن منظومة الأمان الاجتماعي لأن إحدى بناتها حصلت على وظيفة.
وتشير إلى أن باقي بناتها لا يزلن في سن الدراسة، وأن وضعها الاجتماعي لم يتحسّن بعد حصول ابنتها الكبيرة على وظيفة في مصنع، ولا تزال أسرتها تحتاج إلى دعم اجتماعي. وتؤكد أنها قدمت اعتراضاً لدى الشؤون الاجتماعية لاسترجاع بطاقة علاجها لكنها غير متفائلة بأن النتيجة ستكون إيجابية.
وتُعد بطاقات العلاج المجاني ومنح العائلات المعوزة جزءاً من برنامج الأمان الاجتماعي الذي يستهدف الفقراء ومحدودي الدخل، ويشمل أشخاصاً غير منخرطين في أنظمة الضمان الاجتماعي أو غير قادرين على تحمّل تكاليف العلاج.
وتفيد بيانات نشرها معهد الإحصاء الحكومي عام 2025 بأن 80% من التونسيين يملكون تغطية صحية، في حين لا يستفيد نحو 2.2 مليون شخص يشكلون نسبة 19% من السكان من أيّ تغطية صحية. وتوضح البيانات التي استندت إلى نتائج التعداد العام للسكان عام 2024 أنّ الصندوق الوطني للتأمين على المرض يمثل الجهة الرئيسية للتغطية الصحية في تونس، ويؤمن خدمات التأمين على المرض لأكثر من 7.2 ملايين شخص، أي نحو 60.6% من عدد السكان.
ويتمتع نحو %6.9 من التونسيين بتأمين بطاقة العلاج المجاني، بينما يحمل 11.1% بطاقة علاج بتعرفة منخفضة ضمن منظومة الحماية الاجتماعية، أي أن نحو 800 ألف إلى مليون شخص من الشريحة الهشة يستفيدون من العلاج المجاني الذي يخضع لمسار إداري يبدأ بتقديم طلب لدى المصالح الجهوية للشؤون الاجتماعية قبل إجراء تحقيق اجتماعي ميداني يمهد لاتخاذ القرار النهائي في شأن الإدراج في قاعدة البيانات الوطنية.
وفي حال سحب امتياز العلاج الميداني يصبح مسار استرجاعه أكثر تعقيداً ويتطلب إعادة تقديم الملفات وانتظار أسابيع أو أشهر، ما يترك المعنيين من دون تغطية صحية. وأعلنت الوزارة في بعض المناسبات فتح باب الاعتراض، لكن نجاح هذه الآلية يبقى محدوداً بسبب بطء الإجراءات وضعف التواصل مع المتضررين.
وتسخر النائبة منال بديدة من سياسة وزارة الشؤون الاجتماعية في معالجة فقر الأسر، باعتبار أن "الخطوة الأولى التي نفذتها للقضاء على الفقر في تونس هي سحب بطاقات العلاج المجاني ومنع عدد كبير من الفقراء من المساعدات بحجة أنهم محتالون، لكن الحقيقة ان بطاقات العلاج سُحبت من الفقراء بينما يتمتع محتالون حقيقيون ببطاقات ورواتب وامتيازات اجتماعية".
ويفسّر خبير الحماية الاجتماعية بدر الدين السماوي، في حديثه لـ"العربي الجديد"، إعادة النظر في قاعدة بيانات الأسر المنتفعة ببطاقات العلاج المجانية والمنح الاجتماعية بأن قراراً وزارياً صدر في أكتوبر / تشرين الأول الماضي لإعادة وضع شروط الانتفاع بالمساعدات مع تقليص مساحة تدخل اللجان الاجتماعية في تحديد قائمة المنتفعين ما أدى إلى سحب مئات الأسر التي أثبتت البيانات أن وضعها الاجتماعي تحسّن". يتابع: "قد تكون منظومة الفرز الجديدة تشددت في حالات خاصة تحتاج فعلاً إلى مساعدات اجتماعية، لذا من الضروري أن تقدم الهيئة العليا للنهوض الاجتماعي التوضيحات اللازمة للرأي العام من أجل تجنّب الجدل الذي أثاره الملف".
ويؤكد أن "قاعدة بيانات الأسر المنتفعة تحدّث في شكل دوري عبر سحب أسر وإضافة أخرى استناداً إلى معايير تستند في الأساس إلى تحسّن مستوى دخل الأسر. وهنا من غير المستبعد أن تعتمد وزارة الشؤون الاجتماعية شروطاً أكثر صرامة في تحديد قائمة الأسر المنتفعة لتقليص الإنفاق الاجتماعي بسبب الصعوبات المالية التي تمر بها الدولة".
وتُظهر بيانات موازنة العام الحالي أن الاعتمادات المخصصة لقطاع الشؤون الاجتماعية تجاوزت 4 مليارات دينار (1.37 مليار دولار) بزيادة أكثر من 17% مقارنة بالعام السابق. وشملت هذه الاعتمادات تحويلات مالية مباشرة وبرامج الدعم والتغطية الصحية للفئات الهشة. لكن ارتفاع الإنفاق لم يحسّن بالضرورة الاستهداف، وانتقد كثيرون استمرار الإسناد العشوائي من جهة، ومن جهة اخرى إقصاء مستحقين فعليين في ظل تأخر استكمال مشروع السجل الاجتماعي الموحد في بلد تتسّع فيه رقعة الفقر وتزداد الضغوط المعيشية.